بأقلام أخرى
نمذجة المصطلح النقدي -قراءة في مرايا نرسيس لحاتم الصكر
موقع أدباء الشام الإلكتروني
نمذجة المصطلح النقدي
قراءة في كتاب (مرايا نرسيس)* لحاتم الصكر
 
د. محمد سالم سعد الله
أستاذ الفلسفة والمنطق والفقه الحضاري
تعد إشكالية نمذجة المصطلح النقدي الحديث من المتاهات التي مُنيت بها الكتابة النقدية المعاصرة ، ذلك لأن الإشتاق المعرفي لأي مصطلح ينبغي أن ينبني على أسس إيتمولوجية أولا ، وبنائية معرفية استراتيجية ثانيا ، فالمصطلح هو مفتاح إجرائي يفك مغاليق عدة ، وينبغي لذلك المفتاح أن يتشكل بما يجعله مواكبا وحذرا من قانون المخالفة الذي يلاحقه ، فـ( قصيدة السرد ) أو ( القصيدة السردية ) تقتصي وجود ( القصيدة الشعرية ) أو ( القصيدة غير السردية ) أو تقتضي وجود ( السرد الشعري ) أو ( السرد القصيدي ) ـ إن صح التعبير ـ ولهذا أوجب الرجوع إلى الحدود المنطقية في تحديد الجنس والنوع والعقل ، والى المزايا والنظم التي ترسم لكل مصطلح حقله .
يحوي كتاب : ( مرايا نرسيس ) أبواباً ثلاثة شكلت هيكليته ، حمل الباب الأول عنوان : ( الشعر والقص . تمهيد نظري ) ، وحمل الباب الثاني عنوان : ( قصائد السرد الذاتي ) ، في حين حمل الباب الثالث عنوان : ( قصائد السرد الموضوعي ) .
تحدث الباب الأول عن المزايا النوعية ، والأجناس الأدبية ، فضلا عن حديثه عن النظم السردية في الشعر ، وذكر أن القص يمثل وجها من وجوه السرد ، وأقوى مظاهره ، وإدراج آلياته في ثنايا النص الشعري يعمل على تقوية بناء القصيدة ، ويعزز مستوياتها المتعددة : تركيباً وإيقاعاً ودلالة وتوسعاً متأنياً ينقل الخطاب الشعري من الغنائية بوصفها رؤية وموقف إلى الدرامية بوصفها حركة ودينامية .
ويشير المؤلف في هذا الباب إلى الضرر الذي ألحقته الحداثة في حديثها عن الحدود الفاصلة بين الأجناس والأنواع الأدبية ، وأثر ذلك على شعرية النص الأدبي الشعري ،  والخصائص الداخلية للأنواع ذاتها ، وكيف أن النقد الأدبي الحديث قد دعم ذلك الهدم التجنيسيّ من خلال مصطلح ( التناص ) الذي كسر القيود بين الأجناس والأنواع ، وطمس معالم الخصوصية لكل منهما .
ومع ذلك يقول المؤلف إن وجود القص في الشعر لا يعني إنهدام النصوص الشعرية وتحولها إلى متون قصصية ، وقد اقترح قراءة سردية للقصيدة الشعرية الحديثة عن طريق اكتشاف بنائها الهيكلي ، ومستوياتها البنائية ، ثم توقف عند العناصر السردية وملامحها في القصيدة ، وهي التسميات والشخصيات والفضاء المكاني وموقع الراوي والمروي له ووجة النظر في المنظور السردي للنص ، وطاقة التناص وكيفياته ، وضمائر السرد ومفرداته ، وقد قسّم الباحث السرد بحسب وجود السـارد أو الشاعـر على قسمين ، أولاً : ( سرد ذاتي ) يكمن من خلال تتبع القص في عيني الراوي وزاوية نظره ، وثانياً : ( سرد موضوعي ) يكون الراوي فيه مطلعا على الأحداث عليما بها رغم حياديته الظاهرة ، لكنه يدير تفاصيل السرد ، ويوجه أحداثه من الخارج .
أما الباب الثاني فقد جاء للحديث عن قصائد السرد الذاتي ، التي حصرها المؤلف في ثلاثة أنماط هي : 
