المرئي والمكتوب-دراسات في التشكيل العربي المعاصر
 

المحتويات
 
·   مدخل: المكتوب والمرئي: جدلية المفاهيم وجماليات التلقي.
·   تأسيس الحداثة الفنية: جواد سليم. 
.نصب الحرية في الفضاء البغدادي 
·   مراسلة مع شاكر حسن آل سعيد. 
·    
·   هاشم علي: الاعتراف بالفن.
·   تمارين ذهنية: حوار المرسوم والمكتوب.
·   العلامات والرموز كمفارقات تعبيرية.
·   الأثر والمحيط في أعمال التشكيليين العراقيين الشباب.
·   (كائنات) في رحم أسطوري وفضاء خيالي.
·   من ملامح المشهد التشكيلي الجديد في اليمن.
·   خاتمة: عن مصير المقترحات التشكيلية العربية.
·   ملحق: رسوم وأعمال تتصل بدراسات الكتاب.


مدخل
المكتوب والمرئي

جدلية المفاهيم وجماليات التلقي

 
يبدو لي أن ثمة تحولاً في الخطاب والتشكيلي العربي المعاصر ، كجزء من الخطاب الثقافي الأشمل الذي يشهد – بتأثير الحداثة وما بعدها من تيارات فكرية ومناهج نقدية وأساليب فنية – تحولات واضحة على مستوى القناعات النظرية ، والنتاجات النصية ، وطرق القراءة والتلقي أيضاً.
ويمكن لنا أن نستقرئ ملامح هذا التحول في مجال التشكيل ، لا في الأعمال الفنية المنجزة على السطوح التصويرية فحسب ، بل في التنظير المفاهيمي الذي يعكس جانباً من تصور الأزمة التعبيرية والأسلوبية ، ومراجعة صلة الرسم بالحياة والواقع والإنسان وبالثقافة والتراث والفنون ، ويؤكد في وجهه الآخر الوعي بضرورة التحول الأسلوبي والرؤيوي ، ومن مظاهر هذا الوعي تركيز الفنانين والنقاد والمتلقين على الخروج من (الرسم) بالمعنى الحرفي التقليدي إلى مرحلة (ما بعد الرسم) أي الاستعداد لكي نتسلم أو ننتج أو نستقرئ أعمالاً لا تمثيل للأبعاد والمناظير والعناصر أو القوانين التقليدية التي أصبحت جزءاً من أصول أو قواعد عمل يجهد الفنان لإظهارها كي يندرج عمله ضمن النوع السائد والتعبير المألوف للمشاهد ، ووفق هذا التصور التقليدي يبحث المشاهد (المتلقي) هو الآخر ، عن وجود تلك العناصر والقوانين والأبعاد للبرهنة على اندماج أفق تلقيه بأفق إنتاج العمل ، أو لفهرسة ذلك العمل وفق ما استقر في وعيه وخبرته ضمن نوع محدد ومستقر.
لكن مرحلة ما بعد الرسم تؤكد على تسميه الفراغية غير السالبة ، أي المهيأة للأمتلاء بذلك الجيشان العارم من الرؤية المشهدية أو النظرة (الرؤية) الموضعية بما تحمل من تصور لمفهوم فني مغاير يهجر التقنية الحرفية والمهارة السطحية ، ويؤسس لمرجعية جمالية جديدة ، وذلك في ظني هو ما دشنته أوراق الندوة الدولية في الشارقة حول (الشعرية البصرية) التي صاحبت ليالي الشارقة الثالث للفنون (2-4 نيسان 1997) وأشرف على تنسيقها الفنان الناقد طلال معلا.
إن المرئي – وفق تصور النظرة الموضعية (installtion) بوصفه ذخيرة للرؤية تتعدى الملاحظة البصرية العابرة ، إلى استيعاب المشهد وتمثله ثم تمثيله فنياً ، سيكون له حضور وإسهام في " إخراج الأحاسيس والمشاعر والرؤى ضمن الحيز الذي يريده الفنان وهو خلق لحقول مرجعية جديدة " كما يرى الفنان أحمد معلا ، الذي يطمح عبر الموضعية إلى التحرر من (لوحة الجدار والمنحوتة) مما يثير في الذاكرة الدعوات الفنية السابقة التي جاهرت بهجران (الروح المتحفية) أو انساق العرض والتلقي التقليدية.
وأذكر أن الفنان شاكر حسن آل سعيد وعبر المؤسسة الجمالية التي نشطت في النصف الأول من التسعينيات ببغداد (بحضور نخبوي لفنانين ونقاد فن وأدب ومشتغلين بجماليات تلقي الفنون) قد دعا إلى مثل ذلك ، ولو على مستوى المرجع الجمالي ، كقوله بإمكان وصولنا إلى مرحلة تذوق يصبح معها كائن اللوحة هو المرجع بالنسبة لكائن الواقع ، في حلم ملخصه أن تكون نسخة الفن أصلاً يقاس عليه تذوق ما هو خارجي لا العكس ، مذكراً بالقول المعروف حول عمل بيكاسو (الكرسي) أن الكراسي أخذت شكلاً جديداً بعد هذا العمل .. أو أن تلقيها في الأقل سوف يتغير عما كان عليه قبل كرسي بيكاسو.
لقد كان ماتيس على حق حين قال إن آلة التصوير الشمسي جاءت نعمة كبرى على المصورين والرسامين ، لأنها أراحتهم من ضرورة نسخ الموضوعات (د. عماد الدين خليل: الطبيعة في الفن الغربي والإسلامي /29) فبذلك تحرر الفنان من تحدي (الموضوع) أو الوجود الخارجي للأشياء ، ومحاولة محاكاتها داخل العمل ، واقتصار المهارة الأسلوبية والرؤيوية بعد ذلك على نقلها إلى اللوحة بدقة.
كان اختراع عدسة التصوير حافزاً لتحويل ما هو خارجي إلى (واقعة) فنية ، تنتظمها وتنظمها علاقات جديدة ، بعيداً عن وجودها ضمن سلسلة متواليات حياتها في الواقع .. وذلك هو ما ذهب إليه الشكلانيون الروس حين دعوا إلى إخراج (الشيء) من متوالية وقائع الحياة ، ليكون واقعة فنية ، وهذا يعني تحويره وإدخاله في متواليات بنائية ودلالية جديدة ، وهو ما يجسده تفريق السرديين بين المتن الحكائي والمبني للدلالة على وجودين للقصة: الأول يتعلق بتسلسلها ضمن تراتب خارجي هو ما حدث بالتسلسل والتذكير خارجياً ، والثاني يتعلق بظهور الأحداث وفق نسق سردي خاص داخل القصة.
في قصيدة (نزهة بيكاسو) لجاك بريفير (قصائد مختارة ، ترجمة سامي مهدي / 42) يحاول رسام الواقع "عبثاً أن يرسم التفاحة كما هي" لأنها "لا تدعه يفعل" رغم أنه " وضعها على صحن دقيق الاستدارة من خزف حقيقي" لكنها " تدور مرائية حول نفسها" وبذلك لا يرى الرسام هيأتها ولا يمسك بشكلها ، وحين يستعين بذاكرته ويستنجد بمراجعه " شجرة التفاح ، والفردوس الأرضي ، وآدم .." لا يحصل على شيء ، ولا يتعين بين يديه شيء ملموس.
لقد رفضت التفاحة أقفاص الشكل ، فوجودها الخارج مثالي ، ولا يضاهى ، وهو ممتد في تاريخها: بذرة ثم شجرة ، وثمرة على غصن ، وهذا ما لم يستطع الرسام الواقعي رؤيته حين كان يلاحق هيأتها الخارجية.
بيكاسو وحده – في قصيدة بريفير –بعوالمه الخيالية ويده التي تخلق حياة أخرى وشكلاً جديداً للتفاحة ، استطاع ، وهو يتنزه مبتسماً أن يراودها ويأكلها ، فتقول له شكراً ، وهو يحطم صحنها وقفصها ، أما رسامنا الواقعي ، فقد استيقظ من نومه (منتزعاً مثل ضرس) ليجد نفسه:
وحيداً أمام لوحته التي لم تكتمل

وفي وسط صحنه المحطم

البذور المرعبة للحقيقة
إن واقعة التفاحة ، كما تقدمها الشجرة ، ذات بنية رمزية ، ترتكز في (بذورها) التي لم يرها الرسام الواقعي ، فهو من أولئك الذين لم يحررهم اختراع العدسة من أداء مهمة المحاكاة المرآتية.
حين يتحدث سارتر عن أعمال جياكوميتي ، يتساءل عما ينبغي للفنان أن يرسم: ما هو كائن ؟ ما نراه ؟ وماذا نرى ؟ (سارتر ، جمهورية الصمت / 130) فنحن في الواقع نختلف ونتعدد في تفسير ما نراه وحتى تسميته .. وهذا يزيد من زهدنا بقيمة الوقائع كأحداث في متواليات خارجية ، إذا لم نهبها حياتها الجديدة في متواليات فنية داخل العمل..
يطالع قارئ ديوان الشاعر جميل صدقي الزهاوي (1863-1936) المعنون (الأوشال) بيتين كتبهما الشاعر تحت صورته الفوتوغرافية هما:

إذا نظرت صورتي          تقرأ فيها سيرتي

حتى كأن سيرتي            مكتوبة في صورتي 
وقد حللت هذا الحوار بين الكتابة الشعرية والصورة المنشورة في مناسبة سابقة           (كتابي: كتابة الذات /28) لأجد تجسيداً للعلاقة الأيقونية بين الشيء وما يشير إليه دون دور للخيال أو توسيع الدلالة ، فالقراءة الاختزالية لبيتي الزهاوي ستحولهما إلى معادلة بسيطة:

صورتي = سيرتي

                         أو:      سيرتي = صورتي

 
وبذا يصبح تأمل الصورة كقراءة السيرة ، مما يعادل فعلي القراءة والنظر أيضاً:
النظر = القراءة
القراءة = النظر
كانت الصورة المنشورة من أشهر صور الشاعر وأكثرها انتشاراً إذ طالما رأيناها ونحن صغار في واجهة أشهر محلات التصوير في شارع الرشيد ببغداد - هو (أرشاك) إذا لم تخني الذاكرة – ويظهر فيها الشاعر بنظارته ولحيته البيضاء الكثة وصلعته ، وقد جلس مسترخياً على كرسي فكأنه نائم ، بينما ترامت تحت قدميه أعقاب السجائر ، فكأن التعب والإجهاد والبؤس تتلخص في محياه الذي زادته الشيخوخة إرهاقاً ، ورغم توثب نظرته وتألق عينيه بنظرة تنفذ من زجاج نظارته .. وسيكون بإمكان القارئ أن يستغني عن مضمر السيرة بظاهر الصورة فثمة الوجه المتغصن واللحية البيضاء والنظر الكليل وهي عناصر شعرية وصورية معاً ، سوف تساعد على وصول القارئ إلى المعادلة المقصودة في البيتين والتي تكررت بشكل معكوس في أشطارهما:
.. صورتي                     .. سيرتي
.. سيرتي                      .. صورتي
فتبادل المفردات في الموقع ووجودهما أسفل بعضهما يقوي العلاقة المتطابقة بينهما:
                        صورتي          سيرتي
 
                        سيرتي           صورتي 
فمن حيث نقرأ المعادلة لن نجد إلا (صورتي = سيرتي) و(سيرتي = صورتي) ولا عناء من بعد في (تصور) ما يجري خلف دلالات المفردات أو تعبيرات الصورة ، فالأبعاد محددة بإحكام ، والإدراك محصور في مربع متقن لا يسمح بأي تأويل أو أي فهم آخر.
على عكس ذلك يقدم لنا غلاف ديوان حسين مردان (قصائد عارية) مثالاً لقراءة الرسام للواقعة قراءة فنية ، إذ قدم جواد سليم بتخطيطه للغلاف رؤية شخصية لملحمة جلجامش فوضع رسمين لشخصين يتقابلان في العمل ، فأنكيدو - صاحب جلجامش القوي ونظيره - كما تقول الملحمة العراقية الخالدة  يظهر مستجيباً بنشوة وانتشاء لإغواء  البغي التي روضته ونقلته من حياة البرية إلى حياة البشر فصار من بعد صاحباً لجلجامش ، أما المرأة –البغي – وهي عارية كأنكيدو فهي تمسك بغلاله رقيقة يزيحها أنكيدو عنها ، والجسدان جميلان ، ولا أثر للقوة الحيوانية في أنكيدو ، أو الإغراء المبتذل في المرأة.
وواضح أن جواد سليم استجاب لإيحاء العنوان الذي يصف القصائد بالعري (قصائد عارية) لكنه لم يصنع رسماً توضيحياً أو تعبيرياً بل استنجد بالأسطورة الشعرية القديمة وتحرر من إيحاء العنوان ولم يماثله أو يحاكيه بطريقة الزهاوي                       (سيرتي = صورتي وصورتي = سيرتي)                                             لكن مشكلة القراءة التفسيرية المتطابقة أو المرآتية ستثيرها ملاحظة الشاعر نفسه إذ كتب شارحاً لوحة الغلاف ما نصه:
" صورة الغلاف
فكرة الصورة مأخوذة من ملحمة (جلجامش) وهي تمثل البطل أنكيدو رمز القوة الحيوانية عند (افتراسه) الراهبة الحسناء التي أرسلها الملك (جلجامش) لإغراء أنكيدو وتبديد قوته ليتم له النصر عليه ..
والصورة من وضع وتصميم صديقنا الفنان الكبير الأستاذ/ جواد سليم".
هذا الشرح الذي ظهر مع الديوان مطلع الخمسينيات يبين حدود الوعي التشكيلي لدى الشاعر وفهمه للأسطورة أيضاً.
فهو يسمي العمل التشكيلي (صورة) وكأنه يريد نقل تماثلها أو تطابقها مع ما سيروي من قصة الملحمة.
وهو يفسر الرموز كما تظهر له: فأنكيدو موصوف بالبطل ، وجلجامش بالملك ، وما يفعله أنكيدو هو (افتراس) للمرأة ، التي يصفها بالراهبة المقدسة (وربما خلط حسين مردان هنا بين البغي المقدسة في الأساطير العراقية القديمة والراهبة بالمعنى الديني اللاحق) واستخدم وصفاً شعبياً من حيث الدلالة لما تفعله المرأة ، فهي تقوم بإغراء أنكيدو وليس إغواءه ، والفرق واضح هنا فالإغراء فعل دنيوي مباشر ، أما الإغواء فهو تقرب روحي وجسدي معاً ومرتبط في ذاكرة الإنسان بنجاح حواء في التأثير على آدم في قصة الخطيئة الأولى ..
لقد أراد الشاعر أن نقرأ اللوحة بهذا الشكل الذي يفهمه من منظوره للصراع بين الرجل والمرأة ، أما الفنان فقد ترك بصمته وقراءته للأسطورة مجسداً حس الاستمالة الروحية والجسدية (الغواية) فرسم الجسدين برشاقة وعذوبة وجمال ، تؤكدها نحافة الخطوط ودقة الأعضاء ، وآحتدامها بالحركة.
*************
إن الفنان يحول المرئي إلى إشارات أو علامات ، فصرنا إذا قرأنا (المدينة) –مثلاً – كمفردة في عنوان لوحة أو معرض ، نتهيأ لتسلم تمثيلات بصرية ليست تعبيرات حرفية عن هذا الوجود المنظور وغير المنظور معاً من وجود (المدينة) أو انطباعاً بصرياً عن (المدينة) كوجود جغرافي وعمراني وبشري .. بل كتمثيل لذلك الوجود وانعكاسه في وعي الفنان وشعوره.
وهكذا تغيرت عدة مفردات في خطابنا التشكيلي اليوم كالإنسان والبيئة والمحيط والموضوع نفسه ، وعلى هذا الأساس يتم التحول من العمل إلى الخطاب في مرحلة     (ما بعد الرسم) وأسلوبياً نتجاوز الثنائيات التقليدية (تجريد/ تجسيد أو تشخيص ، أسلوب/رؤية) وبذلك لا يجري تأطير الفن والفنان في اتجاه جامد أو عينة دم نهائية ، فالرؤية تحرر الفنان والمتلقي من الانفعال بالموضوع والإنجاز لتجعلهما يتفاعلان معه .. وفي مهمة كهذه لابد من تغيير جهاز التلقي أولاً وآليات استقبال الأعمال الفنية كي لا يظل القياس بحسب القوانين والأعراف الفنية المتوارثة دون تغيير رغم ما ينال الأعمال ذاتها من تغير أسلوبي ورؤيؤي بفعل تجدد المؤثرات وتعددها.
 لكن مهمة بناء التلقي الجمالي لا ينهض بها الفنان وناقد الفن وحدهما فالمؤسسات الاجتماعية والتربوية والإعلامية لها أثر كبير في ذلك وفي مقدمتها تهيئة المحيط والبيئة فنياً لخلق تحسس جمالي وذوقي مبكر.
إننا لا نستطيع في عصرنا الذي يطلق عليه المهتمون (عصر الصورة) ، بالمعنى الواسع للصورة خارج حدود دورها الإعلامي والتوصيلي ، أن نظل منشطرين انشطاراً حاداً على مستوى المجتمعات ، بين منتج للصورة بأبعادها الفنية والجمالية ، ومستهلك لا يبالي بتغير أنماط الرسالة ، وتنوع قنواتها ومحمولها ، وإجراءات معاينتها وفهمها وتذوقها ، إضافة إلى دورها النفعي أو البنائي ، كجزء من حاجة التواصل ، فالصورة التي تتسيد الأجواء التداولية وتتقدم أدوات التوصيل ، اتخذت في العقود الأخيرة مظاهر متعددة ، لاشك أن حضورها بيننا ، كمجتمعات نامية ، أصبح شديد الضرورة والإلحاح.
إن التربية الصورية تبدأ في العادة من الأسرة ، التي هي بحاجة إلى (تأثيث) مكانها ، وتقوية ثقافتها بحضور الصورة ، لا كجزء من الإكسسوار أو التحلية والتزيين الديكوري المحض ، بقصد البهرجة ، أو الإعلان عن الانتماء الطبقي والهوية الاجتماعية (الراقية) ، وإنما لتنمية الإحساس بجماليات الصورة ، ومكانها في تشكيل وعي الفرد وتربيته.
بعد ذلك يبدأ دور المدرسة التي يجب ألا تظل صلتها بالصورة في إطار تربوي (بيداغوجي) محض ، ولغرض تعليمي خالص ، تؤدي فيه الصورة دور (وسيلة إيضاح) كما يصطلح عليه التربويون التقليديون.
 إن عراء الجدران والواجهات ، وخلوا الفضاءات وفراغها ، سواء في المراحل الأولية من التعليم ، أو المستويات العليا (الجامعات خاصة) دليل على إهمال عنصر الصورة في إنشاء الفضاء الجمالي المطلوب ..
ويؤكد ذلك التوجه ما نراه في بلدان عربية كثيرة من خلو المدارس والمعاهد حتى من اللافتات التي تحدد نوعية الدراسة ، وإهمال اعتماد الشعارات الخاصة أو الأيقونات المعينة لشخصية المدرسة وفلسفتها وتوجهها ، وإذا تم ذلك – في حدود ضيقة – فإنما يتم بشكل خال من الإبداع والابتكار ، أو ترسيم الهدف من الشعار منحصراً في اسم المؤسسة وتاريخ إنشائها ، وفي حال استمر ذلك فلن يكون للصورة دور غير مهمتها الإخبارية المجردة.
ومن خلال تجربة تدريسي في الجامعة لسنوات عديدة لاحظت هذا الاتجاه وهو يصلح للتمثيل على مدن عربية عديدة ، إذ لا توجد في فضاءاتها وساحاتها وحدائقها ومداخلها وقاعاتها ، أية إشارات صورية ، سواء الإعلانية المباشرة ، أو الجمالية الخالصة ، حيث لا لوحات ولا نصب ، ولا منحوتات ولا جداريات ، وحتى التسميات والعناوين تنزوي خجولة وباهتة ، وبخطوط كالحة لا فن فيها على مستوى الخط أو الزينة الكولوغرافية .. حتى تلك المستمدة من فن الخط العربي الموروث.
ويمكن للمرء أن يخرج من الفناءات الدراسية إلى الشوارع ، ليجد الوضع نفسه ، إذ يتم إهمال الصورة بشكل مطلق ، فتخلوا الساحات والميادين ، والتجمعات السكانية ، ومفارق الطرق ، وواجهات العمائر والمؤسسات ، من أية إشارات صورية يمكن لها أن تعضد الإحساس الجمالي وتقويّه ، وتخلق قاعدة لثقافة بصرية مطلوبة.
وبالاستطاعة تحقيق مهمات (نفعية) أيضاً بطريق الصورة ، إذ يتم توعية الإنسان برموز ماضيه ، وحضاراته القديمة ، وكذلك بقيمه الاجتماعية والوطنية ، وبشكل يصل إلى شرائح واسعة ، لا يمكنها فهم الرسالة الكلامية المعتمدة الآن في الإعلانات والتوعية بسبب الأمية.
إن فضاءات مدننا بحاجة شديدة إلى ثقافة بصرية معاصرة ، تعيد الحس الجمالي المفقود، والذي وجدت بالملامسة المباشرة أنه غائب لدرجة فقدان الإحساس بجماليات المكان المحلي نفسه ، فكثير من طلابي مثلاً لا ينتبهون لإشارات العمارة المحلية التقليدية ، والمعمار البيتي الموروث ، سواء بطريقة بنائه أو نقوشه وألوانه ، وزجاجه ونوافذه ، وتراتب وظائفه ، وتصميمه بناء على القيم السائدة. ولا يعقل أن ينبهنا الغرب إلى جماليات المكان عندنا ، دون أن نستثمره بأنفسنا في إنتاج صور ورسائل بصرية ، يفقه المستهلك من خلالها أن (البصر) شيء غير (النظر) العابر ، وأن الرسالة البصرية المعاصرة تتعدى وظيفة التوصيل والإخبار والإعلان إلى مهمة جمالية أخطر يشترك فيها البصر أولاً ، ليثير باقي جهاز الإحساس والتذوق لدى المشاهد ، وهو يعيد إنتاج الصورة والتمتع بها.
وذلك وحده هو السبيل لإشراك الفرد في  إنتاج الصورة البصرية وتربيته ، ليتذوق من بعد آلاف المفردات في الأرض التي يسير عليها ، والسماء التي تظلله ، والفضاءات التي تعلوه ، ويتحول إلى منتج بصري ، تتلون ثقافته بعناصر الصورة ، وما يتيحه البصر ، ثم يستطيع تذوق الصور الكلامية ذاتها ، سواء على مستوى الخطاب الأدبي المعتمد على المجاز ، أو على مستوى الثقافة الاجتماعية العامة التي يغيب عنها ، كثير من مجالات الفنون المشهدية ، كالتصوير الضوئي ، والتشكيل بأنواعه ، والمسرح ومظاهره وآفاقه ، بدءاً من المدرسة والبيت حتى الشوارع والساحات.
***********
ولكن ماذا يمكن للنقد التشكيلي والدراسات الجمالية أن تقدم من عون في تثقيف المتلقي وتحرير أفق توقعه والإرتقاء بإدراكه الجمالي للأعمال الفنية ؟
تاريخياً لم يقدم النقد التشكيلي خدمة تذكر في هذا المجال ، إبان ظهور بواكير الحداثة في التشكيل منتصف القرن الماضي ، بل لعل النقد الأدبي والنتاج الثقافي الحديث  (شعر – قصة – مسرح) كان أكثر أثراً ، وفي مجال الدراسات الجمالية كانت الترجمة المتأثرة بالمناهج النقدية والفكرية تقدم نماذج من مقترحات جمالية غربية معاصرة ، سرعان ما سرى أثرها في الفنانين والمتلقين ، وربما جرى في الوقت نفسه الانتباه إلى الآثار والتراث العربي الإسلامي في مجال النحت والزخرفة والخط وذلك ساعد في إنشاء مدارس الفن ومعاهده في البلاد العربية التي أهلت الكثيرين لإشاعة التربية الجمالية والتذوق وإدخال التشكيل كإبداع فني يهتم به المجتمع الذي سيطر الشعر خاصة والأدب والثقافة عامة على اهتماماته.
إن النقد والدراسات الجمالية والوعي التشكيلي المنظم في المدارس والإعلام والمؤسسات تقدم نشاطها في اتجاهين:
-         فني: تذوقي وتحليلي يعرف بالأعمال وعناصرها ولغتها ، ويضعها في سياق أو مسار الحركة التشكيلية.
-   جمالي: يدرس على مستوى فلسفي أو معرفي أشكال التقبل وتبدل الحساسيات الفنية والوعي المتراكم من المحيط والموروث والثقافة السائدة.
وذلك يتطلب اصطفافاً واسعاً لا يخص نقاد الفن التشكيلي المحترفين أو المهنيين ، بل يشمل نقاد الأدب والموسيقى والمسرح ؛ لأنه في جزء كبير منه يشتغل في مساحة التقبل من جهة ، وتبدل الأساليب من جهة أخرى ، وهما موضوعان مشتركان بين الفنون المختلفة ، وهذا يدعو إلى القول بوحدة الفنون من جانب ، وإلى اهتمام واسع وانفتاح معرفي من الدارسين والفنانين والمتلقين لا أن يظل الاهتمام محصوراً في حقل واحد منعزل أو معزول عن سواه.
ولعل هذا هو جوهر أطروحة دراسات هذا الكتاب الذي أقدمه للقارئ وأنا قادم من حقل نقد الشعر إلى الفن التشكيلي ، لا بصفتي دارساً متخصصاً بل مهتماً بالمشكلات الجمالية المشتركة على مستوى التلقي والتقبل الجمالي للأعمال الفنية وما يعيق هذا التلقي من عوامل ، كما أنني أهتم هنا بالأسلوب كترجمة فنية وتجسيد جمالي للرؤية التي يحملها الفنان كالموقف من المرأة والأيديولوجيا وهي مجمل تصوراته وأفكاره ومواقفه من مشكلات عصره: فنية كانت كالحداثة،أو اجتماعية وهكذا أطمح أن يفهم القارئ معنى حوار المكتوب والمرئي فيما سيقرأ من موضوعات.
 


