دراسات
الفن والحرب : تمثيلات مارس.
 
                                                               
تمثال مارس إله الحرب
 
 
 
الحرب القادمة ليست الحرب الأولى
فقد سبقتها في التاريخ حروب وحروب
انتهت الحرب السابقة بمنتصرين ومنهزمين
عند المهزومين جاع عامة الناس
و جاع عامة الناس  أيضا عند المنتصرين
 
                                                                برتولد برخت(1)
 
 
 
 
 
 
 من الذي ( فعل ) الجورنيكا؟
يسأل جنرال فاشي بيكاسو بعد أن رأى  جدارية  جورنيكا بفظاعة تمثيلها لمحرقة سوق القرية الأسبانية التي دكتها الطائرات  في الحرب الأهلية :هل أنت الذي عمل  جورنيكا؟
يجيب بيكاسو : بل أنتم.
السؤال عن العائدية يحمل الاتهام للفاعل الحقيقي لمجزرة الواقع تحريفا لسؤال الجنرال عن مجزرة الفن.
فالفاعل الحقيقي يسأل الفاعل الفني وهذا يحيل بدوره إلى المرجع أو المحرّك ، فلا عمل فني  لولا وجود تلك المجزرة في الواقع.
لقد جرى تمثيل فني للكارثة  ، وتحولت سوق القرية المحترقة إلى واقعة فنية قد لا يجد فيها أحد من الشهود مفردات حَرفية ، لكن الإحساس بالبشاعة والتقزز والألم سيظل يصاحب كل مطالعة بصرية تالية.
تأتي الحرب كحدث طارئ في الحياة البشرية وكنكوص إلى حياة ما قبل المدنية أو ما يعرف بشريعة الغاب، وحلّ المشكلات  بالحرب أو فرض الإرادات بالقوة التي تسحق الآخر وما يتصل به دون تمييز: أرضه وأهله وزرعه وحيواناته ..بالأحرى حياته كلها  تصبح قابلة للمحو وكل ما يمكن أن تصله أسلحة الخصم .
لذا كانت الحروب إعلانا عن شهوة الموت .. وهكذا تصل عبر السك اللساني للكلمة  أو المصدر اللغوي لها.
 
مرادفات الحرب
 
يهبنا المعجم تدرجات دلالية لافتة للحرب، فهي:(نقيض السلم ، أنثى ،والحرب الخصم والعدو ، والمحروب  والحريب من سلب ماله ،وحرب أي غضب والمحراب أصلا مأوى الأسد..)  (1)  ولا تنفك الدلالات عن التوسع والتمدد عبر هذه الدائرة الجهنمية من العداوة والسلب والغضب ومرادفاتها،وقد تنبه الإنسان لذلك حتى وهو يقترف جريمة الحرب فقال عنها زهير بن أبي سلمى في زمن الفروسية والتباهي بالفوز على الخصم محذرا وراسما صورة شعرية فذة تستعين بالبيئة وتوالي التناسل المشؤوم والنتاج الشرير منبها لعواقبها وتأثيراتها:
وقد قلتما أن ندرك السلم واسعا
                        بمال ومعروف من الأمر نسلمِ
..وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
                            وما هو عنها بالحديث المرجّمِ
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة
                               وتضر إذا ضريتموها فتضرمِ
فتعرككم عرك الرحى بثفالها
                                         وتلقح كشافا ثم تنتج فتتئمِ
فتنتج لكم غلمان َ أشأم َ كلهم
                                          كأحمر عاد ٍثم ترضع فتفطمِ
فتُغلل لكم ما لا تغلّ لأهلها
                                            قرى بالعراق من قفيز ودرهمِ
كان زهير يلاعب مخيلة البدو السلمية وانتظارهم ولادة حيواناتهم ونمو زرعهم لكنه يعدهم بزرع ومولودات جهنمية ، يلونها بالأحمر ويجعل غلّتها الدموية تفوق ما تنتج أرض العراق ..
العراق؟ لكأن زهير كان يستقرئ الغيب ليرى ما ستطرح أرض العراق من غلة دموية وما ستشهده من حروب وكوارث وأنهار دماء ..
الأحمر المغولي مصطبغا بماء دجلة بعد تدمير بغداد في القرن السابع الهجري وجريان النهر بلوني الدم والمداد : الأحمر والأسود يغطيان مياه دجلة شهادة على هلاك النسل والفكر وانطفاء شعلة العقل التي ستوقد لتنطفئ بأيدي مغول آخرين : تعددت الأسماء والفاعل واحد  من التتري المهووس بالدم مستبيحا بغداد حتى الجندي الأمريكي الذي يتلفت في شوارع بغداد ليرى ما يمكن قتله واصطياده بعد نهب المتاحف والمكتبات والآثار واللوحات  والمخطوطات.
 
التمثيل البصري للحرب
 
يبدو تمثال مارس إله الحرب لدى الرومان واليونان مدرعا من رأسه حتى ساقيه ،لا وجه ولا ملامح واضحة –بعكس الآلهة الآخرين – ترميزا لعمومية مهنته وشمول وجوده لقتلة عديدين سيرثونه ، الدروع لا يراد منها حماية جسده فهو –بحسب الميثولوجيا السائدة زمن إنجاز تمثاله- يهب القوة للمحاربين ويلهمهم طرق القضاء على أعدائهم، لكنه يصوَّر بهذه الهيئة الدرعية لإخافة الآخر المشرع للموت دوما.
في الكهوف التي حفظت رسوم الإنسان الأول يحدث الشيء نفسه ، الإنسان يسيطر على الحيوان ليصطاده بمبدأ الاسم المهيمن على تفكيره . الشيء  عنده هو صورته لذا يرسم على جدران الكهوف أجساد الحيوانات يخترقها دوما رمح أو سهم ، ولا يغفل في فترات متقدمة لاحقة أن يصور رد فعل الحيوان ذاته ، اللبوة الجريحة مثلا في الجداريات الرافدينية: إن السهام تملأ جسدها لكنها تصرخ واقفة ولا تسقط ،  يستطيل جسدها فيصبح خطأ المنظور والأبعاد طولا مضافا لحضورها زاحفة إلى الأمام  رغم الموت القادم ،إنها تستمد قوة مقاومتها وتعبّر بصرختها عن تشبثها بالحياة.
 من أقدم التنظيرات للحرب كان كتاب ( فن الحرب)للقائد العسكري الصيني سون –تزو ،وفيه  يعبر عن المبادئ العامة التي أثرت في صياغة الستراتيجيات العسكرية وكيفية تجنب الهزيمة وتفادي الخسائر وتحقيق النصر على العدو حتى دون قتال ، و قد تحولت منهجية الكتاب إلى عقيدة تلبَّسها محاربو الساموراي ونابليون حتى الستراتيجيات الأمريكية القائمة.وبفضلها تحول الكر والفر إلى تصدير للقيم والصورة(3) .لكن الصورة ستكون سلاحا معاكسا للحرب - سنرى لاحقا كيف كانت جرائم الحرب ضد العراقيين في سجن أبو غريب حربا معاكسة للاحتلال الأمريكي عبر الصور المأخوذة للسجناء بأوضاع التعذيب البشعة ،  وتمثيلاتها التشكيلية التالية لها والمستندة مرجعيا إلى إيحاءاتها ودلالاتها. .
 