1. قصيدة المرايا : وقد خصّ المؤلف الحديث عنها في نماذج أدونيس ، مفرقا بين دلالة ( قصيدة المرايا ) و( قصيدة القناع ) إذ تشكل الأولى نزوعا للاستعانة بالسرد المتجلي في معمارها ، فإذا كان موقع الشاعر في ( القناع ) يتحدد بالبقاء متخفيا ( خَلَف ) قناعه ، فإن وجود الشاعر إزاء ( المرايا ) يتم وجوده ( أمامها ) ، فهو ينظر إليها ويتأملها ، وينبعث من فعل النظر تبادل صوري ( 78 - 79 ) ، هذا وقد حصر المؤلف استخدام الضمائر فيها والشخصيات والألفاظ السردية والمحاورات في نظام التحليل .
2. قصيدة السيرة : وتتمثل بالمنحى الدرامي الناجم عن تنازع الذاكرة والمخيلة والشعر والنثر والزمن المستعاد وزمن الكتابة ، وعلاقة ذلك كلّه بالشاعر أو الكائن السيري ، وقد كان جلّ الحديث عن قصيدة السيرة متمثلا بقصائد ( محمود درويش ) .
3. قصيدة الرمز المقنع : وهنا يتخذ السرد ـ كما ذكر المؤلف ـ وجهة نظر رمزية يتقنع الشاعر من خلالها برمزه المستدعى لينجز نصه الشعري القائم على السرد ، وقد كانت النماذج التطبيقية مستوحاة من قصائد ( عبد العزيز المقالح ) .
وتضمن الباب الثالث الحديث عن السرد الموضوعي المتمثل بالقصائد ذات النزعة القصصيـة ، وهي ثلاث :
1. القصيدة المطولة الحديثة : بوصفها شيئا مستقلا عن القصة الشعرية ، لوجود الشاعر السارد في موضع بعيد عن الأحداث ، وموجه لسيرها وتصاعدها وتسلسلها ، وقد أخذ المؤلف قصيدة ( المومس العمياء ) للسياب نموذجا للتحليل .
2. قصيدة الواقعة التاريخية : وهي القصيدة التي تستوحي حدثا تاريخيا متكاملا تنقله إلى الحيز الحاضر من دون التصريح ، وقد أخذ المؤلف قصائد ( أمل دنقل ) نموذجا على ذلك .
3. قصيدة الحكاية الخرافية : هي إستيحاء نموذج مكاني شعبي أو خرافي ، وتضمينه بشكل سردي في النص الشعري ، وقد وجد المؤلف هذا النموذج عند ( حسب الشيخ جعفـر ) .
وأخيرا : حاول المؤلف في هذا الكتاب أن يعين متلقي النص الشعري على فهم هذا النص ، من خلال خبرات القراءة النثرية وطرائقها ، وقد تمثل منهج الكتاب في : دراسة التشكيل السردي في الشعر العربي الحديث ، المتأثر بتقارب الأجناس الأدبية ، مستفيدا من الانتقال في زاوية الخطاب الشعري من الغنائية إلى الدرامية والموضوعية ، وعبر مظاهر عدة من أبرزها : النظم الحكائية ، واستمرار الموروث الأسطوري والشعبي ، والأقنعة والرموز والمرايا والسيرة وقصائد الحدث والتاريخ والحكاية ، ذلك المنهج القائم على الإفادة من علم السرد وآلياته ، وتحديد مصطلح الحديث بالفنية لا الزمنية ، ويعني به الكاتب الانتقال بالقصيدة إلى مواقع جديدة في الرواية والأسلوب معا ، وعلى ذلك الأساس وليس التجديد في الموضوعات أو اللغة فحسب ، قامت التجارب الشرعية الحديثة ، وتنوعت بها الطرق بعد ذلك(8) .
إن هذا الكتاب يعد من الكتب المهمة التي تناولت ظاهرة القص ، ومظاهره البنائية وتشكلاته النصية وتنوعات متنه الحكائي في النص الشعري ، ولا غنى لأي باحث يعالج قضية الجنس الأدبي ونوعه أو تنوعات القصائد العربية أو تطور حداثة النص الشعري العربي من الرجوع إلى هذا الكتاب .
                         
* ( مرايا نرسيس : الأنماط النوعية والتشكيلات البنائية لقصيدة السرد الحديثة ، د. حاتم الصكر ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، ط1 ، بيروت ، 1999م )

طباعة أرسل الخبر

تصميم مركز رؤى للإنتاج الثقافي والإعلامي

alferdaus