تأسيس الحداثة الفنية  … جواد سليم

 

المقدمات:

ينسب مؤرخو الفن الحديث ودارسوه إلى جواد سليم (1919 – 1961) دور التأسيس للحداثة الفنية في التشكيل العراقي والعربي في الرسم والنحت على السواء. فهذا الفنان استطاع –بعمر قصير ودراسة دقيقة منظمة وتجارب مستمرة- أن يمنح الفن هوية معاصرة ، وأن ينقله إلى أسلوبية خاصة ، كان قد افتقدها مع جيل الرواد من الهواة الذين سبقوه ، ومهدوا له بالتنبيه والإشارة أو التربية المباشرة والمعايشة .
وأحسب أننا إذا نمنح جواد سليم دور ( التأسيس) لا (الريادة) نبتعد عن الوهم الذي أضاع جهود دارسي الأدب والفن الحديث ، في تصورهم لريادات أولى تعبر عن  مركزية ذاتية، هي – في ظني- انعكاس لتمركز الشخص ودوره في تحول وجهة الأسلوب وهو ما يوقعنا في إيديولوجيا فنية وأدبية ، تفترض وجود (الرائد) رمزاً للواحد المؤثر ، أو المؤثر الواحد ، بمزايا قيادية أو بطولية ، لا يمكن أن نقبل بسهولة صلاحية منجزها لإحداث التغيير المطلوب.
فكأن الجهد الريادي المفترض يمتلك أثراً سحرياً فيمحو ما قبله ، ويخلق ما بعده ، بينما نعتقد أن تراكمات النوع وأفراد النصوص هي التي تخلق التحولات الكبرى. لذا نجد النصوص تتقدم بعيداً عن دوائر النقاش والخلاف حول ( الرائد) وريادته ، وتتهمش هذه المسألة لصالح ظهور المتون النصية وتبدلاتها الأسلوبية.
أما جهود التأسيس فنرى  أنها تتكفل بالبذار التحديثي ، وتصب على النوع الأدبي أو الفني طاقة التحول ، وتفجر فيه إمكانية  التبدل ، وترسي مزايا وخصائص  تتكرس بالإنجاز المشترك الذي يرتبط بمركز التأسيس ، لكنه لا يرتهن به أو ينشد إليه بتبعية .
وهذا الاعتقاد يرسخه- ويؤكده- إسناد التحولات الكبرى- في الغرب خاصة -إلى الجماعات والتجمعات ، وما يصدر عنها من بيانات نظرية مدعمة بمنجز نصي ملموس  يتشرب مؤثرات عديدة في لحظة حداثته وأفقها المفتوح. فالجماعات تحذف دور           (الفرد  الرائد) لصالح ظهور رغبة التبدل الجماعية فناً وتقبلاً . وتخلق الإحساس بالحاجة إلى تأسيس جديد ، له مبررات الوجود الفعلية ، وإمكان الاختلاف والتحول .
وتحمل فكرة ( التأسيس ) بمقابل (الريادة) إمكان الانفتاح الأسلوبي وتشخيص المؤثر الذي لا يظل له وجود في فكرة الريادة .
فالمؤسس يستلهم ، والرائد يجترح . والمؤسس يقترح ، بينما الرائد يقرر ، وهذا التقابل الفكري المستند إلى فكرة الجماعة يعضد قولتا بالتأسيس كاقتراح. بهذا المعيار نقرأ منجز جواد سليم ، لنقدمه كمبدع ضمن حركة الحداثة ، وامتداد في أفق فني واسع فسيح، ونقطة تحول وتبدل كبرى . لقد نشأ جواد سليم وسط محيط يزدحم بالرغبة الفوارة في تسويق الفن لهذا المجتمع الذي يجحده ويقصيه . وفي بيئة تقبّلٍ لا تراه ضرورياً أو أساسياً . لذا كانت استجابة الجيل الأول من الهواة لهذه البيئة ، تتمثل بالانتماء إليها دون وعي واضح بجمالياتها ، والاكتفاء بمزج الواقع بالفن بطريقة آلية ، تعتمد – أسلوبياً- نقل هذا الواقع على سطوح اللوحات بشكل فج ومباشر وعبر ثيمات تقريرية دون تمثلها ، أو التعيير عنها بأساليب متقدمة .
لقد كان عدد من ضباط الجيش الذين  أتيحت لهم فرص السفر إلى تركيا- خاصة – أو التجوال في أنحاء العراق  قد لجأوا إلى الرسم بطريقة مباشرة، تنحصر في رسم الشخصيات ( البورتريهات) أو المناظر الطبيعية ومأثورات الواقع وموضوعاته وانضم إليهم فريق من الهواة منهم والد جواد سليم نفسه (الحاج محمد سليم) الذي كان إلى جانب الضابط الكبير عبد القادر الرسام (1882-1952) ومحمد صالح زكي            (1888-1973) وعاصم حافظ (1886) وغيرهم ممن نشط في أول جمعية فنية هي  (جمعية أصدقاء الفن) التي تأسست عام 1941م ببغداد ، وأنضم إليها جواد وأخوه الأكبر سعاد (1) وقد نكون قساة على المحاولات الأولى هذه ، إذا ما نعتنا أصحابها بأنهم (هواة) فمنهم من سافر فعلاً لدراسة الفن ( عاصم حافظ مثلاُ في باريس ) حيث أتاحت سنوات الثلاثينيات، وقبل أن تستعر مقدمات الحرب الكونية الثانية ، لعدد من طلاب الفن أن يدرسوا في أوروبا التي لم تشغلها وتعطلها الحرب بعد ، فدرس أكرم شكري في إنكلترا من مواليد (1910) ودرس عطا صبري(1913) في روما ولندن ، ودرس فرج عبو (1921) في القاهرة ، وروما ، وحافظ الدروبي (1914) في لندن.
ولكن دراسة هؤلاء لم تؤت ثمارها بعد ، لعدة أسباب ، منها : عدم توفر الوعي بالصلة الأسلوبية الصحيحة مع الأخر .. والعودة إلى الوطن : إما بمحاولة إستيحاء الأساليب التكعيبية والسوريالية والانطباعية الجديدة خاصة ، أو الإنكفاء،  بسبب محدودية المقدرة والموهبة والحرفة،إلى موضوعات الواقع وغنائياته المباشرة .
لهذا كان خريجو معهد الفنون الجميلة ( تأسس عام 1939) والعائدون من الخارج لا يحاولون خلق محيط فني أو ذائقة عامة تقبل الفن ضمن الحياة العصرية ، قدر اهتمامهم بالبحث عن هوية شخصية عبر الأسلوب والتقنيات ، أو التكتل ضمن نخبويات تتخذ من الجماعات مظهراً لها ...
وهكذا تأسست جماعة الرواد عام (1950) بزعامة فائق حسن تجسيداً لهاجس الأسلوبيات الغربية دون استيعاب وتمثل . فنعتت نفسها أولاً بالجماعة البدائية وبتسمية فرنسية صريحة (societe primitve)  أو (P.S.) إختصاراً ، وكان أتباعها انطباعيين أو واقعيين بأساليب متباينة ، يظهر نشاطهم برسم المناظر الطبيعية وموتيفات البيئة التي ينقلونها عبر رحلات ميدانية ينظمها الرسامون  في الهواء الطلق أو مجالي الطبيعة الحية .. هروباً من أجواء الأستديو(2)  ولم يستطع ( البدائيون ) أن  يجيبوا على سؤال الفن في لحظتهم الراهنة ، ولم يوازنوا بين الضغوط المعرفية والأسلوبية والمحيطية التي تحاصرهم :
-   فأعمالهم تعكس حيرة أسلوبية إزاء إختيار مدرسة أو تيار فني محدد.. وهذا يشخص خلل صلتهم بأساليب الفن الغربي وضعف توفرهم على الثقافة الفنية المعمقة .
-   ونفتقد في أعمالهم أية إحالة مرجعية إلى التراث الحضاري الهائل للفنون الرافدينية ونتاج الفن الموروث في الحضارات السومرية والبابلية والآشورية التي كانت غائبة كمؤثر في أعمالهم كمفردات ( واقعية ) دون إستيعاب الخصوصية المحلية أو سمات المكان المتجذرة عبر تاريخه وحاضره، أي النزعة البغدادية خاصة.
أنضم جواد سليم عند عودته من الدراسة في لندن إلى جماعة الرواد لكنه أنفصل عنهم بعد معرضهم  الأول ليؤسس جماعة بغداد للفن الحديث التي تقف نقيضاً ضرورياً لجماعتي أصدقاء الفن من الجيل الأول ، ومن الحلقة الوسطى من متعلمي الفن ممثلين بجماعة الرواد وكأنه يجيب بتأسيسه ( جماعة بغداد ) عام 1951م على الأسئلة المؤجلة التي لم تجد الطريق إليها جماعتا أصدقاء الفن والرواد ، رغم أن فائق حسن زعيم الجماعة الثانية تعرض للمؤثرات نفسها التي تعرض لها جواد سليم ، فقد عاش في بغداد – المدينة ذاتها ، وسافر شأن جواد لدراسة الفن في باريس ، كما التقى قبل ذلك بالرسامين والنحاتين الأجانب ( بولوينين وبريطانيين ) ممن جاءوا بصفة عسكريين في جيوش الحلفاء ، أو اشتغلوا دبلوماسيين في العراق.
لكن استيعاب فائق حسن – وجماعته بالضرورة- للمؤثر الغربي لم يكن بالوعي الذي مثله جواد . ولم يتوفر لفائق الوعي المطلوب للإحاطة بمؤثر البيئة والمحيط بالعمق الذي تنبه له جواد من خلال مدرسة الواسطي وعلامات المحيط البغدادي ، إضافة إلى انشغال  فائق باللون والخط ومهارات اليد المباشرة ، عن تأمل أساليب الرسامين في الفترة التي عاشها بباريس  وكانت السوريالية فيها ذات مؤثر قوي رغم إنحسارها التاريخي ، ورسوخ التجريد كأسلوب فني حديث ، ونشاط الانطباعية الجديدة وفاعليتها المؤثرة في الرسم الحديث.
ولعلنا بهذه المقدمات الأسلوبية – التاريخية قد وضعنا جواد سليم في سياق التشكيل الحديث ، ولنصل إلى مبرراتنا التي تقترح جواد مؤسسا للفن الحديث أو حداثة الفن بعبارة أدق، منبهاً في وقت مبكر إلى ما غاب عن برنامج سابقيه من سمات فكرية وأسلوبية تعززها مصادر الثقافة الأدبية التي لم ترد في تلك البرامج وأعني هنا تحديداً: الإفادة من الأسلوبية الحديثة المقترحة في التيارات السائدة وتكييفها محلياً ، والانتباه إلى معالم متخيلة لمدرسة بغدادية بالمعنى المعرفي والأسلوبي ، وقراءة المنجز الحضاري الرافديني في النحت خاصة ، وتعزيز ذلك بالمؤثر الإسلامي  وتدعيمه بالثقافة الأدبية الضرورية.
 