مأثورات الحرب
أخطر ما فعله اختراع الحرب حسما للنزاع والخلاف وأفرزته وسائلها وتكيفاتها هو ثقافتها.
لقد شاعت ثقافة الحرب بصريا وكتابيا وتداولا شفاهيا، وصار المحارب رمزا بغضِّ النظر عن أهداف حربه ووسائلها ، وشاعت توسعاتها المجازية لترادف الكفاح مثلا ، ولكن الأكثر مفارقة وخطورة هو التفوهات المجانية عنها والتي تبرر وحشيتها  فيقال مثلا : في الحرب والحب كل شيء مباح. لقد اقترنت الحرب بالحب إذاً ، وهذا اقتران غريب للأضداد يتنزل من عصور قديمة: فلقد كانت عشتار إلهة للحب والحرب معا في الفكر الرافديني،وذلك جزء من ثنائيات تحكمت في العقل البشري وبرزت في تمثيله الصوري للأشياء أيضا، فهناك تماثيل وجداريات ومنحوتات ناتئة لمخلوقات آدمية ذات رؤوس حيوانية  ، وإلى جانب هذه الثنائية( البشري / الحيواني ) هناك ثنائية الحيواني نفسه( أي تعدد أعضاء الحيوان الواحد كتماثيل الثيران الآشورية  المجنحة في نينوى ) وهناك ثنائيات الأرضي والسماوي ( معارج وتطلعات من الأرض صوب الأعلى : نظام الزقورات البابلية والسومرية ،وصعود إيتانا في الأسطورة  على ظهر نسر بحثا  في السماء عن سر الحياة الذي بحث عنه جلجامش في البر وأعماق البحر وصعود الأبطال في الأساطير الإغريقية إلى السماء )و ثنائية البحري والبري ( جلجامش وهو في بحر الظلمات بحثا عن عشبة الخلود ) والزراعي والبشري ( نرسيس المتحول إلى زهرة النرجس) ونضيف  ثنائية فنية أو أسلوبية هي اختلاط مواد العمل الفني الخام وتعدد مصادره  وغير ذلك ..
ولكن اقتران الحرب بالحب يبرر النزعة العدوانية لدى البشر ويمنحها إطارا عاطفيا .. ومن الطريف أن شاعرا ألمانيا معاصرا هو يواخيم سارتوريوس  تنبه إلى قرابة مفردتي( الحرب والحب ) في العربية ، وحرف الراء الذي يلمعه الطغاة ليصنعوا حروبهم ومحارق البشر في بلدانهم( 4 )
وتشيع في الثقافة العامة اليوم تعبيرات وتراكيب مثل  الموت من الحب أو الموت على الحبيب ، كما حفظت قصص الحب عند العرب أمثلة لمشابهات قصة  روميو وجوليت ونهايات الحب بالتضحية بالنفس فداء للمحبوب أو المحبوبة كقصة مجنون ليلى والصور الذهنية المحايثة لموته ،ٍ وكذلك جميل بثينة وسواهما من أبطال قصص الحب العذري .و  ترد في المدونات الشعري تهاويل لترادف الحب والموت لعل أشهرها ما عده مؤرخو الأدب والنقاد القدامى أغزل بيت قالته العرب وهو قول جرير وما بعده:
إن العيون التي في طرفها حور
                                                        قتلننا ثم لم يُحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
                                              وهنَّ أضعف خلق الله إنسانا
وتدل مفردات القتل والصراع والقتلى على مجزرة باعثها الحب هذه المرة.
ويؤكد المتنبي الطابع القتالي في الحب في مواضع عديدة من ديوانه تصريحا وتلميحا، وأبرزها قصيدته الدالية:
كم قتيلٍ كما قُتلتُ شهيدِ
                               لبياض الطلى وورد الخدودِ
وعيون المها ولا كعيونٍ
                                      فتكت بالمتيم المعمود
عمرك الله! هل رأيت بدورا
                            طالعات في براقع وبرودِ؟
راميات بأسهم ريشها الهد..
                                    ..بُ تصيب القلوب قبل الصدورِ( 5)
 وهذه المقتلة الغزلية لم تخل من أسلحة فتاكة وقتل وشهادة ورمي وإصابة، وكل هذا من عيون وصفها سلفه جرير بالضعف ووصفها هو بالفتنة التي تحمل الغواية الجميلة والقتل معا ، في عودة لثنائية الحب والحرب في شخص عشتار التي تمثل مارس وكيوبيد معا ، وهو ما عبر عنه المتنبي بوصف : الناعمات  القاتلات أو فتانة قتالة ، وهن أي النسوة ذوات قلوب رقيقة لكنها صخرية ، كما يصورهن بالمماثلة :( أرق من الخمر بقلب أقسى من الجلمودِ) ألهذا صورت الحرب لغويا بأنها أنثى؟ ثم استذكر أحد اللغويين ذلك فجعلها ذكرا لما فيها من الشدة والقتل ؟(6)
في زمن لاحق سيصور ديلاكروا معركة الفرنسيين من أجل الحرية في لوحته الشهيرة ( الحرية تقود الشعوب) امرأة فائقة الجمال متبذلة بثياب لا تنبيء عن معركة لكنها تحمل الراية وتتقدم الجموع التي يبدو في المقدمة منها شاب يحمل مسدسا ويتبع الفتاة .
هذا الازدواج في القتل والجمال ، والحب والحرب ينسبه المتنبي لممدوحيه من الفرسان المحاربين ، فهم ذوو طبيعتين : بشرية تؤاخي الناس وترفق بهم ، وحيوانية تختفي تحتها وتبرز عند الحروب:
يستصغرالخطر الكبير لوفده
                                ويظن دجلة ليس تكفي شاربا
 سلْ عن شجاعته وزرهُ مسالما
                                     وحذارِ ثم حذار منه محاربا
                                    إن تلقه لا تلق إلا جحفلا
                                    أو قسطلا أو طاعنا أو ضاربا
أو هاربا أو طالبا  أو راغبا
                                                أو راهبا  أو هالكا أو نادبا
وإذا نظرت إلى الجبال وجدتها
                                       فوق السهول عواسلا و قواضبا
وإذا نظرت إلى السهول وجدتها
                                           تحت الجبال فوارسا وجنائبا
فكأنما كُسِي َ النهار بها دجى
                                         ليل وأطلعت الرماح كواكبا
أُسدٌ فرائسها الأسود يقودها
                                               أسدٌ تصير له الأسود ثعالبا (7)
لقد تحول كل شيء وتغيرت الطبيعة عاليها سافلها وتردى كل شيء برداء الموت استجابة لغريزة الدم الحيوانية حتى حصل النكوص إلى صورة الحيوان في الأبيات الأخيرة فصار المتقاتلون أسودا: حيوانات فرائسها من جنسها.
وتصل السادية ذروتها حين  يحتفل الشاعر بالنصر ويجعل حتى الموتى
من  القتلى يفخرون بأنهم ضحايا الممدوح ، بل الدم الذي أجراه يصبح فاخرا أيضا.
 