·    جماعة بغداد : المنطلق

لقد كتب الكثير حقاً عن الدور التأسيسي لجواد سليم ( وأشير هنا بخاصة إلى كتابات ذات طابع شهودي توثيقي ككتابات جبرا إبراهيم جبرا  وشاكر حسن آل سعيد لكونهما مسهمين في الموجة التي قادها جواد وصديقين له ) وكتابات عباس الصراف وشوكت الربيعي(3)  (كدارسين من وجهة تاريخية أو فنية ( أو تاريخ – فنية بالتحديد) ولكن ما ظل مفتقداً هو الدراسة النقدية التي تحلل الأسلوب وتؤشر السياق الثقافي والفني لرسم جواد ونحته ضمن كينونته التأسيسية وصيرورته من بعد.
 لدينا الآن وثيقتان مهمتان يمكن الانطلاق منهما لتأشير بعض المشغّلات النظرية لعمل جواد سليم ، والمنجز التشكيلي المحدد له .. وهما : بيان جماعة بغداد للفن الحديث عند تأسيسها والذي وافق عليه جواد وتبناه وأوحى بأفكاره فيما تعهد بصياغتها اكثر أفراد الجماعة إنشغالاً  بالكتابة والتنظير اعني شاكر حسن آل سعيد. وهناك صفحات من مذكرات الفنان ويومياته ودفاتره حررها ونشرها جبرا إبراهيم جبرا بعد وفاة الفنان .
وإذا عكفنا على هذه المستندات رجوعاً إلى أعماله المصاحبة أو انطلقنا من أعماله ذاتها  بتعضيد تلك التفوهات والتلفظات والبيانات ، سنعثر على المنطلقات ، ونسمي بعض الملامح التي تندرج في تبرير سمة التأسيس لدى جواد. ففي بيان جماعة بغداد للفن الحديث الذي تلي لحظة افتتاح معرض الجماعة الأول عام 1951م والخطاب الذي ألقاه جواد نفسه قبل البيان ، سنجد أبرز الملامح والنيات على السواء. زمنياً تسبق اليوميات والمذكرات المكتوبة في أعوام 1941-1946 بيان الجماعة التأسيسي وقد أسماها      (مرآة وجهي )  كناية عن مكانتها في التعبير عن ذاته الفنية .. وعند كتابتها كانت خبرته السابقة تتلخص في أثر محيط الأسرة الفنية ( الوالد والاخوة ) وفي سنة دراسية في باريس وأخرى في روما ، عاجلتهما بوادر الحرب الكونية الثانية وقطعت سبيلهما ليعود الفنان إلى العراق ويعمل غير بعيد عن الفن ، وفي جو بالغ التأثير هو المتحف العراقي للآثار القديمة ، حيث يتاح له التعمق في دراسة النحت السومري والآشوري خاصة ، ثم إعطاء دروس في النحت لصفوة من الطلاب في معهد الفنون الجميلة ببغداد، ومصاحبة الفنانين الأجانب الذين وجدوا أنفسهم في بغداد ، ووجدتهم بغداد بين ظهرانيها، لدواع ذكرناها آنفاً.
كان البولونيون خاصة ، وهم لاجئون هربوا من  بلادهم بسبب الحرب والاحتلال النازي، قد تعلموا على يد أستاذ ( تتلمذ بدوره على الرسام الفرنسي بونار) (4) لذا كان تأكيدهم على الألوان واضحاً ومؤثراً . وحين التقى جواد هؤلاء الفنانين في شتاء 1942 في أحد المعارض البغدادية كان معه قرين نشأته الفنية فائق حسن  وأمتد التعارف إلى المقاهي الراقية بالعاصمة ليغنى بالحوار إلى جانب المشاهدة المتبادلة ، فقد كان جواد يرى أعمالهم ويرون أعماله ولكنني هنا أريد مناقشة تأثير هؤلاء الفنانين الذي بولغ فيه نسبياً ، ربما بسبب حماسة جواد في الحديث عنهم في يومياته.
ولي  بالتأكيد أسبابي في التهوين من أثرهم : وفي مقدمتها أمر يتصل بجواد الذي كان – حين تعرف عليهم قد عاد من دراسة فنية في أوروبا لمدة عامين (1938-1939 ) في باريس و (1939-1940 ) في روما فهل يعقل أنه لم يكتشف اللون في منابعه الانطباعية وما بعد الانطباعية بفرنسا ، وانتظر ليكتشف ذلك في رسوم المهاجرين البولونيين ؟ والسبب الأخر يتصل بالفنانين الأجانب أنفسهم إذ لم يكن أحد منهم فناناً معروفاً في أوروبا قبل مجيئه إلى العراق ، بل كانوا – كما يبدو – من الهواة ومحبي الفن .. إضافة إلى أن أحداً لم يكتب عنهم كفنانين  في بلدانهم حتى بعد الحرب .
ربما كان جواد ينّشط صلته بالفن العالمي من خلالهم .. وربما كان يجد لديهم ما يسد فراغ التلقي الذي آلتهم الحركة الفنية الجديدة – والغريبة عن محيطها – وذلك ما تؤكده شكوى جواد نفسه من سوء فهم الجمهور لأعماله وأعمال زملائه .
نقطة أخرى تخص الفنانين الأجانب أيضاً فقد رأوا في جواد  وفائق نموذجين (أوروبيين) يذكرناهم بالفن الأوروبي ، لكون جواد وفائق درسا في باريس لفترة من الزمن ، وثمة  نقطة بالغة الأهمية وهي التعاطف الإنساني مع هؤلاء المنفيين . وهو أمر أوضحه جواد في إحدى يومياته المؤرخة في أواخر عام 1944م وقد هدأ عندها إعجابه الحماسي بهؤلاء الفنانين الأجانب ، وفكر بما أعطته بغداد نفسها لهم حيت توقف عملهم في بلدانهم.
" خلال هذه الأربع سنين  التي وقفت بها باريس وأوروبا عن العمل الجميل ، لم تقف بغداد عن العمل ...
جاء إلى بغداد في هذه الفترة المديدة من الزمن أناس كثيرون ، وإذا كانت أوروبا قد أوقفت حركة إنتاجهم ، فإن بغداد قد هيأتها للعمل . وفتحت للفنان منهم عالماً جديداً من المرئيات تحت ظلال قبابها الفنية . ولم  يكن هؤلاء طلاب البوزار في باريس أو السليد سكول في لندن ، بل كانوا ذوي أفكار جديدة ومن الذين يمزجون في إنتاجهم الفني عصارة تأملاتهم ودراساتهم بدنيا إحساسهم وخيالهم .
كان هؤلاء الأجانب ذوي أثر على هذه الفئة من الأشخاص ، ولم يكن التأثير مجرد تبادل مدارس فنية جديدة للفن . لقد ارتبط هؤلاء مع بعضهم بميل فطري واحد هو إنساني محض : حب الحياة والكفاح في سبيل النظام الطبيعي ، حب الحياة والأشياء  البسيطة التي تنسينا الموت . لقد كانوا رجالاً اكثر مما كانوا فنانين .." (5).
وأعتقد أن هذه الفقرة من المذكرات ترينا قيمة هؤلاء الفنانين بحجم صحيح دون تهاويل. فهم (رجال) اكثر من كونهم ( فنانين) . وتلك إشارة إلي إنسانيتهم وحبهم للفن والحياة .. وما انطوت  عليه أفكارهم من تجديد وتأمل وخيال بل نحس أن بغداد تبادلت معهم التأثير فأعطتهم ما لم تستطع  بلدانهم أن تعطيه بسبب الحرب . وذلك لا يناقض إنبهار جواد بعنايتهم باللون مثلاً ، وتنبهه لذلك العنصر التشكيلي المهم ، فهو شعور يحسه أي فنان إزاء أي عمل جيد يعجبه ، ولا يعني انه كان خلواً من ذلك الإحساس . كما أن جواد إذ يذكر مرور أسماء بعض هؤلاء في ذاكرته حين كان يدرس في أوروبا، فإنه لا يشير إلى عمل محدد ، أو شهرة واسعة أو مدرسة فنية واضحة أو معرض.    إن حديث جواد عن هؤلاء الفنانين ينصب في حواراتهم ومناقشاتهم المطولة حول الفن أكثر من الحديث عن أعمالهم التشكيلية ، وهذا يفسر ملاحظاته حول إنسانيتهم وحبهم للحياة اكثر من وجودهم كفنانين. لقد كان جواد في تلك المرحلة المجدبة في تاريخ الفن التشكيلي العربي ، وصلته البائسة بالجمهور المنصرف عن الفن وتذوقه ، مهموماً بترتيب تلك الصلة بحيث لا يخسر الفن شيئاً ، كما يكسب الجمهور الذي يصفه الفنان في إحدى يومياته بالسذاجة والانصراف عن التذوق الفني للجديد.
وعلى أساس  ذلك يرى جواد أن مهمة ( النخبة) من الفنانين من زملائه ، مهمة عسيرة. هاهو يصف في يومياته موقف زملائه أبان الحرب:
" كانوا قلائل تحدق بهم المصاعب من كل جانب في عملهم الإبداعي وتهيئة الجمهور للفهم والتذوق . أما عملهم ، فبصفتهم البعث الأول منذ خمسة قرون ، كانت محاولتهم صعبة وهم يهيئون الأسس للأجيال الشابة القادمة . كان عملهم ينحصر في تأليف حلم هذا الإعرابي الملون غير المتناهي في كتب التاريخ وزخارف الريازة العربية . وحتى أبعد من ذلك  : التأليف بين إنسان عاش بين أحضان النهرين منذ آلاف السنين وصنع من طين هذه التربة تماثيل صغيرة جميلة ، وبين تعبير أستمده من لندن وباريس وروما.. " (6). ملخصاً بذلك مثلث المؤثرات في الفنان العراقي الحديث الخاضع لأثر فنون ما بين النهرين القديم ، والمدارس الفنية الغربية الحديثة ، وتحولات البيئة البغدادية وأثرها.
وتقودنا هذه الفقرة إلى منطلق أخر سيبلوره جواد عبر أعماله النحتية ولوحاته منتصف الأربعينيات ، ولا تثنيه عنه دراسته التالية ، في لندن ( 1946-1949).  هذا المنطلق الذي  سيشكل العمود الفقري لتميز ( جماعة بغداد للفن الحديث) هو الموازنة بين (التعبير) الأسلوبي الحديث المتمثل بالضخ الغربي عبر المدارس والاتجاهات السائدة في أوروبا ، والذي يغري بالتبني طمعاً في اللحاق بالعصر والعيش في متنه لا على حاشيته أو هامشه .. وبين ما يرد من جهة ( الجذر) التراثي الضارب في المحيط وثقافته التشكيلية التي واجهت جواد ، لاسيما وقد عمل مباشرة في متحف الآثار العراقية فترة من الزمن ، فتعرف على أساليب النحت الأشوري الضخم ، والمصغرات البابلية المدهشة ، والأختام ، والأفاريز ، والجداريات ، والنحت  الناتيء ، وسواها من نتاج فني لحضارات العراق القديم : السومرية والأشورية  والأكدية والبابلية حيث كانت مادة ( الطين ) أول ما لفت نظر جواد ، وهو صبي يكور من كتلتها عوالمه وأخيلته وشخوصه . وظلت الآثار واللقى والتماثيل هي الشغل الشاغل لجواد سليم الذي لم يضعف إزاء أي طرف  فلا هو (حداثي) تلصيقي يستلف الأسلوب من مدرسة غربية أو اتجاه أوروبي خالص ، ولا هو (انعزالي) يدير ظهره للعالم  وينغلق على مفردات حضارته أو محيطه دون إفادة من الأخر.
وكان ذلك أبرز سمات عمل جواد نحاتاً ورساماً ومفكراً.
إنه مهموم بالبحث عما يسميه جبرا إبراهيم جبرا " طرازاً عراقياً في الإبداع مجذراً في تراث العراق وحضارته"(7)  وكانت تلك ( محنة جواد سليم) بتعبير أحد النقاد الشبان وهي محنة معرفية لم تشغل زملاءه كثيراً ( باستثناء فريد لشاكر حسن آل سعيد ، وفائق حسن الذي تجاهل ذلك كما سنرى) .
إن مشكلة الأسلوب والتراث مشكلة معرفية لا تتعلق باختيار ذوقي أسلوبي لمدرسة ما ، رغم أن جواد يثني في مذكرات الأربعينيات على أسلوب رسامي ( ما بعد الانطباعية ) وعنايتهم الخاصة والجديدة باللون والضوء والخط ، لكنه يتوقف طويلاً إزاء الصلة بين رؤية الفنان الخاصة وزاوية نظره ، وبين جذوره الحضارية على مستوى الفن ، وهذه مفردات تتصل بمعضلة الهوية قبل كل شي .
في إحدى يومياته ينص جواد على أن الفنان مطالب " بأن يهضم كل قديم ليأتي بالجديد وما هذا القديم إلا دنيا هائلة" (8) وسوف يتذكر أن المؤثرات كثيرة ولكن على الفنان أن يعرفها أولاً " لكي يبقى على ما يريد وينبذ الباقي"(9) إنه يرى فن وادي الرافدين كشعب هذا الوادي " كلاهما نتاج الأرض والمناخ كلاهما لم يبلغ قط الانحطاط ولم يبلغ قط الكمال كان عمل الفنانين العراقيين القدامى خشناً ولكنه غني بالابتكار . فيه حيوية وجرأة لا تتيسران للتقنية المرهفة . كان الفنان دائماً حراً في التعبير  عن نفسه.." (10)   ويضرب لذلك مثلاً باللبوة الجريحة التي جسدها الفنان الآشوري وقد أصابتها سهام الملك الصياد في كل جزء من جسمها لكنها تغلب الموت وتصرخ في وجهه.
إن هذه الإلتفاته المعمقة من جواد لا تتناقض مع انتباهه لخطورة حركة الفن التشكيلي الحديث وحيويته وفاعليته ، الأمر الذي يراه ضرورياً لقيام فن عربي حديث لا يخضع للتقاليد والأسلوبيات البالية.
وذلك الانتباه المتوازن سيقوده إلى العناية بالمأثورات الشعبية والأزياء والأقراط التي وضع تصاميمها الحديثة بإحياء أشكالها الموروثة وإظهار جمالياتها..
لقد حدت هذه العناية بالمحيط ببعض النقاد ليشخصوا في جواد وعياً جاداً يقصي المؤثر الخارجي (( فهو لم يكن يصغي إلى الخارج بالمعني الذي يسمح له بتخريب أو إرباك رسالته المعاصرة والوشائج السرية مع السطح والكتلة وما يسفر عن تبدلات ..)). (11)
فانغماسه بالمحيط لا يعني الاستسلام له ومحاولة نقله بانسحاق وتبعية واقعية بل كان جواد يحور مرجعه دائماً ويكسبه حضوراً فنياً أي أنه يجعل السطح التصويري مكاناً لوجود واقع جديد ، فني ، متفوق على نسخة المرجع أو الإحالة . وذلك أمر  يتيسر لمن يمتلك – كجواد – وعياً بالمحيط من جهة وبالأسلوب من جهة ثانية .
وسوف يتجسد ذلك الامتصاص للمنجز الحضاري عبر توسيع المنجز وتعدده . فهو لم يبق عند حدود النحت العراقي القديم بل تنبه للتشكيل في الخط والحرف العربي كتنويع للخبرة البصرية بالمحيط . وهذا سيتضح في مرحلة العناية بالأشكال الهلالية المستوحاة من التراث الفني الإسلامي وترسيخ (( البناء الرؤيوي للحرف العربي داخل السطح التصويري وإعادة القيم الجمالية لما عرف بالأرابسيك )) (12)  وسنرى أن ذلك يتعضد بآستيحاء الأجواء الحكائية التراثية عبر قراءة ( ألف ليلة وليلة ) ورسم عدد من موضوعاتها..
وسوف يقوده ذلك إلى عالم ( البغداديات ). وهي مرحلة استيحاء البيئة المحيطيه سواء بأشكال الشخوص ، أو التكوين العام للموضوع البغدادي ، وطقوسه الاجتماعية وعاداته وثقافته ، أو بالانتباه للمكان والعمارة الخاصة والمقاهي وألعاب الأطفال والملابس ..
وهنا لا يتوقف جواد عند مفردات بصرية تشكيلية بل يهرع إلى المعرفة أيضا ، فيجد ذلك في رسوم الواسطي ( القرن السابع الهجري ) ومنمنماته لمقامات الحريري.
يتحدث جواد في إحدى يومياته عن الواسطي الذي يبدو انه رأى له عدداً قليلاً من الرسوم لدى صديقه عطا صبري(13) فيقول : إن يحي الواسطي (( أعظم من ظهر من المصورين في العراق .. خلدها بصوره وألوانه .. لأنه كان يخلق صوره )) (14)  وقد سرت عدوى عنايته بالواسطى إلى أصدقائه في ( جماعة بغداد ) فيصف  جبرا مثلاً الواسطي بأنه ((كان حداثياً مبكراً في الفن العربي ، وذلك لتوحد الصورة والكلمة في وعيه باستمرار ، وعلى نحو مدهش غزير التوليد في رسومه)) (15) كما تسلل ذلك إلى بيان الجماعة الذي كتبه شاكر حسن تركيزاً لأفكار الجماعة التي يتزعمها جواد نفسه . فقد أشار البيان إلى ((يقظة عصرية تقطع نفس الطريق التي قطع المراحل الأولى منها فنان القرن الثالث عشر الميلادي )) (16)  كما تسللت أيضاً قناعة جواد بالموازنة الضرورية بين التعبير الأسلوبي الأوربي وخصوصية المحيط المحلي . فوصف البيان فناني الجماعة بأنهم    ((لا يغفلون عن ارتباطهم الفكري والأسلوبي بالتطور الفني السائد في العالم . ولكنهم في الوقت نفسه يبغون خلق أشكال تضفي على الفن العراقي طابعاً خاصاً وشخصية متميزة)). (17)
ونستطيع أن نسمي الآن مؤشراً رؤيوياً آخر في شخصية جواد، هو مؤشر ثقافته. فبالرغم من نشأته في حاضنه فنية أسرية تتميز بالهواية والعفوية والاعتماد على قوة الرسم والمقدرة الحرفية ، يعطي جواد للثقافة مركزاً مهماً في تجربته . فهو ينطلق من رؤية ثقافية واضحة لا نجدها فقط في القراءات المكثفة بلغات عديدة ( عربية – فرنسية – إنجليزية ) وفي حقول مختلفة ( فكر – قصص – أشعار )، بل نجدها في التأمل والتحليل بمقابل نظرة زميله فائق حسن الذي انصاع للمقدرة الفائقة في تنفيذ رسومه وإتقان حرفيتها وتقنياتها وموادها ، تعويضاً عن غياب المولد الفكري أو الثقافي . فكثيراً ما كان – وظل – فائق يردد على أسماع طلابه (( إن الفن حس وحسب )) (18) كما غاب عنصر الرؤية الثقافية والمعرفية عن أعماله لصالح إتقان عناصر اللوحة لا سيما اللون والخط وعوامل الضوء والظل وإتقان الخلفيات والتفاصيل . وتمثل كذلك في الدعوة للرسم في الهواء الطلق وخارج الأستديو(19) قرباً من الموضوع وتفاصيله ,
وهذا الجمع بين الرؤية والأسلوب هو جزء من ثنائيات كثيرة تحكمت في فن جواد ، عرفنا منها ثنائية القديم والجديد ، والحداثة والتراث ، والرؤية  المعاصرة والجذور ، وسنرى منها ثنائية الرسم والنحت أيضاً إلى جانب الرؤية والأسلوب .. والموضوع والفن..
وقد تأكد اتجاهه الثقافي عبر صلاته بأدباء عصره وكتابه وشعرائه ، وقراءاته ومختاراته التي ضمتها دفاتر يومياته ومذكراته " وكذلك في عدد لا بأس به من أغلفة الكتب التي صممها ورسمها .. (20) ويستكمل ذلك عامل أخر هو ثقافته الموسيقية الحديثة ، وانتباهه للحس الفني في الأعمال الموسيقية العالمية ، ورغبته في تعلم العزف على الجيتار ، وكذلك في انتباهه للموسيقي المحلية ، كما برزت في عدد من لوحاته التي صور فيها موسيقيين وعازفين ومؤدين شعبيين .. nNأآآىىخيتبنبتينمبت
 
 

الاختيار الصعب: الرسم أم النحت  ؟

في إحدى يومياته (29/5/1944) يشير جواد سليم إلى توزع محير بين الرسم والنحت  فيقول: "إني لا أريد أن أكون  كروزيتي يبدد قدرته بين الشعر والتصوير لا يدري أيهما يجيد..أنا أعيش في القرن العشرين وتقسيم قواي بين الرسم والنحت من المؤكد سيوصلني إلى لا شيء. إني أفكر أن أتحرر من الرسم في يوم من الأيام، لأني أشعر شعوراً أكيداً أنه ليس بالشيء الذي أعيش من أجله. إنه لا يعبر عن نفسي تمام التعبير"(21).
إن حيرة جواد ليست انتقائية يحددها المزاج. كما أنها لا تتصل بتداولية الفن أو تسويقه، ولا تحتكم إلى تلقيه لدى الجمهور. بل هي حيرة اعمق من ذلك لأنها تتصل بقدرته على التعبير عن نفسه من خلال الفن المناسب، وقدرة الفن على استيعاب ما في نفس الفنان.
فالحيرة إذن في اختيار وسيلة التعبير أساساً، وقد خلق ذلك لجواد إشكالية حقيقية، لا يهمنا منها التوزع الحرفي وعامل الوقت أو الجهد، وحتى المستقبل بمقياس الإبداع والشهرة وأي المجالين يحقق ذلك.  فالمسألة أكثر تعقيداً من ذلك كله. لقد أحس جواد بقابليته (وقدرته) لإنجاز مشروعه ورؤيته في النحت  تحديداً، كما وجد في النحت ، بالمقابل، الوسيلة الممكنة لتوصيل ما في نفسه.. وهذا أمر يدعونا للحديث عن طبيعة المادة الخام في الرسم وفي النحت … وفي أدوات التعبير نفسها، فضلاً عن إمكان التعبير في المجالين.
لقد تحدث جواد مرة أخرى بعد عام ونصف عن الحيرة نفسها، وأضاف مبررات تفصيلية هذه المرة. فقال في إحدى يومياته (3/10/1945) بعد إنجاز صورة شخص      (الفراش حسين): "استقر في رأسي شيء خطير، وهو أني لا أصلح أن أكون رساماً لأني أرى شيئاً وفرشتي تعمل شيئاً آخر. وقد استنتجت في كثير من المرات أني لا أرى الألوان بالقوة التي يتطلبها رسام بارع من الصنف الأول، وأنا لا أريد أن أكون مصوراً من الصنف المتوسط. إني أفكر بالشكل والحجم أكثر مما أفكر باللون… وأني اجتهد بكل طاقتي وأحرص أشد الحرص في إخراج حتى أبسط القطع في النحت، بينما يكون الرسم لي كلهوٍ بسيط لا يهمني إن كان حسب اتجاهي القديم أو الحديث، بالنسبة لصوري التي رسمتها قبلاً .." (22) 
لعل في كلام جواد هذا شيئاً من المبالغة، عبر تهوين قيمة رسومه لصالح تحقيق رغبته التعبيرية في مجال النحت…لكنه عملياً لم ينقطع عن الاثنين في مراحل حياته كلها… وحتى في فترة انصرافه لإنجاز نصب الحرية في أيامه الأخيرة، ظل يرسم بكثرة.. وحفظ لنا أرشيفه تخطيطات كثيرة بالغة الروعة لأفكار وخطاطات ودراسات لشخصيات النصب أو حركاتها وأبعادها، تتعدى بقوتها وتعبيرها كونها خطاطات أو دراسات أولية.
لكن مشكلته كما قلنا تعبيرية، ويبدو أنه لم يستطع الإفصاح عنها يسبب محدودية ثقافته في مجال الفنون وجمالياتها قياساً إلى حجم السؤال الذي عذب روحه.
نحن نقر مع جبرا إبراهيم جبرا أن جواد سليم"كان من تلك الفئة القليلة في تاريخ الفن التي استطاعت أن تجمع بين النحت والرسم. طبعاً على النحات أن يتقن الرسم. ولكن رسمه يظل من قبيل الدراسات الضرورية لنحته. فهو أمر ثانوي لديه، لا يبغيه لذاته. أما الرسم لدى جواد فهو الشق الآخر من حياته"(23)  ولا ندري مدى دقة تحديد أولوية أو ثانوية الرسم للنحات، لكننا متيقنون من (استغراق) جواد في الرسم بنفس القوة  التي كان ينصرف فيها للنحت ويفكر ويخطط ويعمل.
كتب في رسالة لأحد أصدقائه في نيسان 1944 إن أكثر ما يثقل عليه الآن هو تقسم قواه بين الرسم والنحت. وتوقع أن يترك أحدهما ذات يوم مبرراً ذلك بأنهما معاً سيكونان فوق طاقته وأن قابليته سوف تتجزأ بينهما. ثم توقع بأنه سيترك الرسم نهائياً(24)  وهو أمر لم يتحقق طبعاً. وأحسب أن الاختيار الصعب بدأ منذ الطفولة، حيث توجه جواد يعمل ألعابه من الطين ثم ليرسم ،متأثراً في النحت بأمه، وفي الرسم بوالده. وتطور الأمر في شبابه لينغمس مع زملائه في رحلات الرسم أو الاشتراك في المعارض، بينما ظل هواه الخاص داخل مشغله يتبلور في النحت .. وحين بدأ يطلع على الرسم والمنحوتات الأوروبية، قابلته الحيرة نفسها، فتوزع إعجابه باللوحات، وبتماثيل عصر النهضة ومنحوتاتها معاً.
أما حين عاد ليدرس آثار العراق القديم ويقرأ فنونها، فقد توزع أيضاً بين رسوم جدارية ونحت ناتيء أو بارز ومصغرات أو كتل.. وكان عليه أن يختار أيضاً.
لكن رؤيته لم تجد تجسدها الحر في الرسم، بسبب نظرته للأشكال والأحجام وتقدمها على اللون والخط. كما أغرته السطوح الخشنة أو كما جذبته الكتل والأحجام.. وقد انتقلت عدوى النحت هذه إلى رسومه، فكان سطح اللوحة بالنسبة لجواد مكاناً خيالياً يستخرج منه كنوزه الشكلية، وأخذ يرسم بقلم الرصاص على سطح القماش الأبيض بعد أن يهيئ لهذا السطح قبل الرسم ملمساً خشناً(25) وهذه إشارة ذكية إلى تنافذ نوعي أسلوبي، أي أن الرسم يهرّب مزاياه للنحت، كما أن النحت يبادله المزايا. فالملمس الخشن والمفردات الكثيرة والتفاصيل، والعناية بالكتل وتوزيع الفراغ في اللوحات، يقابل رشاقة المنحوتات وجمال أعضاء شخوصها ورهافتها، وإغراقها في الشاعرية أو الغنائية. حيث نجد شيئاً من التعبيرية الرمزية في منحوتاته..
لكن جواد رغم ذلك السؤال العسير والحيرة الرؤيوية بين الرسم والنحت، لم يترك واحداً من الفنين بل مضى موغلاً في انشطاره الأسلوبي والتقني مغنياً تجربته برسوم ذات أهمية خاصة في التشكيل العراقي، بينما ينجز أعمالاً ستعد من أبرز الأعمال النحتية العربية وأهمها على الإطلاق.
إن تساؤلات جواد والأمثولات التي ضربها عن حيرة مشابهة لأحد الفنانين بين الشعر والتصوير، لم تكن موجودة إلا في الجانب النظري من رؤيته. فالقرب بين الرسم والنحت ليس كالبعد بين الشعر والرسم، على مستوى المادة والأدوات على الأقل. وهذا عامل آخر ظل يعتمل في داخله، ويزكي افتتانه باللون والخط، كما يلهب عشقه للطين والصخر وللكتلة والشكل والحجم بالضرورة. كما يعكس ذلك تعلمه من رسوم بيكاسو ومن تماثيل هنري مور(26)  معاً .. إذن لم تتحقق نبوءة جواد بهجران الرسم. كما أن اندفاعه في الرسم لم يحرمنا من عبقريته في النحت كما سنرى…
 
أزمنة.. ورسوم:
تعود أقدم رسوم جواد سليم المتوفرة الآن إلى مطلع الأربعينيات ويمكن لأغراض الدراسة أن نقف عند الخمسينيات كحد زمني وأسلوبي. ففيها عاد جواد إلى بغداد، وأسس جماعة بغداد للفن الحديث، وانطلق في مشروعه التشكيلي المعتمد على الأسلوب الحديث واستلهام التراث. لكن رسومه الأربعينية وتلك التخطيطات والدراسات الأولية السريعة التي ضمها دفتر مذكراته المسمى (تأملات روحي) (27)  المدونة في العقد نفسه، تتيح لنا التعرف بوضوح على رؤيته وأسلوبه.
وأول ما يطالعنا مجموعة تخطيطات سريعة (اسكتشهات) منفذة بالقلم وتتسم بالسرعة والرهافة والحركة. حيث يعتمد فيها على أبراز الخطوط الخارجية (Out lines) واختزال التفاصيل لصالح التكوين العام، والأجساد التي لا تبدو سماتها الخاصة بوضوح، أو تشربها، بينما تبهرنا الحركة الضاجة فيها، وهو أمر يعلله انشغاله النحتي واتجاهه لإبراز الحجم والكتلة وسنرى في تلك الرسوم التخطيطية، لاسيما التي نفذها بعد سفره للدراسة، اهتماماً بالمرتكز الثقافي للعمل. فثمة أكثر من تخطيط لقصة الحمال  والبنات من     (ألف ليلة وليلة)، وتخطيط لقصة يوسف من القرآن الكريم، يلفت نظرنا فيها ابتعاده عن المرجع لصالح الرؤية الخاصة. فهو لا يحيل مباشرة إلى مراجعه، ولا يرهن رسومه بها.
تلك مسألة مهمة سوف تتضح في الخمسينيات، وتعبر عنها رؤيته للصلة بين الفنان والواقع. لكننا سنتحدث الآن عن بعض لوحاته الأربعينية مثل (أطفال في الطريق 1944) حيث يبرز التركيز على الخطوط الخارجية أيضاً، وتظهر ملامح الوجوه بتعبيرية واضحة تتجسد عبر الألم في وجه الأم التي تحمل طفلاً. والبراءة الجميلة في وجوه الأطفال الذين يضمهم الشارع. إلا أن عمله الأقدم ( الملاريا 1941 ) محير حقاً. إذ أنه يعتمد على التجريد والخطوط الحرة المتشابكة لإنجاز انفعال عام بالملاريا، فحيث تتصل بعض المفردات بالموضوع، تظل بعض التكوينات حرة كالإشارات والعلامات، لتنجز الأثر النفسي بما تسببه الملاريا. بينما تحتل وسط العمل صورة وجه مخطط بحرية وشيء من التجريد، ويمتلئ السطح التصويري بالخطوط ليعكس الرعب والاحتدام. وهو أمر سيتكرر في دفتر مذكرات جواد عام 1944 حيث تحتشد اللوحة بالخطوط والتفاصيل        (أبواب – أجسام – أشجار- أشباح – أشكال هندسية) وكأن العمل مشروع جدارية غير مكتملة.
  وفي (الابن المقتول 1947) و(الطفل الميت) في العام نفسه، نجد نزعة تعبيرية واضحة في وجوه النسوة وصياحهن ووجود الابن والطفل ميتين وسط العمل، يوحي أحدهما بصلب المسيح.. كما تبرز نزعته الخطية الحرة واضحة في العملين.
يحاول جواد في هذه الفترة الاقتراب من الجسم العاري دون إشعار مشاهده بأية نزعة حسية أو جنسية، لصالح إبراز (جمالية) الجسم المرسوم كما يتضح في تخطيطات دفتر مذكراته المعنون (تأملات روحي) حيث يستعين بالتنقيط والخطوط الحرة لاستكمال أبعاد الجسم دون انصياع لأية نزعة أكاديمية، الأمر الذي سيطر على رسوم وتخطيطات زميله وصديقه فائق حسن. فجواد مشغول بالحركة والكتلة والخط أكثر من تفاصيل الموضوع التي تبرز المهارات التقنية، كما تتضح نزعته التجريدية في تخطيط أطلق عليه     (الإنسان الخالق) 1945 وكأنه يعيد للذاكرة أجساداً نجدها لدى الرسامين العالميين وماتيس خاصة (لاحظ عمله في دفتر المقتبسات والمذكرات) وهو صورة امرأة تداعب شعرها بإغراء وأنوثة ، والنساء الراقصات في عمله (بلاد لافاد الجميلة) وبعض المشاهد الحسية (رجال ونساء). وتشدنا كذلك الحركة المتسمة بالعنف والتعبير الجسدي الصارخ في تخطيطاته المتسمة بالتكثيف والرهافة، جامعاً إلى جانب ذلك بداعة التكون وبراعة الخط، مما يستلزم تعويض اللون المفقود ويجلب الانتباه إلى الحرية في تشكيل أشكال الشخوص (figures) واختزالها بالخطوط الخارجية ذات الحدة والعمق مما يقرب تلك الشخوص من الوحشية.
إن ثنائية الرسم والنحت لا تتجلى في النزعة الكتلوية وإهمال اللون، وإنما في تجسيم التعبيرية بالحركة الشاملة، وإحاطة الموضوع بطاقة المخيلة التي تقصي المرجع دائماً. وهنا نستذكر رأي الفنان في الواقعية. فهو يرفض عام 1951، في كلمته في افتتاح معرض جماعة بغداد، ما يراد من فهم سطحي للواقعية القريبة من الفوتوغراف والسذاجة، ويؤكد على النسخة الفنية دائماً لا نسخة الواقع.
لكن نزعة التلوين ستظهر واضحة في رسوم الخمسينيات وإن تكن تباشيرها الأولى تعود إلى بعض أعمال الأربعينيات مثل لوحاته الزيتية (نساء في الانتظار1943)              و(رجل في المقهى ) 1943م ولورنا ( زوجة الفنان بثياب عربية ) 1948م وبعض المناظر الطبيعية (Land Scape) حيث يدخل اللون هنا كعنصر أساسي من خلال تحديد المنظر وجزئياته أو جمالية الشخوص، وكذلك العناية بالخلفيات وبعض التفاصيل. أما عمله في الوجوه والأعضاء فيتسم بالجمالية الواضحة بتأثير من الانطباعية وما بعدها، مع إضفاء جو خيالي يؤطر مشاهد الواقع وأمكنته (المقهى-البيوت -الأزياء-الأثاث..).
أما رسوم الخمسينيات فتمثل طفرة واضحة على المستوى الأسلوبي فإذا كانت الثقافة والقراءات تعمق تخطيطات الأربعينيات لا سيما تلك المستوحاة من ألف ليلة وليلة، فإن رسوم الخمسينيات تمدنا بتنوع متعدد النواحي على مستوى الموضوع المستوحى من الطبيعة (شارع في مدينة بعقوبة) 1952 و(الجادرية 1953) ومن مفردات الواقع (عائلة) وسلسلة رسومه (بغداديات) و(زخارف هلالية). والموضوعات الإنشائية ذات السمة التجريدية مثل (الضحية 1951-1952) وبعض البورتريهات التي تجمع الدقة الأكاديمية إلى جانب التركيز على التعبيرية وجمال الوجوه ومكملاتها.
وبهذه الاتجاهات الفنية أبدع جواد سلسلة رسوم كان لها أثر في الفن العراقي عامة. فجواد يقدم أمثولة للكد الذاتي خارج أسوار المدارس والاتجاهات المغلقة. فالحرية تتضح الآن في الأسلوب وتنوع المعالجة وطبيعة المادة.
صحيح أن الزيت والقماش هما مواد اللوحات الأساسية، وأن اللون والتعبير فيها عنصران رئيسيان، ولكن الأسلوب المعزز بالرؤية الفنية يتراوح بين الاحتفاء باللون، وتناغمات الضوء والظل، وتوزيع مساحات الكتل والخلفيات بتأثير انطباعي محدد واضح، بينما تستسلم الصور الشخصية (كصورة الشاعرة لميعة عمارة) إلى تعبيرية شاعرية تحفظ جمال الوجوه النسائية وفتنتها السابحة في ألوان رصينة متناغمة مفعمة بالحيوية والشباب والجمال القريب بأبعاده من الرسم الأكاديمي، مع متعة حقيقية في رسوم الواقع ومفرداته، تلك التي لا تخضع  له كمرجع أو نسخة أصلية، بل تبتكر وجودها الخاص داخل العمل.
ونرى من المؤثرات الأخرى شيئاً من التكعيبية والسوريالية وبدايات الاتجاه نحو المحيط البغدادي والمؤثر الإسلامي العميق.
فبغداد بالنسبة لجواد، وكما تعكس لنا سلسلة رسومه عن الزخارف والهلاليات والمناظر البغدادية، ليست مدينة مجردة من تاريخها بل تتحد فيها عناصر تاريخية: كونها عاصمة الدولة العباسية، ومسرح أغلب الموروث الحكائي في ألف ليلة وليلة، كما أنها الجغرافية الروحية للفنان، ومهد الصبا والشباب، وتجلي المشاهدة المباشرة في أحيائها وطرقها ومناظرها اليومية.
هنا برزت في رسوم جواد تطلعات جماعة بغداد التي كانت تلك الرسوم، تمثل الجانب التطبيقي لأطروحاتها النظرية، وطموحها لخلق مدرسة تستلهم الموروث الإسلامي، والرسم القديم الذي يمثله يحيى الواسطي، والإخلاص للبيئة بالمفهوم الرومانسي الثوري. ولكن أبرز ما ظل من رسوم تلك الفترة هو العناية بالشكل الهلالي سواء أجاء بشكل أيقوني يمثله  رسم الأهلّة وزخارفها مباشرة في اللوحة، أم في تمثل الشكل الهلالي وهضمه، ليظهر في استدارات الوجوه عامة، والعيون بشكل خاص، عيون النسوة والأطفال.
في هذه الفترة يرسم جواد أهم لوحاته: زخارف وبغداديات 1955-1956 ولوحة (أطفال يلعبون) 1953 و(الزفة والموسيقيون في الشارع وليلة الحنة) 1956-1957 و(كيد النساء) 1957 و(صبيّان يأكلان الرقّي). و(السيدة والبستاني) و(الشجرة القتيلة) و(القيلولة) 1958. وهي أخصب سنوات فنه، ثم بداية قطيعته مع الرسم لانشغاله بدراسات عمله النحتي الخالد (نصب الحرية)، إلى جانب أغلفة الكتب والدواوين الشعرية التي رسمها في الخمسينيات.
وأية نظرة فاحصة على أعمال الخمسينيات الزيتية هذه، سترينا النضج الذي وصل إليه الفنان، سواء على مستوى الرؤية التي تتيح له الالتقاء بموضوعه في أفق الحداثة التي تفهم الموضوع فهماً فنياً متقدماً، أم على مستوى الأسلوب والتنفيذ الحر والدقيق الذي ينم عن شخصية تشكيلية متميزة أسلوبياً، تقف بمنأى عن المدارس المعلبة، وبمنجى من الفطرية أو الطبيعية الفجة.
أحياناً يكون الواقع محركاً أو دافعاً لإنجاز العمل، كما في لوحة (الشجرة القتيلة) التي رسمها بعد أن رأى بستانياً في حديقة منزلهم يهوي على شجرة متيبسة لكي يقتلعها، فكان ذلك دافعاً لموضوع لوحته التي كان أسمها يشي  برؤية إنسانية تعطي النبات سمات بشرية فهي شجرة مقتولة نحس بآلامها، كما يحدث للبشر إذ يموتون.. وقد أمتد هذا المنظور إلى الشكل نفسه، حيث بدت الشجرة في غاية الجمال، قريبة الشبه من امرأة شابه بقوام جميل وشعر كثيف بينما تتضح القسوة في حركة الرجل الذي يهوي عليها بفأس كبيرة بينما تعلق رجل آخر فوق جذعها ليجز رأسها، وانحنت المرأة ذات الزي الفلاحي لتجمع أشلاء الشجرة من الأرض، بحركة جميلة فيها عناء وفتنة، وكأنها تحمل شيئاً يخص جسدها هي لا جسد الشجرة. أو لعلها الشجرة ذاتها التي انحنت بانكسار وتعاطف لتلم حطامها واشلاءها. وقد برز تنفيذ أجساد النساء في هذه المرحلة . بأسلوب خاص يحيل إلى البيئة والتراث لا سيما في الغلالات الشفيقة التي تغطي الأجساد (كما في كيد النساء المستوحاة من حكاية مشهورة في ألف ليلة وليلة) مما يزيد تلك الأجساد فتنة وغواية.. كما نرى بعض مفردات المأثور الشعبي سواء من طرف الموضوع: كالزفة والحنة والموسيقى الشعبية وألعاب الأطفال والأكلات والمقاهي والأزقة،أو من جهة تحديد الوجوه بأشكال هلالية وعيون واسعة بشكل لافت.
ويتحول الزيت دائماً من مادة كثيفة ذات ثقل ودلالات لونية، إلى إطار شاعري يحدد بحرية ودعة وتلقائية تزيد المناظر جمالاً.
والملفت حقاً إلى جانب الحرية الأسلوبية والحداثة، ذلك الفهم المعمق للواقع وطريقة تمثيله فنياً… وذلك يؤكد البرنامج النظري لرؤية جواد سليم الذي قال عام 1951: "إن الزمرة التي تتذوق الفن والتصوير من جمهورنا تفرض إرادتها بصورة عجيبة … هؤلاء يريدوننا أن نرسم تفاحة ونكتب تحتها ( تفاحة ) .. ومنظر الغروب على دجلة وتحتها (الغروب)… أو فتاة جميلة ويجب أن تكون جميلة لأن الفن جميل وتحتها نكتب بخط جميل : الانتظار … والفنان الحق يجب أن يعرف ماذا يرسم ولماذا هو يرسم.. فماذا تعني صورة نخيل رسمت كما يراها الفوتغراف؟…"(28) 
ولعل هذا الفهم لصلة الفنان بالواقع وكيفية التعبير عنه ، لا يقل خطوة عن رؤية الفنان لمسألة الجميل، وإنجازه فنياً.
وهذا ما تجسد في رسوم جواد التي امتلكت،  من هنا، حسب ظني، قابلية التأثير، بينما ظل أثر زملائه محدداً، بسبب فهمهم المحدود للطبيعة والموضوع، ونقصان رؤيتهم في الجانب التعبيري والأسلوبي.
وهذا بالضبط هو ما أهله للانتباه مبكراً إلى دور الخط والحرف في اللوحة، مما سيطوره لاحقاً وبشكل راق زملاؤه الفنانون وفي مقدمتهم شاكر حسن آل سعيد وجميل حمودي.
 