الصدى البصري للحرب
 
لقد عملت الحروب لا سيما الحربان العالميتان في النصف الأول من القرن العشرين على  إحداث عثرات في  حركة الفن الأوربي بسبب اشتراك بعض الفنانين مباشرة فيها أو لتأثرهم الحاد بصور المعاناة البشرية (8) ولكن ذلك لا يجب أن ينسينا الجانب الأسلوبي والشعوري الذي تغير بفعل تلك الحروب وظهور موجات وتجمعات لم يمنع طابعها الاحتجاجي من بروز نزعة التحديث فيها ، بل كان سبا قويا لجنوحها نحو التحديث فكانت الدادائية والسوريالية والتكعيبية والتأثرية التعبيرية محاولات لتمثيل حدث الحرب ونتائجه في الضمير والمصير الإنساني، وتفاوت التعبير بين الترميز البليغ-صرخة مونش مثلا باختزالها للهم الإنساني والعذاب الفردي، وصرخة بيكون المقموعة بزاوية الفم - أو بتمثيل وقائع عريضة ومدوية كمجزرة جورنيكا التي صاغها بيكاسو بالأبيض والأسود  واستخدم المأثور الأسباني-الثور لنقل هول الفاجعة.
لقد تمثل جويا قبل ذلك حروب أسبانيا واضطراباتها ببشاعتها ودمارها  عبر اتجاهين: أسطوري حين رسم لوحته (زحل يلتهم أبناءه)  مهيمنا عليها السواد والخراب والخوف والإثارة ( 9)  ثم بسلسلة رسومه كوارث الحرب لا سيما لوحة القتال بالهراوات التي تمثل الصراع الهمجي بين الأخوة والدم يغرق أحدهما بينما التصقت أرجلهما بالمستنقع الذي صنعته الدماء وحال بينهم وبين الهرب والنجاة( 10).فاستمد  موضوعاته من التاريخ القريب ووقائعه القائمة ومن التاريخ الميثولوجي الرامز لشهية الموت .
كان زحل يلتهم بعنف أبناءه الموكل إليهم بحسب الأسطورة أمور السماء والماء والموت ، ويجسد بشاعة العمل الذي يقوم به وهو موضوع تناوله رسامون آخرون أيضا .
ويعمل ديلاكروا على تجسيد بشاعة الحرب عبر تصوير جانب من المجازر التي حصلت في جزيرة ساكس اليونانية في حربها مع الأتراك.وتمادى في تكثيف جو المذبحة والقتل لأهالي الجزيرة  حتى قال عنها بعض النقاد إنها مذبحة الفن(11 ).
كان بيكاسو وهو يرصد مصير جورنيكا الدموي يزج بالثيران والخيول الميتة تعبيرا عن الألم . وتدل الاسكيتشات الأولية  العديدة التي نفذها استعدادا للعمل الجداري الخالد على مدى انفعاله وتأثره وتوتره(فالرغبات العنيفة- كما يقول منظرو جماليات الفن – تعبير عن معرفة العالم بكل تعقيداته حيث لا ننتظر تقنية هادئة مستوية متوازنة وصقيلة )(12 ) وهو ما جعل بيكاسو يترك العمل لمصيره الدلالي بالأسود والأبيض. فالثور يرمز للقصف الوحشي والعنف  حيث دمرت طائرا ت ألمانية  سوق قرية جورنيكا الأسبانية في الباسك في أبريل 1937مزاوجا بين الثيران والخيول القتيلة وصرخات النسوة من النوافذ(13 ) .
وكان سلفادور دالي قد استبق الحرب بلوحته الشهيرة (نذير الحرب الأهلية) والتي يتساوق جوها مع لوحات أخرى يظهر فيها ما يدعوه جبرا إبراهيم جبرا (المحتوى الأدبي لا التشكيلي الصرف) (14)رغم بشاعة ما يصوره والتشريح الواضح في وجه العجوز الفزعة واستنادها إلى عظام منخورة طويلة في عراء ممتد بلا أفق.
 
تجارب عربية
 
بسبب الحرب توقفت دراسة جواد سليم الفنية في روما ، وعاد إلى بغداد منشغلا بالحداثة المستمدة من البيئة البغدادية ، ومتنصتا للمدافع التي انتظر صمتها بلهفة  ليعاود دراسته في لندن هذه المرة، فكتب  عام 1944في إحدى يومياته متمنيا: (غدا السلام يقترب وأشباح الموت وآلات الشر تحتضر في بيوتها ) ويعلق الناقد أسعد عرابي على صدى الحرب في روح جواد وأسلوبه وموضوعاته بالقول إن جواد تبدو حساسيته الشمولية من مصاب العالم بالحرب العالمية الثانية أكبر من خارطة العراق معللا ذلك بأنه أدرك معنى الإنسانية المضحى بقيمتها بسبب ابتلاء مجتمعه بالاستعمار ( 15) كما أن حب الحياة كما يقول  جواد والكفاح في سبيل النظام الطبيعي  كان دافعا متمثلا  في عمل لخراب الحرب وتدميرها هو منحوتة( البنّاء أو الأسطة ) الذي يعكف ومساعدوه على تشييد ما يعادل الحياة ورهافتها وكأنها صرخة معاكسة للحرب ومضادة لها.
وتظل انعكاسات الحرب وتمثلاتها تعمل في ضمير جواد سليم ووعيه ويقترب بها من دائرة الذات لينفذ لوحتين في زمن متقارب عام 1947 هما: الابن المقتول والطفل الميت كجزئيات تعكف الحداثة على انتزاعها من سلسلتها المرجعية كوقائع خارجية أو نتائج لها لتدرجها في وجود جديد هو وجودها النصي .
وتشكل المرأة فاعلا في العملين تندب وتصرخ أو تنتظر حزينة مستلبة، كانت الخطوط الخارجية قوية للغاية تشد البصر كأطر للوجوه والشخوص المتنضدة بفورة عصبية يدل عليها ازدحامها في خلاء السطح التصويري وعفوية الوجود الشخصي في خلفيات العمل وتضاؤل أجساد الضحايا وصغرها كناية عن براءتها وضعفها.وهي ترسم جوا كابوسيا ينفّر من الحدث ويزيد كراهية الإنسان للحرب وويلاتها المنعكسة هذه المرة على المصير الأسري والعاطفي للناس.
 