جواد النحات ونصب الحرية:
في قلب العاصمة بغداد، وأشهر ميادينها (ساحة التحرير) الشريان العضوي للمدينة، تطل كائنات (نصب الحرية) العمل الضخم لجواد، والذي كان يحلم به مزيناً مدينته التي لاحظ أنها خالية من التماثيل والمنحوتات (لم يكن هناك سوى ثلاثة تماثيل برونزية للجنرال مود، والملك فيصل الأول، وعبدالمحسن السعدون) وهي من عمل فنانين أجانب. وكأن هذه المدينة تؤكد قطيعتها عن حضاراتها المتعددة التي ورثتها عن سكان ما بين النهرين وموروث النحت السومري والبابلي الأشوري متعدد الرؤى والأساليب والأشكال.
هذه القطيعة بين الموروث الفني والحاضر، كانت سبباً في حماسة جواد لعمل خالد يعيد الصلة بالموروث، ويبرز كفاءة الفنان ورؤيته.
لقد كان لجواد بضعة أعمال نحتية، رفضت الجهات الرسمية بعضها بسبب تدني الوعي الفني للجمهور، وعرض بعضها في مناسبات متعددة. (29)  
قبل ذلك لابد من تفحص المؤثرات الفاعلة في رؤية جواد النحتية. فهي تنهض بالدرجة الأولى على الثروة المتحفية الهائلة للنحت السومري والأشوري وبعض التماثيل والمجسمات والمصغرات البابلية، وما حفظته خزائن المتحف من لقى وتكوينات فخارية تنتمي لمادة الطين التي ألهبت خيال جواد سليم وهو صبي، ولفتت حاسته الفنية بغناها ولونها وطواعيتها.
وتتمثل كذلك في الأشكال الأيقونية الإسلامية مجسدة في عمارة المسجد كبيت عبادة ينطوي على جمالية الأزرق وروحانيته وفضائه .
ويكتمل مثلث المؤثرات النحتية في المشاهدة البصرية المباشرة التي اكتسبها الفنان كخبرة فنية عبر زياراته ودراسته في أوروبا، حيث تكتنز الساحات والمعابد والمتاحف، بالتماثيل والأيقونات والجداريات، لا سيما ما ورثته أوروبا من عصر النهضة وما قبله.
وفي دراسته للنحت يكتسب جواد فرصة أخرى لمعايشة فن النحت برؤية جديدة، كان يمثل قمتها هنري مور الذي يقوم بالتدريس في مدرسة سليد التي انتظم فيها جواد.. ذلك كله يتعزز برؤية شاملة للفنان وموقف فكري إزاء الصلة بالموروث والأساليب الحديثة من جهة، وبالمادة والأدوات من جهة أخرى إلى جانب الرؤية الثاقبة للتعبير عن الموضوع بكيفية متقدمة.
لقد قدم جواد منحوتة في المعرض الربيعي لجماعة أصدقاء الفن عام 1944 عبارة عن قطعة صغيرة من المرمر العراقي أسماها (النهر الأسود) لكن الفنان يشكو في يومياته أنه رغم عمله فيها بشكل متواصل طوال شهرين، لم يشترها أحد ولم تثر إلا إعجاب القليلين(30). وقد كانت تلك إحدى معضلات تلقي النحت، فالجمهور يعرض عن المنحوتات المعروضة دائماً في الأرضيات، بينما تتجه عيون المشاهدين إلى اللوحات. قبل ذلك كان جواد قد ساهم بمنحوتة يتجاوز طولها المترين بعنوان (موكب ملك أشوري) لكن عمله الأهم في الأربعينيات هو منحوتة (البَنّاء) التي تحدث عنها مطولاً في يومياته.
تعود دراسات المنحوتة وتخطيطاتها الأولية إلى عام 1944 وفي أواخر عام 1945م ينتهي منها تماماً. لقد كان عمل (الأسطة)-كبير البنّائين-هو الذي أوحى له بالعمل. لذا فقد ظهر في العمل النحتي كبيراً.. ونفذها بطريقة النحت النائيء جامعاً مؤثرات الحضارة الفرعونية والأشورية، وهي غنية بالتفاصيل. فثمة سبعة أشخاص إلى جانب البنّاء الأساسي يساعدونه في العمل وهناك تخطيط أولي منشور للمنحوتة ضمه دفتر مذكرات الفنان، لا علاقة له كثيراً بالعمل المنجز. نجد في المنحوتة تركيزاً على (الأسطة) ولا غرابة فجواد يقول أنه استوحى الشكل عند رؤيته أحد مزخرفي الجدران المشهورين في بغداد "وهو يعمل بكل دقة وهدوء في زقاق القصر العباسي وقد أعجبني شكله وما جاوره من الصور والحركة والحياة واهتمامه بعمله وتأكده منه ثم العظمة التاريخية في الشيء الذي يحاول إصلاحه بعد رؤيتي هذا المنظر ازدحمت في رأسي ذكريات وأفكار حفرها هذا المشهد في زوايا منسية من رأسي . وتلا ذلك اتصالي المباشر بأهل البناء والأسطوات والخلفات والصناع الصغار عند بناء بيتنا الحالي .... 
وأضطررت وأنا أدرس هذا الموضوع إلى الاتكال على الماضي ، على القباب القديمة ... وشيء آخر وهو الذي استمددت منه الاسم .. هو قراءتي لمسرحية إبسن عن ذلك الأسطة الذي مات لفنه... إني بلاشك قد آستعنت ، زيادة على نفسي والطبيعة والاتجاهات الحديثة بعدة اتجاهات فنية : مصرية وآشورية وغوطية وهذا شئ طبيعي)). (31)
وإذا كنا هنا ، نتعرف على مولدات الموضوع، وهي عبارة عن ملاحظات بصرية وانفعالات وجدانية وتفاعلات فنية مع العمال البنّائين، فإن معرفة المؤثرات ستكون بطاقات جيدة للتزود بإدراك جمالي مناسب لمنحوتة ( البنّاء) .. حيث نلاحظ الأشكال النحيفة والوجوه المستدقة والجو الحلمي الذي يعمل به الشخوص استيحاء من الفن الفرعوني إضافة إلى تحكمه بالنسب وفق أهمية الشخص داخل السرد الفني للمنحوتة التي ( تروي) حكمة العمل وجماله والألفة بين الصانع ومصنوعاته ، وبينه وبين مساعديه ، وهؤلاء مع موادهم .. فيأتي (الأسطة) اكبر من الجميع ،  وبارز العضلات بينما يتضاءل الأخرون إلى جانبه .. وهذه إحدى اكتشافات جواد سليم لجماليات النحت الأشوري القديم، وملاحظة أن الملك يأخذ نسباً اكبر في التنفيذ.. وتسلل ذلك إلى تنفيذ جواد لأعضاء البنّاء الأكبر حيث ظهرت اليد اليمني التي تمسك بالفأس ضخمة قوية لكي " تمثل القوة والشدة الجنسية – أي اليد التي تصنع وتحس وتلمس ، لا اليد التي تفكر "(32)  وراح بعد ذلك يجمل وجوه الصناع الصغار الذين كان يراهم في الواقع وقد تبقعت وجوههم الحمراء الصغيرة الشابة برذاذ مادة الجص الأبيض .. وهكذا أنجز جواد في هذه المنحوتة المهمة – والمبكرة في تاريخه الفني – رؤيته المتلخصة في دراسة الموضوع ، ورفعه من سياق الواقع لدمجه في سياق الفن ، وإعطاء السرد أهمية خاصة وأساسية لا غنى عنها في فهم عمله ، وهي ميزة تعلمها من المنحوتات العراقية القديمة التي تحكي طقوساً وعادات وأحداثاً .. كما انه جسَّد وعيه بأن القطعة الفنية "يجب أن توجَّه حسب الموضوع"(33)  وهذه إحدى ملاحظاته المهمة التي توضح رؤيته لعلاقة المادة الخام بالأسلوب لا سيما وهو نحات يتعامل مع سطوح صماء ، عليه أن يحفرها ليودعها جماليات التعبير الخالصة.. كما أنه يحدد العلاقة بين البساطة في الموضوع ، والعمق في التنفيذ بصدد الموضوع خاصة. حيث يرى أن المواضيع البسيطة ( كحفر تمثال بسيط على الخشب ) تكون أصعب من أي موضوع أخر .. ونختم حديثنا عن ( البنّاء ) بالقول إن له في نفس الفنان مكانة كبيرة كما يتضح ذلك في فرحه الشديد بإنجازه ، وتصريحه بتك الأهمية ..
في مسيرته النحتية سينجز جواد أعمالاً كثيرة ، لا يحالف الحظ أغلبها إما لأنها لا تحوز إعجاب طالبيها لقصور في وعيهم ، أو لأن مردودها غير مقنع .. وهكذا أجهض عدد من مشروعاته لسبب أو لأخر ، يذكر منها في يومياته : تمثالين لمحطة قطار مدينة بعقوبة القريبة من بغداد ، وتمثالاً لحصان لمضمار سباق الخيل في حي المنصور ببغداد لم يعجب الشركة القائمة على السباق .. وشعاراً لمصلحة نقل الركاب بالعاصمة، ومنحوتة برونزية للمصرف الزراعي جعل لها عنواناً ( الإنسان والأرض )  1955م نفذها بأسلوب النحت الناتئ أيضاً ، تميزت بغناها الرمزي وتكاملها السردي ، حيث تظهر الأرض الولود بشكل امرأة خصبة ضخمة الأثداء على يمينها طفل وتحيط بها أغصان شجر وثمار وتعلوها قرون ثور ( كثيراً ماتكرر ذلك في منحوتات جواد تأثراً بثيران أشور الضخمة ) كما صمم عام 1956م جدارية عن الثروة النفطية لصالح شركة نفط العراق يتضح فيها الأثر الأشوري اكثر من سواها بتكرار الثيران أسفل العمل ، واستعارة شكل الأفاريز أو الأختام الأسطوانية والأشكال التي تذكر بالحضارة السومرية والبابلية إلى جانب عامل السرد الذي يربط بين ظهور النفط من باطن الأرض على شكل شعلة نارية ملتهبة اسفل المنحوتة، وبين تحورها على شكل أشجار ضخمة في أعلاها إلى جانب المصغرات المحددة في أنحاء المنحوتة وداخلها أشكال بشرية أو دوائر مرقوشة تستحق كل مها دراسة مفصلة لا يسعها المقام..
وفي مكان غير بعيد عن نصب الحرية نرى تمثال الأمومة . في الحقيقة سنجد عملين لجواد بالاسم نفسه وبمادة الخشب وبأسلوبين مختلفين . لقد كانت الأمومة مرتكزاً فكرياً مهماً وعاطفياً أيضاً في رؤية جواد ، يلاحظ نقاده أنها بالإضافة إلى ( الثور) رمز القوة والحضارة سيكونان أهم تمظهرات الرمز عنده . وهكذا فإن قراءة نحت جواد     (ورسومه أيضاً) لا تستغني عن الثور والأمومة حيث جعلهما " موضوعين هامين "(34)  ولكن رؤية تمثالي الأم تعطينا منظوراً جمالياً مختلفاً . فالأول ( 1952م) منفذ بطريقة مباشرة مع شيء من الرمزية والشاعرية في حمل الفاكهة ( ربما إشارة إلى الخطيئة الأولى ) ، وضخامة الثديين إضافة إلى جمالهما ورقة الجسد ودقته ، والعينين الواسعتين بشكل هلالي واضح .. أما التمثال الثاني للأم ( عام 1954م ) فهو يعتمد التجريد . فثمة قوس أو هلال مفتوح إلى الأعلى ، يستند إلى قطعة مرمر مجوفة بدورها وكأن الشكل كله يوحي باكتناز الأم للعاطفة والولادة والجمال .. وسنرى أن ثمة كرة مدورة توحي بشكل فاكهة أيضاً ، وهي تتدلى من أعلى القوس من الجهة اليمني ، ربما تأكيداً لفكرة العقاب والنزول إلى الأرض بسبب المرأة ، أو بتفسير واقعي – لا ميثولوجي- فربما تشير إلى الولادة كثمرة لشجرة الأمومة ، والعطاء الذي يرتبط بها عبر الولادة واستمرار النوع .. وبمؤثرات الثور الأشوري سنجد تمثالاً من مادتي الخشب والحديد بعنوان ( ثور 1954) وفيه يصبح القرنان هلالين كبيرين ويستدق جسد الثور ويطول وكأنه يمثلك امتداده من الخيال والفكرة إلى الفن والتجسد بهذا الامتداد .. مع ملاحظة إتقان جواد لمادة النحت (الخشب والحديد)..وتمكنه من السيطرة عليها .
وهناك تمثال آخر وضع الفنان مصغراً له عام 1953 وعنوانه ( السجين السياسي المجهول ) وهو تمثال برونزي نال عنه جائزة في مسابقة عالمية لنصب خاص بالسجين المجهول ، نفذه جواد بأسلوب تجريدي خالص ، مستخدماً الهلال كشكل يشير إلى السجين الذي يشرق بحرية ويطل خارج القضبان التي تحيط به .. فالناظر لا يرى إلا هلالاً محوّراً مأسوراً وسط قضبان حديدية وأسلاك تنغرز في جسده ، لكنه بلا ملامح محددة كإشارة إلى هوية إنسانية لهذا السجين بسبب الفكر فهو ينتمي إلى العالم كله لا إلى جنس أو لون أو مبدأ محدد. (35)  
نصل ألان إلى عمله الأخير والأكثر أهمية في تاريخه الشخصي وتاريخ النحت العراقي والعربي وهو ( نصب الحرية )الذي يشمخ الآن بجدارة في قلب بغداد كمعجزة فنية خالدة حلم بها الفنان طويلاً وفكر بما يليق بانتقال وطنه إلى نظام جديد (قيام الجمهورية في 14 / تموز –يوليو 1958) تآزر أفراد الجيش والشعب معاً لبنائها.
وفنان مثل جواد سوف يستحضر ماضي وطنه وحضارته دون شك. وهكذا ظهر الماضي  بطريقتين: موضوعية : تضج بالمفردات المجسمة في النصب؛ وفنية نلاحظها في أسلوب تنفيذ النصب: فهو يجمع وحدات متعددة بشكل عرضي ذي مضمون سردي، وكأنه يربط الماضي الثري بمنجزاته ، بالحاضر المتجدد، ووصولاً إليه ليؤكد صلة الإنسان بتراثه. وماضيه بحاضره كما أنه يحاكي الروح السردية في أفاريز العراق القديم ووحدات الأعمال المتعددة والمكملة لبعضها سواء على الجداريات أو الأختام والأفاريز والمسلات.. كما يستفيد من المستقبل كذلك في التنبؤ بما سيؤول إليه تنوع الحياة وغناها                (زراعة –صناعة – إنسان – محاربون – شهداء- كائنات حية ..) ولأول مرة يجد الفنان تقديراً لنحته بصورة استثنائية إذ جرى تكليفه بإنجاز عمله الخالد رسمياً ، وكانت له حرية التكوين والتصور معاً(36).
 وفي آذار 1959 يسافر جواد إلى إيطاليا وسيقضي أشهراً طويلة في مصهر خاص بفلورنسا ، يصنع المصغرات بعد تخطيطها ثم يعمل مع مساعديه ( ومن أبرزهم النحات الشهير وتلميذه في المعهد محمد غني حكمت) لكن الفكرة الواضحة في ذهنه أنه سيصنع ملحمة بالمعنى السردي والفني (تحكي) تاريخاً وحاضراً لذا أراد لها أن تكون بهذه السعة وأراد لها أنه تكون بأسلوب النحت الناتئ– وليس المجسمات- متأثراً بالفن العراقي القديم وفكر في لوح عريض هو الأرضية التي تستقر عليه وحدات النصب التي يبلغ عددها أربع عشرة وحدة تضم خمسة وعشرين وجهاً عدا الحصان والثور .. ويمتد هذا اللوح المعلق خمسين متراً وبارتفاع أكثر من ثمانية أمتار . ووضع جواد  منحوتاته على إفريز عرضي يجعلنا نتساءل أهو متأثر بالخط العربي فوق سطر طويل أم أنه يستوحي الأفاريز والجداريات العراقية القديمة ؟ أم استوحى ذلك من شكل (اللافتة)- أي القطعة البيضاء أو الملونة من القماش يرفعها المتظاهرون ويكتبون عليها الشعارات المؤيدة للجمهورية الوليدة ؟
يذهب جبرا إبراهيم جبرا إلى تفسير وحدات النصب على أنها مفردات "بيت من الشعر العربي يقرأ من اليمين إلى اليسار فكل وحدة هي فكرة قائمة بذاتها ولكنها تتصل بالأخرى في سياق يؤلف المعنى الذي يعبر عن النصب بأجمعه: توق العراق إلى الحرية منذ القدم، وتقديمه الضحايا في سبيلها"(37).
ولكن معاينة النصب من قريب، ستقوي اعتقاداً جمالياً قرائياً،  يتطور من تفسير جبرا الشعري.فأنا أقترح قراءة النصب كجملة نثرية بليغة  أشبه بتوقيع عباسي مختصر ووافِ وبليغ حقاً.أو حكاية قصيرة ، كالمقامة ذات  غنى سردي متسلسل ذي طاقة رمزية. ويشجع على ذلك تأثر جواد سليم بالفن الأشوري الذي يرى الدارسون أنه يعتمد على السرد ويمثل" أطول مساحة قصصية عرفت في تاريخ الشرق الأوسط فقد جعل الأشوريون السرد القصصي سبيلهم لتسجيل تفاصيل الأحداث الحربية في شريط مصور تسهل متابعته"(38).ولعل هذه النزعة السردية انتقلت لجواد سليم بطريقة الدراسة المتأنية والمعاينة البصرية لمنحوتات العراق القديم، فضلاً عن طبيعة العراق المتأثرة بالزراعة كوسيلة إنتاج مما يجعله ميالاً للسرد وتجسيد الفكرة عبر حركات متسلسلة متواصلة تذكرنا بالفصول الأربعة وتواليها ونمو النباتات المتدرج من البذرة  وصولاً إلى الثمرة.
لقد اقترن  اسم جواد سليم بنصب الحرية الذي اقترن بدوره بمدينة بغداد تاريخاً وفناً، وقد كان ذلك إنصافاً حقيقياً للفنان وللفن نفسه الذي أخذ مكانة حية وفاعلة في قلب الحياة والمكان....
يتنوع أسلوب جواد في تنفيذ كائنات نصبه، فتتراوح بين نزعة واقعية وأخرى رمزية ، وثالثة تجريدية، لكن وحدتها السردية الخفية هي التي تلائم بينها، وتبرز جمال المنحوتات وقوتها معاً.
لقد بدأت جملة النصب السردية بالحصان كرمز عربي يشير إلى الجموح والقوة (39)  ، فهو بدون فارس، وإذا كان الحصان يعج بالحركة والنفور فإن جسده مغطى بأجسام بشرية تقرن الثورة بالإنسان، ثم يندمج أحد هذه الأجساد بيد رجل ثائر  ممتدة إلى اليسار بينما يرفع يمناه باتجاه مساحات فارغة لعلها لافتات أو بيانات الثوار ، مكتملة بوجود المرأة وجسد ثور مموه في الأسفل. ثم يأتي الطفل جميلاً وبريئاً وفرحاً، تليه المرأة الباكية أو الصارخة، وكأنها تحاول فك قيود تلف وجودها، بل كأنها تبكي الشهيد في الوحدة التالية، واحتضانها له بمحبة وجمال يركز على المرأة نفسها. أما السجين داخل قضبان مشرعة وكأنها تستعد للتكسر،فهو المفكر المقيد الذي سيساعده الجندي على التحرر من سجنه.
في الحركة التالية نصل إلى مركز النصب  ومنتصفه. هنا يتلاءم البصر والفكرة حقاً فنحن نصل إلى نصف النصب، وكأن الجندي وهو يكسر القضبان يفتتح وحدة سردية جديده في جملة النصب، كما أنه – الجندي نفسه- يبدأ بثورته في عام 1958م تاريخاً جديداً  لهذا الوطن، ويعلوه قرص مختزل يشير إلى سطوع شمس الحرية التي تمثلها مرة أخرى امرأة تحمل مشعلاً متقداً يرمز للثورة  وهي بدون قدمين تعبيراً عن سموها أو تحليقها عالياً كما يقول الفنان(40).
هنا نصل إلى جو إيقاعي جديد. تنتصر الثورة ويستلم الشعب شعلتها فيسود السلام الذي برزت في أجوائه أغصان الأشجار والحمامة والوجوه الجميلة والأنهار. ثم تأتي النخلة والمرأة الحبلى رمزاً للخصب الخيرات التي تحملها بنت صغيرة في لقاء نهرين دجلة والفرات . وتبرز ايضاً معجزة الزارع الجديد بالمسحاة ( أداة الزراعة التقليدية في ريف العراق) مع ثبات وقوة أرجل الفلاحين، ثم العامل الصانع واقفاً بشموخ وبيده أداة (ورمز) العمل أي المعول. وبينهما – أي الزارع والعامل – ثمة ثور ضخم يطالع المشاهد، وكأنه يكمل صورة الحصان في أول النصب وهو استدعاء للمؤثر الأشوري لطاقة الثور رمزياً وفنياً.
لقد اكتملت موجودات  النصب الذي لا يغني وصفه عن رؤيته كأي  عمل ضخم خالد.. ولعلها مفارقة عجيبة أن يموت جواد سليم في 23/3/1961م عن إحدى وأربعين سنة من العمر ؛ وهو يعمل على وضع منحوتات النصب في مكانها في فضاء ساحة التحرير عندما داهمته نوبة قلبية توفي على أثرها...

خاتمة  : فكرة الخلود

كثيراً ما تحدث جواد عن فكرة الخلود .. فالفن هو التعويذة التي يمتلكها الإنسان بإزاء الموت المحتم.
وإذا كان جلجامش قد أسدى لنا نحن البشر  أمثولة عن البقاء الرمزي والخلود بالعمل فقط بعد أن يئس من العثور على عشبه الحياة التي تعيد الشيخ صبياً، وتمنع عنه الفناء ؛ فإن جواد يحس ذلك تماماً وهو يقول "أريد أن أعيش. أريد أن أشبع من الحياة . أريد الحياة على حلوها ومرها .. إنني وإن كنت سأعمل شيئاً في المستقبل أو أكون شيئاً ولكن سأموت بعد هذا الإجهاد الهائل والتعب المضني. أموت وأنا لا أعرف الحياة. لا أعتقد أي قيمة ستعطى لي … أهو الخلود أم الشهرة بعد ضياع العمر ؟ إنني سوف أموت ككل البشر... ولكني لن أعيش ككل البشر "(41).
وإذا كانت حيرة الفنان مشروعة وهو في سبيل إنجاز فنه، يخيفه المجهول والمستقبل وقيمة ما يعمل ، والحياة التي سيحياها عمله من بعده، فإن الشيء الوحيد واليقيني في حياة جواد سليم القصيرة أنه عمل ما سيترك أثراً في حياة كاملة بعده، تزكي حدسه بأنه   لن يعيش ككل البشر .. بمعنى أن حياته ستمتد بعد موته الجسدي، من خلال الفن الذي كان العمل الأكثر جدوى لحياة جواد ومجتمعه والإنسانية. وهذا ما حصل .. فكل صباح إذ  تستيقظ مخلوقات النصب، من الحصان النافر على اليمين ؛ حتى الثور  المتحفز  بين الفلاح والعامل على اليسار ، فإنما لتعلن أنها عادت للحياة مجدداً.. وعاد جواد معها حياً… وإن كان قد مات كسائر البشر…شيء من سحر الفن واستثنائية وجوده في حياة البشرية، وضرورته قبل ذلك كله.
*هوامش ومصادر دراسية
(1)                عفيف بهنسي : رواد الفن الحديث في البلاد العربية ، دار الرائد العربي – بيروت  1985م، ص119..
(2)                إسماعيل الشيخلي : الفنانون الرواد ، نشرة الواسطي ، دائرة الفنون- بغداد ، ع1–س4 كانون الثاني - 1996م ، ص3.
(3)                تراجع قائمة المصادر والدراسات في نهاية هذه الهوامش.
(4)      جبرا إبراهيم جبرا : الرحلة الثامنة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت ط2 - 1979م ، ص146. وتنظر شهادة زوجته لورنا حول الجماعات الفنية في كتاب: لورنا –سنواتها مع جواد سليم – إنعام كجه جي ، دار الجديد بيروت98،ص50.
(5)      نفسه ، ص172- 173. مختارات من يوميات جواد سليم ، يذكر جواد كذلك الصداقة التي نشأت بينهم (( صداقة متينة استعدنا فيها تأثيرات باريس قدر طاقتنا وقدر ما تتمكن به بغداد)) نفسه ، ص 165.
(6)                نفسه ، ص 172-173
(7)                جبرا إبراهيم جبرا : جذور الفن العراقي ، دار واسط – بغداد ، 1986 ، ص20.
(8)                الرحلة الثامنة ، ص 160.
(9)                جبرا إبراهيم جبرا : جواد سليم ونصب الحرية ، وزارة الإعلام – بغداد ، 1974، ص73.
(10)           نفسه ، ص 73.
(11)           عاصم عبد الأمير: جواد سليم في محنته ، نشرة الواسطي ، ع 2، ت2 – 1996م،ص9.
(12)           هناء مال الله : التأسيسات الجمالية وحركة التجييل والتحقيب ، نشرة الواسطي ، نفسه ، ص 13.
(13)    الرحلة الثامنة ، ص 145. وشاكر حسن آل سعيد : جواد سليم الفنان والاخرون ، وزارة الثقافة – بغداد ، 1988، ص  172.
(14)        الرحلة الثامنة ، ص 16.
(15)           جبرا إبراهيم جبرا : الأدب والفنون الأخرى : شهادة ، مجلة الأقلام – بغداد ، ع 4-5 ، 1994م.
(16)           جواد سليم ونصب الحرية ، ص 47.
(17)           نفسه ، ص 48 .
(18)            هناء مال الله ، جدل جماليات الحرفة والمعرفة ، نشرة الواسطي ، العدد2 ، 1995، ص9 هامش رقم 8.
(19)           نفسه . هامش رقم 1.
(20)    منها غلاف ديوان الشاعر حسين مردان : قصائد عاربة . ومجموعة أقاصيص لأخيه نزار سليم: أشياء تافهة .. و( عرق وقصص أخرى ) لجبرا ، وديوان الجواهري الذي رسم له جواد صورة شخصية مشهورة تتصدر الديوان.
(21)           الرحلة الثامنة ، ص 169 ..
(22)           نفسه ، ص 177.
(23)           نفسه ، ص 142.
(24)           نفسه ، ص 176.
(25)           فاروق يوسف : رسوم الخمسينات ، نشرة الواسطي، ع 2- 1995م ، ص 7.
(26)           كان هنري مور مدرساً في مدرسة سليد التي تعلم فيها جواد بلندن ..
(27)           جواد سليم ونصب الحرية ، ص 166 وما بعدها ,.
(28)    نفسه ، ص 194 . وتذكر لورنا سليم بعض احباطات جواد بسب عدم تفهم الوسط الاجتماعي لأسلوبه ورفض بعض أعماله مثل الحصان الحديدي لميدان السباق بالمنصور ، ومنحوتة – المصرف الزراعي التي صممها جواد للمبنى الجديد للمصرف وتمثل فلاحاً وزوجته وطفله يتوسطهم جذع نخلة، لكن حجة المشرفين عند رفضهم للعمل أنهم –كما تقول زوجة الفنان- كانوا يريدون تمثالاً مباشراً: فلاحاً يقف أمام شباك المحاسب وبيده رزمة أوراق نقدية! . يراجع : لورنا سنواتها مع جواد – سابق -  ص 65.
(29)           شوكت الربيعي ، الفن التشكيلي المعاصر في العراق ، وزارة الإعلام – بغداد ، 1972م ، ص 63.
(30)           الرحلة الثامنة ، 169.
(31)           نفسه ، ص 176.
(32)           نفسه ، ص176.
(33)           نفسه ، ص177.
(34)           جواد سليم ونصب الحرية ، ص 49.
(35)           نفسه ، ص 52.
(36)    تذكر لورنا زوجة جواد تفاصيل كثيرة حول العرض الذي قدمته الحكومة العراقية لجواد ثم إجراءات سفره وإقامته في إيطاليا لتنفيذ المنحوتات . لورنا – سنواتها مع جواد – سابق – ص 71 – 78.
(37)           جواد سليم ونصب الحرية، ص 78.
(38)    نعمت إسماعيل علام : فنون العراق القديم ، دار المعارف ، القاهرة 1984، ص54.وفي الكتاب إشارات أخرى إلى الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة في الفن الأشوري والعناية بالشخصيات والعناصر القصصية – ص 56وما بعدها .
(39)           جواد سليم ونصب الحرية ، ص 152.
(40)           الرحلة الثامنة ، ص 166.
(41)           نفسه ، ص 152.
·       بعض المصادر الدراسية
-  يشير الكاتب إلى أنه أعتمد عدداً من الكتب بالمراجعة وبعضها بعيد عنه الان. لكنه يدين له بفضل التنبيه في قراءاته الأولى عن جواد سليم .. ومنها :
1-           جبرا إبراهيم جبرا : الرحلة الثامنة ، وفيها يوميات ومذكرات جواد سليم              ( مرآة وجهي ) .
2-           جبرا إبراهيم جبرا : جذور الفن العراقي المعاصر .
3-    جبرا إبراهيم جبرا : جواد سليم ونصب الحرية .. وفيها شرح مفصل وتفسير لنصب الحرية . ودفتر جواد سليم بعنوان _( تأملات روحي )
4-           عباس الصراف : جواد سليم .
5-           شوكت الربيعي : الفن التشكيلي المعاصر في العراق .
6-            نوري الراوي : جواد سليم .
7-           نزار سليم : الفن العراقي المعاصر – التصوير .
8-           شاكر حسن آل سعيد : جواد سليم : الفنان والآخرون  .
9-           شاكر حسن آل سعيد : من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق .
10-     محمد الجزائري : الفن والقضية ...
11-     إنعام كجه جي : لورنا – سنواتها مع جواد سليم .
 


كلمات : شواهد من جواد سليم
·         إنني من الذين يؤمنون بالمستقبل.إنني أثق بالغد . وأؤمن بفوز الحق والأفضل.
·   كثيراً ما أتمنى لو أنني أنسى كل شيء . وكل ما سمعته ورأيته وقرأته لأعرف نفسي الصافية . أريد أن أنتزع نفسي من كل هذا البحر الزاخر من المدارس والاتجاهات .
·   إن عظمة الـ( post- impressionisim ) لم تقف عند اللون والضوء وطريقة خلط الألوان بل تعدتها إلى حقيقة عظيمة هي هارموني الألوان وتأثير الألوان على النظر ، أي مثل هارموني الموسيقى أو تأثيرها على السمع .
·   في عملي كنت أفكر وأبحث أكثر مما أحس . والإحساس بالشيء على ما أظن هو أهم من التفكير فيه . إن الإنسان  يحس قبل أن يفكر . وخلاصة الحقيقتين هي أني أمضيت خيرة أيامي في التفكير أكثر مما أمضيته بالشعور والإحساس.
·     الدنيا كلها ألوان ، حتى في الوحل الذي أمام شارعنا ملايين من الألوان .. خذ يحي الواسطي أعظم من ظهر من المصورين في العراق التي تدعي أنها عديمة الألوان بلاد النخل إنه خلدها بصوره وألوانه أو بالأحرى خلد نفسه ، لأن صوره كانت تختلف عما يرى أمامه ، لأنه كان يخلق صوره. 
·          عندي أن العمل الفني يجب أن تكون له حيوية خاصة به ، ولا أعني بذلك مجرد انعكاس لحيوية الحية .
·    الفن لغة . وهذه اللغة يجب أن نتعرف عليها ولو قليلاً . ماذا يحاول المصور في كلماته هذه مثلاَ . وكلماته هي الألوان والخطوط والحجوم ؟ وهذه اللغة : إنها تستعمل نفس الكلام ولكن في قالب جديد يتبع مؤثرات العصر الحديث . ففي الشعر مثلاً لم يعد أمراً طبيعياً أن يقرض الشاعر اليوم شعراً كالشعر الجاهلي . والتصوير في مختلف عصوره يتقارب في نقاط أساسية هي جمال الألوان .. جمال الخطوط .. وجمال الأشكال مجتمعة كلها لتعبر تعبيراً صادقاً عن ناحية من نواحي تحسس الفنان لكل عصر...
·    الفن الحديث في الحقيقة هو فن العصر ، والتعقيد فيه ناتج عن تعقيد العصر . انه يعبر عن أشياء كثيرة : القلق ، الخوف ، التباين الهائل في اكثر الأشياء ، المجازر البشرية ، وابتعاد الإنسان عن الله ، ثم النظرة الجديدة إلى الأشياء بما أحدثته النظريات الجديدة في علم النفس وفي باقي العلوم ...
·         إن الفنان يتابع ما يجري حوله ويعبر عنه بإخلاص ، ولكن عليه أن يعرف كيف يحقق هذا التعبير ....
·          مجد بلادي 
الفلاة التي ما حلمت إلا بها 
إنها تتحول وتولد داخل روحي..
·        لوحة حياة : جواد سليم
1919 – ولادة جواد سليم في أنقرة من أب موصلي وأم بغدادية . وربما ذكر  بعض الكتاب عام 1920 تاريخاً لميلاده.
1938 – دراسة الرسم في باريس لمدة عام في معهد البوزار.
1939 – الانتقال للدراسة في روما.
- يعود لبغداد بسبب الحرب العالمية الثانية – يعمل رئيساً ( ومدرساً) لقسم النحت في المعهد – العمل في ترميم الاثار والجداريات المتصدعة في المتحف العراقي.
1941 – تأسيس جمعية أصدقاء الفن من والد الفنان الحاج سليم الموصلي وأخرين منهم جواد نفسه
–  يبدأ بكتابة يومياته (مرآة وجهي) ويعرض( السندباد في رحلته الثامنة) وأقدم أعماله ( الملاريا) – تعرفه على رسوم الواسطى.
1942 –1943 – تخطيطات وأعمال : الحمال والبنات  / قصة يوسف / وزيتيات :
                  نساء في الانتظار / رجل في المقهى / اللقاء بالفنانين الأجانب ببغداد.
1944 – دراسات لمنحوتة البنَاء او الأسطة البنَاء.
-            دفتر مذكراته ( تأملات روحي ) وفيه تخطيطات ونقل لأعمال وأشعار وأفكار كثيرة.
1946 – السفر لغرض دراسة النحت في مدرسة سليد بلندن في شباط. 
1949 – العودة الى بغداد
1950 – زواجه من زميلته الرسامة البريطانية لورنا هيلز التي لحقت به إلى بغداد في أيلول.
-         أول معرض شخصي له في بغداد بعد عودته .
-         رسوم مناظر من الطبيعة والبيئة: مساجد ومآذن وقباب زرق .
-         فائق حسن يؤسس جماعة الرواد. ينضم إليها جواد ويشارك في المعرض الأول للجماعة .
1951- يؤسس جواد جماعة بغداد للفن الحديث التي تصدر بياناً في معرضها الأول
        - لوحة الضحية .
1952 –جماعة الانطباعيين – حافظ الدروبي.
        - يرسم جواد بعض البورتريهات المهمة ومنحوتة الأم .
1953 – عمله النحتي المهم  السجين السياسي المجهول – ولوحاته : عائلة /الجادرية / فلاح وفلاحة / أطفال يلعبون / منحوتة الإنسان والأرض.
1954 : رحلة فنية الى أمريكا .
 1955 – 1958 – منحوتة ثور وفلاحة/بورتريهات وأغلفة كتب /زخارف وبغداديات وهلاليات/القيلولة/قرويتان/ زفة/موسيقيون / الحنة  / رجل وحصان / فتاتان / صبيان يأكلان الرقي/السيدة وأبن
                البستاني / الشجرة القتيلة / امرأة ودلة / كيد النساء / قرويتان / امرأة .
1956- تأسيس جمعية الفنانين العراقيين .
1958- قيام النظام الجمهوري في العراق / 14 /تموز
1959- البدء بدراسات اولية لجدارية ( نصب الحرية)
- السفر إلى فلورنسا بإيطاليا لصب أجزاء النصب/ في شهر آذار.
1960-تأسيس للفرقة السمفونية الوطنية العراقية واعتمادها شعاراً كان جواد قد رسمه مطلع الخمسينيات مستوحى من القيثارة السومرية .
1961- العودة إلى بغداد والبدء بوضع قطع النصب في مكانها في ساحة التحرير بمركز العاصمة بغداد.
- في 23/ 1/1961م يتوفى جواد في المستشفى الجمهوري ببغداد بعد عشرة أيام من إصابته بنوبة قلبية أثناء عمله في وضع المنحوتات في مكانها بالنصب.
- في 16/7/1961/م أزيح الستار رسمياً عن جدارية ( نصب الحرية ).
  