ويقدم الفنان فاتح المدرس شهادة على ما حصل في لبنان ، لكنه يكتب ببلاغة عن وعيه البصري وتمثيلاته للحرب فيقول:(هل هذا الخط الممتد من جانب الرأس حتى الفقرات القطنية  هو من مشرط جراح أم من سلاح القتل؟.ويختفي القتلة ، ربما عادوا إلى قانا أو الخليل أو جنوب لبنان أو إلى مرتفعات الأراضي ..إلى أي مكان ..وأتساءل: من هو هذا الإنسان الذي رسمته الطبيعة وجئت أنا لأتمم بشاعته، هل حقا كان ملاكا؟..) (16)  ويتحدث عن تحول الدهشة البصرية إلى ذاكرة سمعية  كأنما يحلم بلوحة  تقترن بالحدث وتجعله  مجسماً في التلقي. لقد كان القرن العشرون بحق هو قرن القتل الجمالي  حيث لا مكان للوردة والفراشة  بعبارة الفنان فاتح المدرس  الذي يتساءل  بعد رؤية مقابر البوسنة الجماعية: ماذا يستطيع الفنان التشكيلي أن يفعل أمام حفرة تحوي آلاف جثث الآدميين الذين قتلوا رشّا أمام بعضهم البعض؟؛(17)
لذلك يصف ما حدث في حرب لبنان الأهلية بالقول إن في قلب كل ملاك قاتلا   ، وعلق العبارة  في مرسمه وإلى جانبها لوحته ( بيروت : ليل الحرب الأهلية) كانت المرأة تحتل الجانب الأيمن من اللوحة بابتسامة سائلة زرقاء وجسد لا يتبين منه المتلقي إلا الوجه  بينما تتلاشى أبعاد الجسد السفلى في هيولى وفراغ وإلى جانبها يبدو مدفع دبابة جاثما  فوق بيت ربما كان بيتها.
إن السرد يلبي هنا حاجة الفنان للبقاء في منطقة وسطى بين الترميز والبوح المباشر، ووجود المرأة في هذا النص عن بيروت هو جزء من الخطاب الحداثي الذي لا يرى في المرأة كائنا مزدوجا أو منقسماً: مارس وكيوبيد أو الحب والقتل ، بل يجعل وجود المرأة كقيمة جمالية عليا مناسَبَةً لإدانة القتل ومبررا للحياة والدفاع عنها.
كما أن ذلك يؤكد المواجهة الفردية العزلاء للإنسان بوجه الشر الذي تمثله الحرب وهو ما يبدو في تماثيل سامي محمد التي يصر على طابعها الكوني لا المحلي لتجسد آثار العنف والحروب على الإنسان، وهي فكرته التي يشرحها لزوار معارضه أو محترفه، إنه يريد تلقيا معرفيا لصدى العنف الذي تضج به منحوتاته والعناء الفردي الذي يتحمله البشر جراء ذلك-والصورة المرفقة لأحد تماثيله تمثل ذلك المنظور المتسع للمعاناة ، فالحرب ليست بشاعتها محصورة في كونها قدرا جماعيا فحسب بل بما تمثله من معاناة فردية يمثلها الشخص الممدد بلا قوة وعلى صدره صخرة ضخمة تسحقه وتستدعي جزءا من معاناة سيزيف الأسطورية.
 
 
في فلسطين التي تمسرحت على أرضها أكثر الحروب ظلما ووحشية وطال أمدها حتى تعدى القرن الذي حدثت فيه،  تبدو رسوم إسماعيل شموط  متمثلة للحدث بطريقة مباشرة تحضر فيها مفردات الشهادة خاصة  ، ولعل النكبة التي تمثلت بالعنصرية الصهيونية  وحربها على البشر وتهجيرهم قد وجدت تمثلاتها في الحداثة الفنية اللاحقة  ، لكن الموضوع الفلسطيني ظل ذا أثر التهامي ،  أي أن الأعمال تتصاغر إزاءه وتعمل على أخذ موتيفات مجتزأة منه تتمثل في المجازر المتكررة بمقابل الروح الكفاحية للفلسطينيين ودفاعهم عن هويتهم.
وفي هذا الجو العاطفي المتوتر تتأخر وتائر التحديث لأن الفن نشأ في حاضنة الحدث ولحق به على المستوى التمثيلي.
 
واويلتاه على بابل
 
 الوصول إلى الموضوع العراقي المؤجل هو في أحد جوانبه لاشعوريا تأجيل للتأمل في التراجديديا العراقية القائمة ، إذ كيف يمكن لعراقي  مثلي شهد الكوارث وعاش تداعياتها  ونالته تشظياتها أن يتأمل جرحه ليراقب تمثيلاته اللونية أو الورقية ؟
وكم سيكفي من الألوان ليوصل الإحساس بأنهار الدماء التي ينزفها هذه اللحظة كما في تاريخه كله جرح عراقي مفتوح على الآخرة التي تبدو أحيانا جحيما يلتهم أخضر الحياة و يابسها؟
كم من جورنيكا نحتاج لنجسد آلام القتلى بالمجان  و صرخات المفقودين في حروب العراق المتلاحقة  وأنات أمهاتهم وآبائهم المتعلقة أبصارهم بوعد كالسراب بعودتهم المؤملة كالحلم؟
كم جورنيكا تستوعب احتراق مئات الحيوات تحت السمع والبصر داخل ملجأ العامرية فجر 13-2-1991 بقذائف المقاتلتين الأمريكيتين اللتين أغلق عصفهما أبواب الملجأ وامتلاء  المكان بمياه شديدة الحرارة واختناق النائمين في الملجأ أو احتراقهم وخفوت أصواتهم الطالبة للنجدة شيئا فشيئا ؟
وكم يكفي من السطوح التصويرية ومواد النحت والحفر لتجسيد مأساة تعذيب سجناء أبو غريب على أيدي الجنود والجنديات الأمريكان وهم يلهون  بساديّة  عجيبة بأجساد المحتجزين  ويصنعون منها دمى وطرائف لالتقاط الصور ..جرائم  مروعة صورت حية فاهتز لها ضمير العالم كله؟
كم من الحبر والورق والألوان يكفي لبسط عناء الأرواح التي أزهقها العنف الأعمى والإرهاب وفقد الناس في ظلامها وجهلها بنيهم وبناتهم وأحبتهم مجهولي المصير مغيّبين بلمحة بصر؟
في العراق القديم ثمة  مقاطع شعرية في قصيدة إيرا وإيشوم  تتأوه على المدينة التي صارت خرابا:
وا ويلتاه على بابل التي صنعتها سامية
كتاج شجرة النخيل لكن الريح أذبلتها
وا ويلتاه على بابل التي ملأتها بالبذور ككوز صنوبر
ولكنني لم أتمكن من جعلها تثمر
وا ويلتاه على بابل التي زرعتها كبستان خصيب
ولكنني لم  أذق أبدا طعم ثمره(18)
 