 
مراسلة مع شاكر حسن آل سعيد
 
تنبثق صلتي مع الفنان شاكر حسن آل سعيد من لقائه معرفياً قبل الانتباه إلى منجزه التشكيلي بخصوصيته وطليعيته.
لقد كان شاكر حسن ، المنظر ، والمتأمل ، هو الصورة الأولى للقاء سيمتد ليصبح التصاقاً روحياً ذا لأثر رجعي ، بمعنى العودة إلى ما فاتني أن انتبه إليه من منجزه قبل تعارفنا العياني أولاً ، وقبل تشكيل شخصيتي وردم المسافة بين عمرينا (شاكر حسن من مواليد 1925 ، وأنا 1945) ، لكنني أحسست دائماً بأن ما فاتني ، للسببين الأنفين ، أن أعرفه عن شاكر حسن إنما هو مكنون متضمن في معرفتي اللاحقة.
إنه طراز من المبدعين الذين يعيشون حياة شاملة أشبه بتكوين الجوهرة الثاوية بعيداً بين شقي الصدفة ، والمنتظرة أن تكتشف ، فلا سبيل لمعرفتها إلا مرة واحدة ، معرفة شمولية كاملة ، تلغي الزمن فيصبح ماضيها حاضرها أيضاً.
لا سبيل إذن لمعرفة شاكر حسن آل سعيد إلا بتفكيك عناصر تجربته مثلثة الأطراف:
الروحيــــــــة: في رحلة التعرف ، ومعراج الكشف الصوفي .
التشكيلية: في محاولته تجاوز اللوحة بالمعنى التقليدي وإضفاء معايير رسم ما بعد الحداثة على تجربته ، وتكسير مفهوم الرسم وأبعاد اللوحة(1).
المعرفيــة: التي تتخذ تشكلاتها وتمظهراتها عبر تغذية الطرفين السابقين بركام (مولف) من الأفكار ، ومبتدع بشكل لافت الغرابة ، يمتد من تراث النفري والخراز والبسطامي والحلاج ، ليمر عبر شعر الحداثة والتجديد (وهو شاهد على بداياته في العراق من خلال صداقاته للشعراء وقراءاته المعاصرة) وليصل أخيراً إلى فلسفة التفكيك والظاهراتية وما بعد البنيوية (هايدغر ، دريدا وهابرماس ..).
لذا انطبعت تجربة شاكر حسن على صعيد التلقي بسوء فهم ، اتخذ مظهره الظني        – بسبب صعوبة توصيل أطروحاته وتنظيراته – من خلال وصف أسلوبه بالتعقيد أو الغموض. وهذا ما يصرح به مثقف خاص من طراز جبرا إبراهيم جبرا وهو يقدم كتاب شاكر حسن (الحرية في الفن) إذ يشفق جبرا على القارئ لأن هذا النوع من الكتابة يتراوح بين " الحدس والمنطق تراوحاً لا يسعف القارئ في تتبع نمو الفكرة لديه على نحو متماسك" ويصفه جبرا أيضاً بأنه مضن ، ومعتم ، شديد الكثافة. هذا تصريح له مدلوله الأبعد ، بالإشفاق على القراء العاديين والإحساس بما ينتظرهم من جهد في قراءة شاكر حسن.
على صعيد الرسامين – ومن أجيال مختلفة – طالما سمع شاكر حسن أو أصدقاؤه ، تلفظات نقدية تتراوح بين التشكيك بهويته رساماً ، وبمصداقية خطابه التشكيلي وتنظيره، بل التشكيك بجدية ما يطرح.
ويزداد الأمر سوءاً حين يصدر ذلك عن رسامين شباب ، هم بالأحرى الأقرب إلى تحديث الرسم وفهم الخطاب الخاص للفنان.
ولن أنسى في متن هذه المراجعة الوجدانية والتذكرات ، أن استدعي إلى الذاكرة ، عزلتنا في مركز الفنون في بغداد ، ونحن نتحدث في (حلقة الثلاثاء) أو مؤسسة الخطاب الجمالي كما كان يسميها شاكر حسن الذي دعانا إليها ونشطت من خلالها ، وعلى مدى عام كامل، طروحاتنا النظرية في جماليات الفنون وتلقيها. كنا (شاكر حسن وأنا) بصورة خاصة نتحمس ونخطط للقاءات الثلاثاء الصباحية في قاعة صغيرة لا يتجاوز عدد الحاضرين فيها العشرين في أحسن الأحوال. بينما كانت (الكافتيريا) المفتوحة حتى باب قاعتنا تعج بضحكات (وأحاديث لاغطة) تصدر عن فنانين معروفين وشباب ومثقفين جلهم من أساتذة الرسم وطلابه وبعض الصحفيين والأدباء.
كان ذلك المشهد ترميزاً فظيعاً لعزلة الخطاب ، وتجاوزه أيضاً ، لكنه كان تأكيداً لانفتاح النصوص على بعضها ، عبر تخطي حدودها الإجناسية.
كانت العزلة التطوعية ، القائمة على المحاضرات والمناقشات وعرض (السلايدات) والأعمال أحياناً ، تضم نقاداً ورسامين ومثقفين. وكان من حضورها الدائمين فاضل ثامر وعبدالله إبراهيم وسعيد الغانمي وسعد القصاب وفاروق يوسف وحميد ياسين وهناء مال الله وإيمان عبدالله ورسول محمد رسول وطاهر عبد مسلم وآخرون يحضرون بصورة متقطعة. كنا داخل القاعة متوغلين في وهم اكتشافاتنا بينما رواد الخارج يفنون ذواتهم عبر عزلتنا وتهميشنا.
كان شاكر حسن في تلك الندوات يدعو بتطرف (له ما يبرره) إلى إلغاء المرجع وإلى أن يكون العمل مرجع ذاته ، بل في غمرة دعوتنا لمفارقة نسخة الواقع ، نتخيل عملاً فنياً وأدبياً يصبح هو مرجعاً للواقع. نحلم بأن تغدو نسخة الفن أصلاً يقاس عليه التذوق  والتلقي.
في الحقيقة: كان شاكر حسن قد حقق ذلك عملياً في مرحلته الجدارية التالية للمرحلتين التأملية والحروفية (والممتزجة بهما إن شئنا الدقة) وهي الممهدة لما يدعوه شاكر حسن حالياً بالحقيقة المحيطية(2).  التي تتكشف فيها المعطيات الجمالية والواقعية والأخلاقية ضمن إطار البيئة أو الكيان المحيطي. وهو إذ يصل هذه النقطة من دورة فنه الوجودية فإنما يذكرنا بمراحله الأولى في الرسم التشخيصي ثم الانطباعي وبدايات دخوله إلى عالم التجريد ووصوله إلى اكتشاف البعد الواحد.
هكذا هو شأنه. فنان لا يشاهد إلا استعادياً ، ولا يقرأ إلا على هذا الأساس.
ولمناسبة معرضه الاستعادي الضخم (أو متحفه الاستعادي كما يحلو لي أن أصفه) كانت لنا معه حوارات ولقاءات وأحاديث حول تطور أسلوبه ورؤيته .. وكان أن تنبهنا      (هو وأنا) إلى أننا رغم معرفتنا الوثيقة إنسانياً لم نتهاد سوى الكتب ، وذلك ترميز آخر إلى أن معرفتي بشاكر حسن وله تبدأ بالكتابة وتعود إليها.
صحيح أنني أسارع لخزن أية تخطيطات وتداعيات تشكيلية على الورق يريني إياها أو ينفذها بسرعة ونحن نتحدث ، ولا أعيد له الكثير من أعماله الورقية التي أراها لغرض الدراسة أو النشر خلال عملي في مجلة (الأقلام)، ولكنني لم أقتن عملاً معداً للعرض ، فأفضيت له بذلك ، وأنا أعلم أنه قلما يهدي عملاً (وبالمقابل فهو لا يقبل هدايا زملائه الفنانين خلال معارضهم ولا يقتني إلا القليل).
لقد كانت فكرة المعرض الاستعادي مناسبة حقاً لمزيد من التعرف والاعتراف ، كان شاكر حسن يأتينا بأكوام من الوثائق النادرة: صور شخصية مع فنانين وأدباء في العراق وخارجه ، معارضه ونداوته وأيام دراسته ، أصدقاء ، أهل ، طلبة .. مناسبات كبيرة وأخرى هامشية ، مراسلات مع أصدقاء ، أدلة المعارض ، كتابات في الصحف والمجلات ، مقابلات ، أغلفة رسمها ، مذكراته ورسائله (لا يمل التصوير والاستنساخ) وحتى بعض المختارات من الأشعار والأدبيات الصوفية ، كانت هذه المقتنيات كلها تتوسط أرض القاعة الاستعادية ، وتؤطر المكان قبل الدخول ، وعلى الأبواب أيضاً وبعيداً عن فضاء القاعة.
هنا عثرنا على مكان مناسب حقاً لعرض تجربته الجديدة (في معارضه البغدادية لأنه عرضها قبل عامين في عمان) أعني رسومه المزدوجة. لقد لجأ مؤخراً إلى أن يرسم على صفحتي الورقة ويضعها بين زجاجتين لكي يمكن رؤيتها من جهتين وليترك عوامل الطبيعة: الضوء خاصة والظلال .. لتمنح العمل خصوصية غير محسوبة(3).
لقد تهيأ لي من قبل أن أرى هذه التجربة في مسكن الفنان المؤقت بجبل اللوبيدة بعمان ، قضينا الليل كله نتجول بين أعماله المزججة ذات الوجهين ، وكنت أحاوره متذكراً الأطراس الجلدية التي يكتب عليها العرب وآثار الأرض المحروثة وآثار الأقدام فوق بعضها وحتى الأشعار التي تندس ببعضها ، وتذكرت قصيدة لسعدي يوسف عن غرناطة، كل سطر فيها من وزن يختلف عن السطر التالي له ، فهما قصيدتان تعمد الشاعر مزجهما ليشوه كل منهما انطباع الآخر.
بالنسبة لشاكر حسن كانت المسألة أبعد من ذلك ، فهو يريد أن نرى الوجهين عملاً واحداً يتكامل بحرية ، حتى أنه لم يكن يدري أين يضع توقيعه كإعلان عن العائدية واتجاه اللوحة أو وجهها الأول.
لقد أضاف في معرضه الأخير تناصاً أدبياً آخر ، فرسم لوحة مقطوعة بشكل حاد ومفاجئ وكأن ذلك جرى بفعل تدميري مقصود ، وهو مقصود فعلاً لإضافة حدة مضاعفة خارج الخطوط والأطر ، كان شاكر حسن في الآونة ذاتها يدمج الإطار بالعمل أو يجعله جزءاً منه أو يفتح اللوحة على جدارها ، كما كان يمارس الحرق أو الخرق أو التمزيق أو التعرية على سطحها (بعض لوحاته يعاملها بالنار أو يخرقها بآلات حادة أو يمزق منها قطعاً أو يجعلها معراة..)
لماذا أستعيد ذلك كله ؟
-   لأشير إلى مثقف نادر يتجاوز حياته بالرسم ويتجاوز الرسم بحياته. يلتهم ويلقي إلى جوفه علوم عصره وجمالياته ليقول أخيراً أمنيته المستحيلة:
-         " أن أتكلم دونما لغة
      وأرسم دونما واسطة(4) !"
-    ولأقول أن لوحته المزدوجة التي أهداني إياها ، اختار لها عنواناً محيراً هو (كتاب) لكن حيرتي زالت إذ أستعدت جهده الحروفي وستراتيجية النقطة والخط في أعماله ، وأخيراً تدميره المتعمد لزوايا النظر التي يتقدم بها المتلقي كاقتراحات قراءة وتأويل.
إنه يشوش متلقيه حتى ليتمنى أن يرى عمله (المزدوج) رؤية خرافية: وهي أن يراه بوجهيه مرة واحدة. وهذا مستحيل.
لكن وجهي الورقة المرسومين ليسا إلا دفتي كتاب ، أو غلافه الجلدي بجزئيه ، ومن هنا كانت فكرة رسم (كتاب) تشكيلي ، وإهداء هذا العمل لي شخصياً ، فهو يترجم رؤيته لي أو يجذر (ويصنف) علاقتنا بهذا الصنيع انطلاقاً من نظرته كاتباً.
-   ولكن دهشتي إزدادت إذ وجدته يدس في يدي ، وهو يسلمني اللوحة ، رسالة لمحت بسرعة اسمي على غلافها بخطه المميز الداكن السواد والقريب من الخط الإسلامي القديم ، وليس في الرسالة إلا فيض تعبيري عن كنه عمله وجدت أن من حقي نشرها نموذجاً لتفكير الفنان في عمله وتقييمه له. من جهتي تأخرت في إجابة رسالته لأنها في الحقيقة نوع من الرسائل التي لا تلزمك بإجابة ، إنها ضوء يظل معك لتدخل متاهة ما ، فلمن ستبعث بجوابك إذن ؟
لكنني كنت أعود إلى الرسالة بين حين وآخر ، فآثرت أن أكتب رداً يتجه إلى القارئ أكثر منه إلى الفنان نفسه.
وها أنا أرفق رسالة شاكر حسن آل  سعيد الموجهة لي صحبة عمله (كتاب) وهي مؤرخة في الشهر العاشر من عام 1994 – زمن إقامة معرضه الاستعادي – كما أنشر رسالتي له (بعد أن جردت من الرسالتين المدخل التقليدي للمراسلات) ، وهذا التعليق الذي سنحت به مبادرته ، كما سنح لنا وجوده بفنه أو كما سنح فنه بأن يقدمه لنا موجوداً.
·    استدراكات بعد المراسلة:
(1)   من أمثلة مغامرات شاكر حسن في تكسير مفهوم الرسم واللوحة التقليدية:
-         الحرق والخرق وخروج اللوحة عن إطارها واندماجها به أحياناً ……
-   تقديمه لتجارب في الرسم تتخلى عن استخدام اللون وتكتفي بكتابة اسمه          (أبيض – أحمر … الخ) في المساحة الفارغة التي كان يفترض تلوينها.
-         اللوحات ذات الصفحتين والمرسومة من الجهتين.
(2)     المحيط والبيئة عنوان معرض سيقيمه لاحقاً شاكر حسن وبعض أصدقائه وطلابه (سالم الدباغ – هناء مال الله – حيدر خالد– فاخر محمد – غسان غائب –    نزار يحي..) في عمان صيف 1997م.
وفي شهادته في دليل المعرض يكشف عن إدراكه لمعاني المحيط والبيئة والأيكولوجيا. ويشبه وجود العمل الفني في المحيط كوجود العجلة في المركبة ، ساكنة مرة في نقاط محيطها (إطارها) ومركزها ، ومتحركة في النقاط التالية في ذلك الإطار ، أي عند الحركة.
(3)     لا نستبعد الأثر الرافديني على شاكر حسن في رسم اللوحة على صفحتي الورقة. فمؤرخو الفن يتنبهون إلى وجود لوحة (أور) التي تسجل على سطح خشبي مغطى بالقار صوراً من حياة السومريين ، ومن الجهتين معاً . ففي الجهة الأمامية تصور موضوع الحرق ، ومن الجهة الثانية تصور الاحتفال بالنصر (فنون العراق القديم: د. نعمة إسماعيل علام ، ص 29).
(4)      في هذه الدعوة للرسم دون واسطة إحالة إلى مقال قديم للفنان في كتابه  (دراسات تأملية) حول الفن الشعبي الذي يرى أنه " أسلوب يجرد الفنان من عزلته" مؤكداً عنصر البساطة في التقنية وعدم الإسراف في التلوين وتأكيد القيم الروحية ، بمقابل ثقافة الثورة الصناعية التي تهتم بالمظهر الخارجي للأشياء وكذلك ظهورها في الفن. (شاكر حسن : دراسات تأملية ، ص9 وما بعدها) ، ويؤكد ذلك في رسالته حين يتحدث عن " التعامل مع (الطبيعة البشرية) وليس     (عقلانية التقنية) التي بدأت تهدم (الطبيعة) أي نسغها الحرفي لكي تحيله إلى نسغ تقني. وهو الذي سوف يستعيره الفنان مقلداً الحاسبة والكمبيوتر…". – انظر الرسالة.
 


رسالة شاكر حسن آل سعيد
هذه ليست رسالة بمقدار ما هي ممارسة (قبلية a priori) لأثري الفني الموسوم باسم (كتاب) وهو ما وعدتك به أخيراً بعد أن طلبت ذلك مني (بقيت متردداً في أن ألبي طلبك أو أرفضه لولا أنه أتضح لي بصورة قلبية وليس منطقية أن معنى كل من الطلب وتلبية الطلب بيننا يتجاوز مسألة (عقلانية التقنية) أو أن التفسير (الاستهلاكي) للموقف الإنساني المعاصر يستطاع تجاهله عند الاحتكام للتفسير (الإنتاجي) الذي يظل هو المحك الإبداعي للفكر الحر).
كان مما ألهب في الرغبة لكتابة الرسالة أيضاً ما نعتني به في محاضرتك الأخيرة عني (في ندوة معرضي الاستعادي) بكوني أمثل (الضحية – البطل) في أعمالي وقد قرأت هذه (العتبة) بالطبع قراءة سمعية على أنها بمعنى (الضحية – الجلاد) (وهذا المعنى الآخر كما ترى يرد في كتابي "الحرية في الفن" ) لكن ما أعنيه هو أنك كنت تتوغل في معنى (حريتي الذاتية) وهي متقنعة بقناع (عبوديتي الموضوعية) فهي بالضبط (نقطة) التحول من مركز مندلا (الذات) إلى محيطها (الموضوعي) ولنقل أن زحزحة الذاتوية الآن التي ستضحي بـ (المؤلف) لتحصل منه (مؤسسة للبناء الداخلي للشخصية الذاتوية وهي حالة تحققها لـ "طرح وإعطاء donnee" ) .
هذه الزحزحة الذاتوية هي الآن (تهميشها) على (موضوعية الموضوعية) وهي التي توصف بكونها (سر السر) هي (المخدع) وليس (الباب).
*********
منذ أكثر من خمس سنوات وحتى اليوم وأنا أجد أن من مصادر رؤيتي التقنية وربما الأسلوبية هو (الكتاب) ولكن من خلال (مرجعيته) المخطوطية (أي الحرفية بالذات) ، فالكتاب الآن هو (الغلاف) الأول له والذي جعل منه الحروفيون مدخلاً لما يتضمنه من أوراق مدون عليها بالحروف والعلامات المقروءة ، ولكن هذا الغلاف الأول هو أكثر من ورقة مدونة بل هو (هالة مزخرفة مع "اسم" مدون ) ، كان سيعتبر بمثابة (المفتاح) لكل ما ستتضمنه المدونة من أفكار .. ومع ذلك فقد كان لي مع هذا (الغلاف: أو أحد جلدي المخطوطة) شأن كما هو الإطار المزخرف لأية لوحة مخطوطة (الخطاطون اعتادوا أن يزخرفوا مدوناتهم عبر التاريخ) .. لماذا الزخرفة مع الكتابة ؟ ولماذا كانت جلدة الكتاب تتضمن قصاصات من الورق بما عليه من كتابات ؟ لقد شغلني حقاً هذا التفاني أو التداخل بين الأمرين (ومن تجليات ذلك بالطبع لدى المؤلفين ما يحتويه "المتن" وما يحتويه "الهامش" كذلك أي أن يدون كتابان الأول على الهامش والآخر على المتن) ، كل ذلك وغيره .. كان ولا يزال من أسرار اتخاذي جلود المخطوطات القديمة مصدراً من مصادر عملي الفني ..
هذه اللوحة المزدوجة على الورق وأنا أعيش معها (ولكن بصورة غير مقصودة) كونها (مسقطاً) لما يسميه (جيل دولوز) في كتاباته عن (مشيل فوكو) بـ " بعد الانتظار" وهو عبارة عن (تمفصل) الداخل مع الخارج ، أن هذا البعد يشكل ما يأمله الإنسان وينتظره فيما هو يمارس ذاته في ضوء (علاقته) المثلثة بالجسد والحقيقة والسلطة ، كالخلود والخلاص والانعتاق أو حتى الموت (يرد ذلك في مقال لعلي حرب: مثلث الفلسفة / العدد 13/14 لعام 1991م من مجلة العرب والفكر العالمي "ص223" ) ، إذن فليس الاهتمام بالعالم اللغوي (عبر الكتاب وتصحيفه) أمر يخلو من مستواه الرؤيوي (وكما أن للجسد البشري وغير البشري "هالة" بل هالات غير مرئية أو أجساد أخرى لا ميتافيزقية بل "فيزيقية – شبحية" فكذلك الكتاب بحروفه وأسلوب تدوينه ومداده فضلاً عن الأفكار التي ترد فيه – وبعبارة أخرى بجسده الفيزيقي – له جسده الشبحي (أو التصحيف) وهو جزء لا يتجزأ منه).
إن شغفي بالعالم اللغوي لم يكن أمراً عرضياً ، وأعتقد كما هو شأن (هنري ميشو) أن استخدام (الحبر) و(الكتابة) و(الورق) (وهو "مفصل" مهم من مفاصل اللغة المشتركة بين الرسم وفن التدوين) جزء من شخصيتي ككاتب ورسام في آن واحد (فأنا مزدوج الشخصية من هذا المنطلق) وذلك لأني أميز تماماً بين (الروح والجسد) مع أنهما مزدوجان في حضورهما خلال الجسد الحي .. (وقد جرني هذا الشعور بالفكر "كعلاقات" بين الدوال وليس مجرد "معنى" ) إلى نتائج أخرى في معنى (التفاني) بين المخلوقات (الإنسانية الخليقية) وسيجرني دونما ريب إلى معنى (الإنسان الكوني) باعتباره (علاقات) هي على الأقل بين ما يسمى (بالوعي وفوق الوعي أو اللاوعي) هي الآن (علاقة) أيضاً (بين عقدتي الشعور بالنقص " = في الدول النامية " والشعور بالتفوق " = في الدول الأورو – أمريكية " وكل " التداعيات" الأخرى في هذا المجال .. الإنسان الكوني إذن وليس كما اعتبر " غابوياً " بالسوبر مان "بعكس ما قصده نيتشه" ). الإنسان الكوني هو الذي يستطيع أن يقرأ جلدة المخطوطة كجزء من المدونة المخطوطية .. أن يجد كما يقول محي الدين بن عربي شيخنا الكبير: " في يوم السبت الاستحالات والتكوين والتغيرات والتلوين فتنوعت الصور والأشكال ، وتغيرت المناصب والأحوال ، فصار الآباء أبناء والأبناء آباء ".
وتداخلت الموجودات (لاحظ كلمة تداخلت) بعضها في بعضها وحصل خفضها في رفعها  ورفعها في خفضها ، واستحال المعدن نباتاً (ت: في منهج معراجي وليس اركولوجيا) والنبات حيواناً والحيوان إنساناً والإنسان معدناً (ت: بداية المنهج الاركولوجي واستئناف المنهج المعراجي اسطورياً) ، وهذه هي نقطة (جيل دولوز) في (بعد الانتظار) أعلاه .. (تمفصل الداخل بالخارج) وضرب الكل بالكل ، وظهرت القوة بالفعل ، وعاد العزيز ذليلاً والذليل عزيزاً ، والحديد لجيناً والنحاس ذهباً ابريزاً والمركب محللاً (disstruction=) مفصلاً والمحلل مركباً (re- structure) موصلاً وهكذا في الآخرة (ص 194 في كتاب لطائف الأسرار ، تأليف الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي / 1961).
إذن ، فجلدة الكتاب هي الكتاب والكتاب هو جلوده إلى ما شاء الله.
فمن ذا الذي يستطيع أن يتغاضى عن العلاقة بين (الذي) و(الشخصية) إلا بالهاجس والكلام ؟ (فلم يبق إلا صورة اللحم والدم).
ومن ذا الذي يستطيع أن يميز بين كونه (ضحية) أو (بطلاً) إلا في أن يتعامل مع  (الطبيعة البشرية) وليس (عقلانية التقنية) التي بدأت تهدم (الطبيعة) ؟ أي نسغها (الحرفي) لكي تحيله إلى نسغ (تقني) ؟ وهو الذي سوف يستعيره الفنان (مقلداً) مخترعاته المصنعة (مقلداً الحاسبة والكمبيوتر وسواهما ) بما سيضمن (استهلاكية) مواصلاته الاجتماعية ؟ من ؟
هل نحن تقنيون من أجل أن نظل حرفيين أم نحن حرفيون من أجل أن نظل تقنويين ؟

أخي الأستاذ / حاتم

أرجو أن تتقبل مني هذه الهدية (المتواضعة) إزاء كرمك الجم أخلاقياً وإنسانياً ، فأنا لا أزال لا أفرق بين إنسانويتي وموضوعاتي ، شأني (إذا سمح لي) أن أقول شأن أبي يزيد: فأنا لا أبحث عن ذاتي الموضوعية منذ أمد طويل وفي كل مرة أجدها لازالت ذاتوية ؟
فيا لشقائي.