يكون الدمار في الأساطير العراقية والأدب الرافديني عامة ملازما للحياة ثم ينعكس في الرسم الجداري والألواح والتماثيل.
في القرن الثامن قبل الميلاد يتوعد الطغاة بهدم المدن وقتل الأبرياء:
سأجهز على الأراضي وأحسبها في عداد الآثار
سأعيث خرابا في مدن وأجعلها قفارا
سأدمر جبالا واجعلها خرابا
سأثير محيطات وأقضي عليها
سأنقب أرض القصب وأنبش القبور(19)
كما يتوعد  الأعداء بأن تسيل دماؤهم  أنهارا كما الماء  ، ويوصي القائد العسكري بأن يقتل البشر والآلهة على السواء والشيخ والشاب ، وألا تظل حكمة ما تمنع من فعل الحرب الشنيع وربما لذلك كانت طقوس تماثيل الخشب عند صناعتها تقترن بطقس غسل الفم ( 20) لكي لا يظل للكلمة من معنى..وتنطلق قوة اليد فقط  وما تحمله من سلاح ..
أما الفن فقد كان تسجيلا لتلك الانتصارات الحربية وباعثا لتدوينها صوريا امتثالا لرغبة الحكام في تأكيد ذواتهم  ،وصار ذلك مبعثا للابتكار،  فحين لا تكفي الأفاريز والمصاطب الحجرية والألواح لسرد قصة النصر فإن الفنان يلجا إلى ابتكار الرفوف التصاعدية لتدوين ملحمة النصر ، وسنقف عند لوحة أور ذات الجهتين أو الوجهين (21)التي تعرض جانبا من حروب السومريين وفي الجانب أو الوجه الآخر تسجل الاحتفال بالنصر واستعراض الأسرى أمام الحاكم والقادة ، وهي منفذة بالمادة التي انفردت بها الفنون السومرية حيث يستخدم القار على اللوح الخشبي ثم تثبت الأشكال عليه  ، وفي كل وجه ثلاثة صفوف من الأشكال الأفقية المتناظرة  وبين الأعلى والأسفل أي في الفراغ الأوسط تتكرر  شخوص الحاشية والحاكم أو تبين المناسبة المحتفل بها وبذا يتم سرد قصة النصر بستة أجزاء وتظهر كذلك المغنية التي تحتفل بالمناسبة وكذلك غنائم المعركة.
هذا الميل السردي على الجداريات  والأعمال الكبيرة سيظهر لاحقا في أعمال فنانين عراقيين في مقدمتهم جواد سليم وعمله الخالد نصب الحرية ذي المقاطع المترابطة سرديا.
يلاحظ الباحثون أن التصميم في لوحة أور أعطى الفنان القديم  فرصة  أكبر في توزيع شخصياته على اللوحة ، كما أن خامة الصدف تطلبت دقة من الفنان في نحت أشكاله .( 22)
لقد دفعت روح السرد الملحمي فناني هذا النوع من الأعمال لتسجيل مفردات دقيقة ومهمة في الحياة الحربية آنذاك كالعربة التي تفوَّق السومريون في استخدامها في الحروب وكواسطة نقل مميزة للحاكم الذي يظهر عادة بحجم أكبر من حاشيته وقُوّاده، أما الأسرى فهم خافضون رؤوسهم والقتلى تدوس عليهم أرجل المحاربين.
و أما في أكد مملكة سرجون إلى الشمال من سومر فقد كانت الفنون الآشورية تحتفي بالحروب كمادة رئيسة لها تفوق عدديا النقوش والألواح التعبدية ، ويمكن معاينة لوح النصر الذي يدون انتصارات   نارام سن  حفيد سرجون الأكدي على  أعدائه(23) ويلاحظ الحس الملحمي في بنية اللوح حيث تسجل القطعة النادرة حدث الحرب فيعتلي نارام سن الجبل منفردا متقدما الجيش وبحجم كبير كما في الملاحم السومرية قريبا من الكواكب وقمة الجبل ترميزا لهيبته ومكانته وتسلطه.
الموت والأسر الواقع على الأعداء لا يميز قادتهم  بمكان أو مكانة ما في العمل ، بل يجعل الجميع قتلى أو أسرى يستعرضون أمام الحاكم والحاشية والجماهير ليغدو النصر عاما وإن كان ملصقا باسم الحاكم.
إن انشغال الفن العراقي في عواصمه الكبرى في بلاد الرافدين بالحرب ومفرداتها لا يعني إغفال الجوانب الإنسانية  والموضوعات الجمالية ، ولكن الحرب كانت المركز البؤري للإعمال الفنية ومناسبة ظهورها أو وجودها  ، تماما كالمديح بالنسبة للشعر القديم  حيث لا موضوع يتقدم عليه ولا يعمّد الشاعر شاعرا إلا من خلاله  ، ولا تُعد القصيدة نصا مصرحا به أو معترفا بفنيته إلا بمروره من بوابة المدح.
لعل هذا الميراث الحربي المستعاد في الملاحم العصرية المنفذة بعد أو خلال حروب العراق المتكررة تعيد رسيّا أو اجترارا تلك التقاليد القديمة في الفن الرافديني المنهمك في تصوير الحروب وتخليدها عبر صانعيها المتخيلين وقادتها الميدانيين وجنودها السائرين  على جثث الأعداء في عودتهم منتصرين.
وتعزز الروح الغنائية ما ينقص الملحمية من وجدانيات ورؤى،  لكن الفنان يتضاءل كذات بموازاة الموضوع الأكبر الذي ينقله . ولا شك أن الغريزة المزدوجة في الحروب – بشريّة – حيوانية ، توقظ ذلك الإحساس بالتشفي وسحق العدو تحت جنازير الدبابات  مع إضافات وتعديلات  موضوعاتية كتمجيد الشهداء وبسالتهم وفرح الأهل بتشييعهم أو هكذا يجب أن يظهروا في الفن الجماهيري الممجد للحرب.
ولكن في عمق المأساة وفقدان أعزاء وتهدم بيوت وحقول يبرز  الترميز ليسجل ضيق الإنسان وخوفه  وحزنه وخساراته،انطلاقا من ملامسته ومعايشته للحدث..
كان غراب علاء بشير أحد الرموز التي تكرس الإحساس الكابوسي بالحرب ،  فالغراب تحف به دلالات الشؤم في المعتقدات والميثولوجيا ويكفي أن نذكر دوره في تعليم أول قاتل في تاريخ البشرية كيف يدفن أخاه القتيل(24) وكان الغراب حاضرا في لوحات علاء بشير المنتجة في مناخ الحرب  ، وهو غراب ينهش أكباد الشخوص المستسلمين بشيء من النشوة وكثير من اليأس لمصيرهم الغرابي ،  وتساعد النزعة التشريحية لعلاء بشير وخبرته كطبيب متخصص في الجراحة التجميلية على تجسيم البشاعة والإحساس بالألم الواقع على الفرد بفعلٍ مجهول ظاهريا مفهومٍ تأويليا وهو الحرب.
ولاحقا ستنعكس في الأعمال الفنية  الحرب وتداعياتها لا سيما الحصار الذي تضرر بسببه مواطنو العراق وعانوا الفاقة وشح المصادر المعيشية والحياتية عامة ، وفد فرضت ندرة المواد الخام  ومستلزمات العمل الفني من أصباغ وقماش وخشب وحجر وطباعة وفرش ومواد كيمياوية وما إليها اللجوء إلى التخطيط بالرصاص أو الرسم على الورق وشيوع الجداريات  والرسم بالمائيات المتوفرة ،  وذلك يجعل مادة العمل ومحتواه في تماهٍ تام و سيحصل مثل ذلك في الكتابة حيث تشح مواد الطباعة والورق ولوازم النشر..
هذا الضيق سيظهر في رسوم الأجيال التالية التي شهدت الحرب وعاشت جوانبها العملية واكتوت بها تماما  ، لذا يخيم الحس الكابوسي على رسوم الثمانينين والتالين لهم من الجيل الذي تفتحت مواهبه مع ظروف الحصار منذ مطلع التسعينيات حتى الاحتلال الأمريكي للعراق.
ففي رسوم الجيل المعاصر للحرب والحصار جرى تأكيد ذلك التحول في المواد و المعالجة ،  وسنرى ذلك في لوحات ومنحوتات لأحمد البحراني وجماعة الأربعة( فاخر محمد وحسن عبود ومحمد صبري وعاصم عبدالأمير) وهناء مال الله وغسان غائب وكريم رسن وستار كاووش وإيمان خالد   ونديم محسن ونزار يحيى وعمار سلمان ومحمود العبيدي وسواهم من فناني بغداد والمحافظات والمهجر أيضا.
وتعكس التخطيطات والمائيات والمنحوتات تلك الروح التقشفية ، وفي حال توفر المواد فإن الجو الكابوسي للحصار وقلق المستقبل والتهديدات بالحرب كلها تدعو لليأس والتشاؤم وتشيع ما تسميه هناء مال الله كعنوان لأحد تخطيطاتها الورقية ( مذاق الحصار)  التي تبدو فيها الأفواه كالرؤوس فارغة وبائسة بسبب الحصار ومتناثرة على سطح الورقة متباعدة رغم خطوطها الخارجية الدقيقة كناية عن التدهور الذي أصاب الحياة كلها. وتوسعت بسبب الحرب مصادر الرسامين الثقافية وصاروا يبحثون في طيات المكان المديني والمأثورات عن مراجع تصويرية ،  وحينا يذهبون إلى المقتنيات المتحفية ليستفيدوا منها في تكوين أعمالهم.واستلهام الروح الحضارية للفن العراقي القديم وتأمين حداثة أعمالهم في الوقت نفسه..
في النحت ربما تستوقفنا تجربة أحمد البحراني الذي يمر بمراحل تطور واضحة  في تأكيد معالجات خاصة وجذرية  ساعدته في التخلص من تأثير النحاتين العالميين –جياكوميتي خاصة وشخوصه الدقيقة العارية المعلقة في الفراغ والمؤطرة بحدود تشل حركتها كناية عن المحددات التي جاءت بها الحرب .
يشتغل على موضوع الحرب وانعكاساتها فنانون من أجيال مختلفة تلقوا أصداءها وتمثلوها بطرق متنوعة ،  ومن هؤلاء شاكر حسن الذي ازدادت ضراوة تعامله مع المواد وأوغل في تجارب الحرق والخرق وتهشيم الأطر ورسم اللوحات المعتمدة على التنافذ بين وجهيها ،  كما أخذ يبشر بفن ما بعد الرسم يأسا من جدوى الخطاب الجمالي السائد في النصوص التشكيلية وبرزت لديه تمزقات   أو تداعيات جدرانه وتشظيها ومعاناتها من خروق وانهيارات توازي ما يحصل بسبب الحرب. 
وهذا ما يظهر في تجارب فنانين مكرسين  كضياء العزاوي و رافع الناصري ومحمد مهر الدين وإسماعيل فتاح  ومحمد غني وسالم الدباغ وليلى العطار  وسواهم ممن شهدوا الحروب وتداخلات الحالة العراقية.. وسنتبين في  لوحات رسمها مهر الدين مثلا أواخر التسعينيات مصاحبة لأحد دواوين البياتي أنه يميل إلى التشظية والقطع والتركيز على ثيمات الموت ومرادفاته الرمزية كالليل ، بينما ينقسم السطح التصويري قسمين تفصلهما مساحات ملونة متداخلة وتتسيد العمل خلفيات داكنة لم تنقذها الخطوط والألوان من الحس الفجائعي .
وفي عمل ضياء العزاوي استبطان واضح عبر التشريح لدواخل الإنسان الذي تخرج من قفصه الصدري حمامة تنهي بالأحمر وتشي بفاجعة قائمة أو قادمة.
لحظتان دراميتان في ذروة الألم العراقي
أر
 
كي لا يظل الحديث عن العراق وحروبه واحتلاله عاما سأتوقف عند لحظتين هامتين في سيرورة ألمه المزمن والأبدي هما حادثة تدمير ملجـأ العامرية ،  وتعذيب سجناء أبو غريب.
كلا الفعلين لهما فاعل واحد، كان مارس يركب في جريمة العامرية طائرة مقاتلة تتبعها أخرى ليوسعا فتحات منافذ التهوية ويلقيا القنابل الثقيلة التي بسبب الحرارة التي صنعتها أغلقت مخارج الملجأ الغاص بالهاربين من القصف الليلي على المدن عام 1991. كانت تلك تحية الصباح من العسكر الأمريكان لهؤلاء الحالمين بليلة لا يسمعون فيها صفارات الإنذار وهدير الطائرات ودوي القنابل التي يتوقعون أن تسقط علي بيوتهم، لكن حدسهم خذلهم هذه المرة  ، ومن حيث ظنوا الأمن جاءتهم المقتلة التي حصدت أرواحهم بطريقة بشعة، كنا نتجمهر خارج الملجأ صباحا بعد أن سمعنا بالضربة الجوية على ملجأ مدني لسكان العامرية غرب بغداد والقريب من مركز الكرخ فهرعنا إلى هناك .كان المنقذون الأوائل من الإطفائيين  قد ماتوا احتراقا أو اختناقا   ، و لا تزال صيحات المحاصرين من النسوة والأطفال والشباب تُسمع طالبةً النجدة...بعد ساعات ستتوقف صرخات  الاستغاثة لأن أصحابها لم يعد يطلقونها. لقد ماتوا جميعا.
تمثّل الرسامون والنحاتون العراقيون كما الأدباء والشعراء عناصر تلك المجزرة التي شبهها الشهود بجورنيكا ضخمة وعصرية ، ولكن الملجأ الذي صار متحفا يري الزائرين صور الضحايا وقطع الشعر واللحم الملتصقة بالجدران ،  والجدران أو ما تبقى منها مسودا بهباب الأجساد التي تفحمت وشبح الموت يتبختر بإرشاد مارس الذي كان  يتدرع بحديد إضافي وينظر بشماتة ولذة  ،ويشد على أيدي رسله من الطيارين الأمريكان وقادتهم القتلة الذين أبدوا اعتذارا دبلوماسيا لم يخل من اتهام للضحايا بالتقصير!
ليست نصوص العامرية التشكيلية تحت يدي الآن للأ سف، ولكن الذاكرة تحتفظ بملاحظة نقدية مفادها أنْ لا عمل ارتقى إلى رتبة الواقعة وأثرها الشعوري والإنساني. هنا يتفوق الخارج وواقعته على نسخة الفن التي تحتاج إلى زمن لاستيعاب الحدث  ، وابتكار زاوية النظر التي تخلده في وعي الأجيال وضمير الإنسانية وسنن المدنية ونواميس الحضارة.
نحن لا نطالب هنا بعمل إيقوني ينقل مفردات مرجعه الخارجي لأننا بحسب ملاحظة جوليا كريستيفا بالغة الاختصار والدقة (25)نكون قد قسنا الموضوع المصوّر(=المرسوم )كصورة لمرجع موجود خارج نظام اللوحة مادمنا نقيس لموضوع واقعي  ، وبذا نقضي على اللغة التصويرية باختزال مكوناتها في مكونات مشهد خارج اللوحة ، تتصل به بطريق المماثلة التامة(=المطابقة) .وسنكون بانتظار عمل يستوعب ويتمثل ما حصل في الملجأ ذلك الفجر ويتأمل المصائر التي واجهها المدنيون النائمون   ثم يعيد تمثيلها فنيا لا بتجويق الضحايا أو درج الجريمة في تحديات الحرب المعلنة بل في دلالتها الإنسانية والقدر الفردي الذي واجهه كضحية.
في حالة سجن أبو غريب كانت الصور  الفوتغرافية ذات وقع استباقي ، فكان العجز الفني  بسبب ذلك الوقع المدوي للصور ،لا بسبب التعجيز الذي تنطوي عليه الواقعة الخارجية(= واقعة التعذيب المفرط الوحشية للسجناء والمحتجزين وإشراك الكلاب في ترويعهم ونهش أبدانهم  ،  والسخرية منهم  وتعليقهم عراة بطرق مهينة وتصويرهم مع الجلادين ، وسحبهم على أرضيات جرداء في البرد دون ثياب ، وتكديسهم فوق بعضهم معصوبي الأعين، وربط أعضاء من أجسادهم بآلات كهربائية )وسوى ذلك مما عرضته –وياللمفارقة -  كامرات شخصية استخدمها الجلادون من المجندين والمجندات في جيش الاحتلال الأمريكي  ،وعرضوها في حمّى صفاقتهم واستعراضهم والتبجح بالهيمنة على عزّل مأسورين.
مؤخرا هزت الأوساط الفنية في العالم أعمال قدّمها الرسام الكولومبي فرناندو بوتيرو( 26) وتضم عشرات اللوحات من وحي فضيحة تعذيب السجناء والأسرى والمحتجزين المدنيين العراقيين في أبو غريب، وسيكون لقراءة تلك الأعمال صلة قوية  بمرجعها دون شك ، حيث يتحدد عمل المخيلة بفعل الضخ الصوري وقوة المرجع ودويّه  ، لكن براعة الفنان تكمن في تعميق تلقي الضحايا لحدث التعذيب منفردين. إنهم يتلقون معاناتهم كقدر لا تخفف منه جماعية العقاب ، وهذا الفهم يغير صورة البطل في اللوحة المستمدة من تداعيات الحرب، هنا  نرى السجين قوي البدن رغم التعذيب  ، يتجه إلى المشاهد –ضمنا إلى الجلاد- ويناشده لا باستعطاف بل بقوة الحجة وإشارة القيد المضخمة ببلاغة  ، وكأنه يصنع صورة داخل اللوحة  ، وسيخرج المتلقي لهذه النصوص البصرية بأسئلة عن حق الجلاد في إهانة ضحيته وإذلاله  والتلاعب بحياته وكرامته ووجوده  ،فضلا عن حريته  ، وحرية وطنه في المقام الأول.
إن الجريمة تشتد وطأتها حين يتذكر المشاهد عراقيا أو غيره أن حرب أمريكا كانت تحت شعارات معاقبة نظام دكتاتوري لا قانون يسود علاقته بمواطنيه ولا قضاء ولا حرية تعبير أو رأي، ولكن كل هذه الشعارات صارت بسبب جريمة أبو غريب موضع شك وتساؤل معاكس ومضاعف  ، فأي من تلك الأفعال الشنعاء لمحتل تجاه مواطني البلد المحتل تتوافق مع تلك الدعاوى التي فضحتها النصوص التشكيلية المستمدة من الوقائع الخارجية والمعدلة لها في إطار الفن  ، لتغدو ذات أثر على المتلقي ونفوذ في ذاكرة البشرية التي تطهرها الأعمال الفنية من درن الحروب وجرائم صانعيها  وبذرات نزواتهم الدموية.(27).
كما تحرر الذاكرة البشرية من شهوة الموت التي يشيعها مارس من وراء دروعه  وعبر رسله القساة إلى ضعفاء العالم الذين -  كما يثبت بريخت في مقطوعة استهلالنا للدراسة - يظلون جياعا سواء أكانوا في صف المنتصر أو المهزوم ، ببساطة لان المنتصر منهزم كذلك لأنه خسر الحجاج والقناعة  وسبل العدل الممكنة.
               سامي محمد –
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الهوامش والإحالات
 
 
1-              أبيات بريخت من مختارات مجلة كرز، أسرة الأدباء والكتاب ،البحرين،عدد خاص بالحرب،العدد 2-2007.
2-              لسان العرب –مادة (حرب)، موقع الموسوعة الشعرية على الإنترنت ،المجمع القافي-أبو ظبي.
3-              عبدالحق ميفراني: الحرب-استراتيجيات المفهوم ، مجلة كرز،سابق، ص15.
4-              يواخيم سارتوريوس:نصوص الجسد،ترجمة أمل الجبوري،منشورات ديوان ،برلين 2001،ص26.
 
5-              شرح ديوان المتنبي ،مصطفى سبيتي،دار الكتب العلمية-بيروت 1986-ج1-ص61 وما بعدها. وللمتنبي خواطر أخرى تجعل الجمال  الأنثوي عدوا لا يقدر عليه حتى الأبطال لذا  يجدر بالممدوح توقّيه :
 
             وُقِي الأمير هوى العيون فإنه
                                               مالا يزول ببأسهِ وسخائهِ
                  يستأسر البطل الكميَّ بنظرةٍ
                                           ويحول بين فؤاده وعزائه ِ
                                                
 
6-              القول بأن الحرب ذَكر منسوب لابن الإعرابي .ويقول ابن منظور في اللسان  :إن حكايته نادرة ويعلل تذكيره  للحرب  بأنه حملها على معنى القتل أو الهرج .
 
7-               شرح الديوان، سابق،ج1-  ص 154في مدح علي بن منصور الحاجب. وفي مواضع أخرى يبدو الممدوح متسلطا على الطبيعة فتخافه الرياح والنجوم والطير.
8 -  د.آمنة النصيري:مقامات اللون-مقالات ورؤى في الفن البصري،وزارة الثقافة ،صنعاء 2004، ص 295.
 9- د. السيد القماش :جويا فنان ثائر ولوحات سوداء، ضمن كتاب العربي:التعبير بالألوان-آفاق من الفن التشكيلي، الكويت2000،ص170
10- نفسه،ص172
  11- صبحي الشاروني: الفن التأثري،كتابك-129،دار المعارف بمصر            ،1977ص22. 
12- ف.كوستين و ف. يوماتوف: لغة الفن التشكيلي، ترجمة برهان شاوي      ،دائرة الثقافة والإعلام –الشارقة 1997،ص26.
13- عادل ثابت:  في ذكرى بابلو بيكاسو،  كتاب العربي،سابق،ص177-278.
14-جبرا ابراهيم جبرا: السريالية،كتاب العربي،ص28.
15-المقتبس من مذكرات جواد  نقلا عن جبرا إبراهيم جبرا : جواد سليم ونصب الحرية ، وزارة الإعلام ، بغداد 1974،ص 37.
وتشخيص أسعد عرابي لحساسية جواد الشمولية من الحرب في دراسته القيّمة والتحليلية :جواد سليم –ملحمة جلجامش والثورة النهضوية، مجلة الفنون، العدد 37، الكويت يناير 2004،ص39
16- فاتح المدرس:الوطن ..بالريشة والكلمة، كتاب العربي،ص222.
17-نفسه، ص 224.
18- ستيفاني دالي: أساطير من بلاد مابين النهرين، ترجمة نجوى نصر،بيسان للنشر،بيروت1997،ص375.
19- نفسه ،ص339.
20-نفسه ،ص367.
21- للفنان الراحل شاكر حسن آل سعيد تجارب في رسم اللوحات بوجهين  تحدثت عنها معه في مراسلة خاصة نشرتها في كتابي : المرئي والمكتوب –دراسات في التشكيل العربي المعاصر،  دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة 2007،ص 63.وأرى مع الناقد ياسين النصير أن شاكر يحاول حتى في تصوير الطبيعة احتواء العالم في الإطار البيئي (ياسين النصير:المدينة والحداثة وجدار شاكر حسن الفني)، مجلة الفنون، العدد43، الكويت يوليو 2004، ص46. وهذا يعني أن وجهي اللوحة أو الورقة تحديدا   لا تعد محاولة لدراسة النور فقط  وأثر التنافذ في خلق قراءة طرسيّة بمصطلح جينيت أي الكتابة الماحية لما تحتها بل المؤثرة فيها رغم انشغال شاكر حسن بفكرة التعرية والأثر العفوي للطبيعة والزمن على هيئة الأعمال وبنيتها ، وإنما تقديم صياغة ملتبسة مقلقة تريد التنبيه على إمكان كشف  ما هو كامن خلف العمل بحضور مؤثر خارجي هو الوجه الثاني. وبالمناسبة فإن شاكر لم يبد ارتياحا لوصفي عمله بأنه ذو وجهين ربما احتكاما إلى المغزى الأخلاقي للازدواج النفسي المتناقض ، والمحمول الدلالي الشعبي للوجهين أي النفاق ، وهو ما لم يكن في بالي بالطبع وأنا أصف العمل بل كنت أعالج المسألة من زاوية التلقي .
22- نعمت إسماعيل علام:فنون العراق القديم، كتابك167،دار المعارف بمصر1984، ص31.
23- نفسه ، ص40.
24- عالجت موضوع الغراب ونصيّته المنبثقة من وجوده في المعتقد والمدونات الموروثة و انعكاساتها المعاصرة ، ورمزية الغراب في أعمال علاء بشير، ينظر : حاتم الصكَر ( البئر والعسل-قراءات معاصرة في نصوص تراثية) ط2 –القاهرة –هيئة قصور الثقافة ، كتابات نقدية69، القاهرة1997 ، ص 53.
25- جوليا كريستيفا:اللغة المرئية:التصوير، ترجمة بنيونس عميروش، مجلة نوافذ،النادي الأدبي بجدة، العدد7، فبراير1999.
26- فرناندو بوتيرو –معرض ميلانو –مواقع على الإنترنيت : شبكة فنون.
27- من المسكوت عنه في الحرب الأمريكية على العراق حادث قصف الطائرات الأمريكية  مستشفى الرشاد للأمراض النفسية والعقلية المعروف بالشماعية ببغداد ليلة 9/2/1991ماأدى إلى موت حوالي 400 نزيل وتشرد المرضى الباقين وهم ضعف الموتى  من المجانين خارج المستشفى.
(خضير ميري: أيام الجنون والعسل ) ، مكتبة مدبولي ، القاهرة 2008، ص13و15.
كان لهذه الجريمة صدى ضعيف بسبب انقطاع وسائل الاتصال وغياب  المراسلين الإعلاميين . وقد سجل أحداثها  الكاتب العراقي خضير ميري الذي كان نزيلا في المستشفى لفترة في كتابه الآنف ، كما أسهم برسم معالمها في لوحات حفظها مرسم المستشفى.
يشرح ميري إحدى اللوحات التي رسمها  هناك:(أفعى طويلة ضخمة رأسها مدبب،علامة الكوبرا، ورجل ملتح ٍ بمعطف أسود ، وجنون آخر مضاعف باللون والشكل..الجنون الأسود هو الذي يرتدي زيّا أمريكيا وماسورة بندقية وقبعة ضيقة ويطير على بطة من حديد،ويقرع الطبول على الرؤوس وينتج الموتى والأشلاء والدخان والمآسي..) خضير ميري ، نفسه ص10.

طباعة أرسل الخبر

تصميم مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي

alferdaus