شاكر حسن آل سعيد

رسالة حاتم الصكر

لقد أخذني حضور عملك الفني (أو أثرك كما تحب أن تصفه) من واجب الإجابة لأنني كنت تحت غلافي وجودك كاتباً – للرسالة – الأثر ؛ ومبدعاً للكتاب – اللوحة – وذلك حجزني عن استغوار مشاعري ، لأن الكتاب بحد ذاته رمز ضاغط.
تهب على ذاكرتي الآن المعاني الحافة بمفردة الكتاب ، لأنني أبدأ بتشغيل  جهازه المعرفي – المكتوب لأصبه على أثرك – المرسوم فأرى أن الكتاب:
-         هو الرسالة مغلقة ممهورة خوف افتضاح مضمونها ؛ رسائل الولاة.
-         وهو المقدس منذراً ومبشراً ؛ الكتب السماوية.
-         وهو الوعد والحساب ؛ كل كتابه بيمينه.
-         وهو العلم مخزوناً يستنفر الرغبة في المعرفة.
وإلينا كبشر ، يتنزل الكتاب من آخر السلسلة ، حين صار الإنسان كاتباً لنفسه عن نفسه انقلبت موازين تفكيره .. وبدأ حسب دريدا تاريخ جديد .. إني أكتب الآن ، ولوحتك (كتاب) بعيدة عني ، فهي في مكان آخر ، لكن وجودها (الأثري) يلاحقني ، أما رسالتك فهي أمامي تماماً ، أقرؤها كالكتاب الحقيقي مستدلاً بحروفها وجملها ومعانيها ، وهذا هو معنى حضورك الكتابي عندي ، لذا سيكون ردي كتابياً بصدد كتابك التشكيلي ، وبهذا تتفوق علي مبدئياً ، فأنا أناسخ الواقع وأتحدث عن محسوس أو ملموس وأحيل إليه ، بينما أنت بالعكس مني تماماً: بدأت من ملمس جلد الكتاب المخطوط واستثمرت وجوده المزدوج كغلاف أول وأخير ، لتصنع عملك المزدوج ، ولتؤطره بزجاج مزدوج أيضاً ، فكأنك تحيل إلى ذلك الغلاف الجلدي السابق على وجود متن الكتاب ، كما أنك أثرت في رسالتك أكثر من محور نلتقي عنده كمهتمين بتلقي الفنون والآداب ، وفي مقدمة ذلك: إقصاء المؤلف ، فلقد ناب عنه الكتاب وجوداً ، ليظل حضوره ظلياً ، إنه لا يموت بالمعنى الفيزيائي ، بل يتوقف ، كما يجري في عملية التخدير ، مؤقتاً ، لينوب عنه متنه.
كما أنك أثرت مسألة غاية في الأهمية هي العتبة العنوانية أو معبر الغلاف ، فهو ليس زخرفة أو بطراً أو ترفاً شكلياً ، إنه بمثابة (المفتاح) كما تقول أي المدخل الذي لا يتجزأ عن المبنى أو المدونة ذاتها.
أما نعتي أياك بالضحية – البطل فهو استيعاب سمعي منك لمقولة مطولة لي ، إن هذا يؤكد جدلنا السابق حول محدودية المشافهة كما أرى ، ودفاعك الملخص بضرورة تدريب قوانا على استيعاب المقروء بشكل سمعي ، وتلك مفارقة ، فما يتمدد على السمع من القراءة أكبر من القدرة على الاستيعاب ، لأن الخطاب المدون يتمدد ويخبيء معانيه لكي نعاينه ونمسحه بصرياً ونتلامس مع حروفه ، إن الصمت والبياض وحكمة علامات الترقيم البليغة (؟!،-.) سوف يخسرها النص وهو يتوالى سمعياً مسلماً وجوده إلى الأثير.
لقد كنت أعني تحديداً أن شاكر حسن يستدعي قارئاً خاصاً لأعماله ، وهذه المهمة التأملية ذاتية كالاتحاد بالذات الإلهية في الفكر الصوفي عبر التأمل الشهودي الخاص.
وبهذا فسرت صعوبة حصولك على (تلاميذ) في مجال البعد الواحد ،وكذا صعوبة وجود مشاهدين منفعلين بأعمالك إلى درجة الفعل الشهودي ذاته ، لذا وجدتك غارقاً في تأملاتك داخلاً في الشرنفة –شرنقة الرسم والتأمل– من حيث تحسب أنك ترسم وتتأمل لتخرج منها.
من الحروف إلى الأعداد والأوفاق والأشكال السيميائية الخليقية والأثرية وحتى الأسهم والنقاط والخطوط والأشكال الهندسية ، لم أجدك إلا داخل منطقة الحدس ، وقد كنت موفقاً إذ شبهت عملك بعمل الآثاري ، فكلاكما يبدأ من (لقية) تغريه بالحفر في الأعماق .. كذلك هو الحرف ووجوده الكتابي ، لقد دونت في كتابي (البئر والعسل) أمثولة شرقية عن الإنسان الهارب من الفيل الهائج (القدر) والمتدلي في البئر متمسكاً بأغصان منكسرة في هاوية بئر ملآى بالأفاعي ، بينما هو يتلهى منتظراً مصيره بأكل جنى النحل (العسل) من كوارة على جدار البئر.
وها نحن نمضي مع الكتاب وكأن غلافيه أسطورتنا في الخلق والعدم ، نقرأ وهماً وكياناً زائفاً ونقضي أعمارنا في التأمل والتطلع ، لكننا سائرون أخيراً إلى الهاوية ، وفي كتابي ذاك تحدثت عن (كاتب الخط) و(كاتب اللفظ) باعتبارهما يمارسان حرفة ومهارة: الأول يبرز حرفته ليكتب لسواه فليس إلا الخط ، والثاني يكتب اللفظ بعد أن يأخذ المعنى من نفسه.
ولما كانت العرب تكتب من اليمين إلى اليسار ، فقد علل ابن النديم ذلك في (الفهرست) بأنه يضمن للعربية وصل حروفها ، إذ البدء من اليسار يوجب فصل الحروف استمداداً عن حركة القلب .. وهذا ما يجري في كتابة لغات كثيرة ..
وحين انتقل الإنسان من المشافهة إلى التدوين بالخط فالكتابة الحديثة بالطباعة ، تباعد دور اليد والقلم ، لقد صار الآخرون يكتبون لنا بينما كان على الجاحظ مثلاً أن يخط لنفسه نسخته من الكتب التي يريد أن يقرأها.
لكن ابن مقلة – الخطاط الذي أعدم بقطع يده الكاتبة بحكمة حاكم – يرى أن ثمة أنواعاً أخرى للكتاب: مثل كاتب العقد ، وكاتب الحكم ، وكاتب التدبير ، يضع لهم آداباً وشروطاً ومهارات كما أن لأقلامهم مواصفاتها ، وأنا لا أزيدك بذلك علماً وأنت مؤلف (الأصول الحضارية والجمالية للخط العربي) ورائد تجارب الحروفية الفنية ، لكنني استدعي إلى ذاكرتنا المشتركة وجود (الكتاب) بطريقة تشجعنا عليها التحليلات الظاهراتية.
لم يلغ الكتاب وجود مؤلفه جثمانياً وحسب ، بل ألغي دور النديم أو المسامر فلم يعد – مع الكتب – من ضرورة له ، هكذا يكتفي الكتاب بنفسه ، وهكذا أراك تجسد وجوده عبر خطوطك التي كانت في هذا العمل بقدر تقشفها ونحافتها ، مليئة بطاقة الحرف ذاته وممتدة في فضاء اللوحة ، وكأنها ترمز إلى امتلاء الوجود ذاته بالكتاب ، وقد نصحو ذات يوم ، لنجد أننا جزء من وهم أو حلم أو كابوس .. نصحو فنحد أن الحروف كلها بلا وجود ، وقد أطبق العدم على كل شيء ، وصرنا جزءاً من قصة رمزية (خرافية) تروى ولا تكتب ، لأنه لم يعد من كاتب أو كتاب أو قارئ .. بمعنى أننا نكتب كي لا نموت ، كما كانت تفعل شهرزاد إذ تواصل حديثها ؟ .. لقد تحولنا آثاراً مع أثرك ، وسقطنا من صفحات كتاب الوجود كما سقطت أوراق (كتاب الرمل) في قصة بورخيس أو أننا أصبنا بالتسمم لملامستنا خرافة الكتاب كما يجري في (اسم الوردة) لأمبرتوايكو وفي الحكاية العربية القديمة حيث الصمغ المصنوع من مادة السم يبلل به القارئ إبهامه ليطوي صفحة مستعصية وإذا به يؤذن لنفسه بالموت.
لكن كتابك أو الغلاف الجلدي على عتبة كتابك له مدخلان ، أننا نناور وجودنا لنكون هنا وهناك في آن واحد ، ولنرى الوجهين معاً في نظرة واحدة.
وإنني لأقرأ إنسانيتك دوماً بهذا الشكل فأنت لا ترى إلا بشمول شمائلك ومزاياك: رساماً وكاتباً ، متعلماً ومعلماً ، باحثاً وقارئاً.
فيا لسعادتك .. يا لسعادتك.

حاتم الصكر

  


هاشم علي: الاعتراف بالفن
 
أيها الطيب الذي يشبه كل الكائنات
ولا يشبه أحداًً
آه منك أيها الصياد
أقفاص ألوانك مملوءة بالعصافير
يلمع في أفق عينيك
برق الفرح
ويرحل عن عش روحك طير الفرح
لماذا ؟

  الشاعر/ عبدالله القاضي

(قصيدة قبوة كاذي لهاشم علي)
 
بالرغم من الانزعاج الواضح من فكرة الريادة باعتبارها تأكيداً لمركزية الواحد الرائد ، وتجريداً دكتاتورياً للفن والأدب ، يظل – وبالرغم من ذلك الاحتراز القادم من خارج سياق الفن – بالإمكان الحديث عن تأسيسات جمالية واستباقات تنضح بملامح مرحلة معينة وتمهد لها.
وفي حالة الفنان التشكيلي اليمني هاشم علي عبدالله (1945) فإن جهده الفني الخلاق والعفوي قد أفلح في جعل الفن ممكناً في هذه البلاد التي يزري ماضيها الحضاري والمعماري والفني بحاضرها تماماً بل يتفوق عليه.
فاليمني أرسى طابعاً خاصاً في العمارة يمنح العين جمالية المنظر الخارجي ، متحسباً لمصادر الضوء وانسجامات اللون عبرا لشبابيك والطاقات والمشربيات والشواقص   (جمع شاقوص ، وهي نافذة بالغة في الصغر تفتح للداخل) والشكل العمودي المبكر مع الدافع البراغماتي للبناء من حيث صلاحيته للسكن وتعبيره عن المحافظة وحسابات البيئة والمناخ والعزل الجنسي .. الخ .. لكن هذا كله وما يؤازره من لقى وحفريات ومأثورات مجسمة تنم عن خيال فذ سكن الماضي الحضاري في معين ومأرب وسبأ وحضرموت وسواها من الحضارات المتعاقبة في اليمن ؛ لا يكاد يجد له وريثاً متفاعلاً فعدا عن المحافظة على الشكل المعماري الصنعاني واليمني العام ؛ فإنك لا تجد أي إحتفاء بالمنجز الفني ، بل تكاد الساحات والمدارس والشوارع والمدن كلها تخلو من النصب واللوحات والجداريات وتتابعها البيوت في ذلك ؛ لينعزل الفن من بعد كحاجة منبوذة بفعل وهاجس المقدس أو المحظور أو ربما المهمش لصالح المتن الحياتي القاسي والعنيف.
يؤكد ذلك التهميش لحضارة البصر والصورة ما نراه من انعدام الدراسة الفنية المنظمة في البلد وارث هذه الحضارات ، وهكذا  فعلى الفنان أن ينشأ ذاتياً إلا إذا واتته فرص الدرس في الخارج.
هذه الفرص لم تتح – لأسباب نجهلها – لفنان مثل هاشم علي ، لكن ذلك لم يمنع أن تتحول فطرية نشأته وتعليمه الذاتي إلى طاقة هائلة تفلح في جعل الفن ممكناً وتنجح في انتزاع الاعتراف بالفن من مجتمع يجحده ويقصيه.
تلك هي أهمية هاشم علي كاسم مؤسس ، ولا نقول (رائد) كي لا نعود لفوبيا الريادة والتمركز الذاتي – وحتى إذا واجهتنا أسماء سابقة عليه- فإن وجودها لا ينتزع من المجتمع ما أسميته الاعتراف بالفن ، تماماً كما حصل لتأسيس الفنان العراقي الخالد جواد سليم الذي يعد مدخلاً حديثاً للرسم والنحت في العراق(1) بالرغم من الجهود الفردية السابقة عليه لبعض الهواة مثل عبدالقادر الرسام والحاج سليم الموصلي " والدجواد" وصالح زكي وغيرهم .. ممن لم يتركوا بصمات ذات أثر في جعل الفن ممكناً اجتماعياً وجغرافياً. وللأسباب نفسها تدرس هاشم علي كفاتح أبواب وعنصر إشعاع: فهو يؤسس لماهية فنية حديثة تقتحم على المجتمع عزلته وزهده بالفن وتستفز مخيلته .. وهو يشع على أجيال من غواة الفن وهواته. ويضع في أجسادهم هذه اللعنة الروحية الممسوسة والولع المجنون بتجسيد المخيلة صوراً وألواناً وأشكالاً ..
بمقياس الأثر في اللاحق ، يكون هاشم علي متقدماً على سواه ، بل يكاد يكون مفتتح مرحلة الاعتراف بالفن بعد جعله أمراً ممكناً ، وهذا التأثير سنلاحظ تمظهراته وتشكلاته في أعمال الأسماء اللاحقة في سماء التشكيل اليمني المعاصر ..
سينصرف هذا الهاوي معلم نفسه للفن كلياً ، وسوف يستحضر ثقافته الفنية بجهده الذاتي فيردم فجوة المعرفة والتعلم المنظم الذي لم يتح له.
في كتابها "اليمن التي شاهدت" تقول الكاتبة السويسرية لورنسديونا: كثير من الأوروبيين المثقفين ممن يحوزون على مكتبة ومتحف يعلمون عن فنهم أقل من هاشم .. اليمني المعزول في أقصى طرف الجزيرة العربية ، لقد شاهد كل شيء وقرأ كل شيء: عذارى رافائيل والرسوم الخداعة للباروكية والزخارف .. ووريقات كورو ، ونساء رينوار .. وملصقات براك ..وهكذا بالنسبة لكثيرين من غيره فإن سيزان هو سيد الرسم الحديث (2).
وبهذا تختزل الكاتبة نشاط هاشم ونهمه للمتابعة التي تعززها عدة أمور: أولها انتباهه المبكر لفن بلاده وجمال طبيعتها ، والبيئة والإنسان فيها بالإضافة إلى جماليات العيش كالسكن والأزقة والمهن .. ورصد الإنسان كعامل أساسي فيها كلها ، وربما كانت المرأة ذات وجود خاص في هذا الرصد كناية عن منظور متقدم اجتماعياً ينطوي عليه الفنان.
وثاني أنشطته المعروفة التي تشكل تجربته ومراجعها وخلفياتها قراءته للحضارات ومنجزاتها على أرضنا العربية كلها ، ولا غرابة أن نجده يستشهد في أحد حواراته بحضارة وادي الرافدين فيقول ممثلاً للفن الصادق:
"مثال ذلك حضارة بلاد النهرين ابتدءاً من السومرية والبابلية والأشورية وما تسمى بحضارة "ميزوبوتاميا" حيث يتجسد في شعارها ذلك الأسد المجنح برأس آدمي ، ومن خلال هذا الشعار نستخلص القوة الأرضية متمثلة بجسم الأسد ، والجناح يمثل القوة في الأعلى ، أما الرأس فهو العقل أو الحكمة التي تتحكم بهذه القوة وتوجهها ، كما يماثلها في مصر " أبو الهول" وأيضاً في سوريا "أوغاريتيه" متمثلة في أساطيرها" (3).
أن مثل هذه القراءة تدل على منبع ومعين أخر لثقافة هاشم علي في الجانب الحضاري والمعرفة البديلة التي تبحث عن دعائم لها في المنجز الإنساني السالف.
وثالث هذه الروافد المعرفة التي تصب في إمكان الفن والاعتراف به هو رافد الأسلوبيات المتنوعة في الفن الحديث ، فلقد عاش هاشم علي أعواماً من التجريب بالمعني العام للكلمة أي بمحاولة إنجاز قوة الفن في داخله وتحويلها إلى فعل تشكيلي وسطوح تصويرية تنتمي إلى مدارس واتجاهات ذات أسلوبيات متباينة.
ولكن الشيء الذي لا تخطئه العين في مجمل أعمال الفنان منذ الستينيات حتى الآن تؤكد موهبته التي تشكل دافعاً فطرياً لإنجاز رؤية خاصة تعززها مقدرة يدوية عالية ظلت تتخذ مظاهرها في أعماله المختلفة التي جرب فيها أساليب متنوعة ومواد ووسائط متنوعة أيضاً.
لقد كان هاشم ينطلق من واقعية شاعرية ، تلتقط مفردات الواقع ثم تحملها دلالات شاعرية تخفف من واقعيتها المفرطة ، وكان ذلك تجسيداً لإيمانه العلني بأن "الفن  الصادق هو الذي يعبر تعبيراً مباشراً عن ثقافة المجتمع ، فيكون مقياساً صحيحاً لطموحاته وحجم حريته"(4).
وقد تجسد هذا الفهم للتعبير المباشر عن ثقافة المجتمع في أعمال الفنان فترة السبعينيات واهتمامه بالمهن والحرف والأعمال التي يؤديها الإنسان في البيئة ، وهي ذات جماليات خاصة تنبع من العذاب الإنساني ، كما نرى ذلك واضحاً في لوحته الشهيرة         (دجاجة عمتي) التي يتناص عنوانها مع حكاية أو أهزوجة شعبية يمنية تتحدث عن التقسيم غير العادل للكسب ، حيث يأكل صاحب الدار الكبير لحم الظبي كله ، بينما نجد اللوحة المنفذة بمادة الزيت على القماش تسرد لنا بشاعرية أخاذة عودة صياد بائس مبالغ في ملامحه لدرجة كاركاتيرية وهو لا يحمل إلا رأس سمكة كبيرة وبعضاً من عمودها الفقري، ويحيلنا بذلك إلى صورة بطل (الشيخ والبحر) لهمنغواي بينما تغرينا المفردات السردية في اللوحة بتأمل الحزوز التي صنعتها العصا التي يحمل بواسطتها الصياد بقايا سمكته إلى جانب التركيز على ضخامة اليد وخشونتها وبؤس الملامح في الوجه ، مما يقرب هذه النزعة الكاريكاتيرية من أساليب فنية أخرى كالتعبيرية والسوريالية(5).
وقد كان بمقدور هاشم علي أن يظل داخل أسوار هذه الواقعية الشعرية وتنويعاتها الممكنة مثل الموتيفات البيئية المدينية ومناظر الريف والوجوه الشعبية والألعاب وغير ذلك.
إلا أنه سرعان ما يبحث ويجد في البحث عن مظاهر أخرى لواقعيته ، فيقدم لنا في مرحلة الثمانينات سلسلة أعمال جرافيكية منفذة بالحبر الصيني مستفيدة من أحادية اللون وهي تهتم بالمهن الشعبية المأثورة مثل الحالبة وبائعة الخبز (الملوج) وصانع المداعة وبائعة العمب وغيرها .. وفيها يتضح دور الإنسان في البيئة وتقدمه في واجهة اللوحات وتشكيله مركز الجذب في المشاهدة.
لكن التفجر اللوني العالي والمهارات الفائقة في خلق الموضوعات ومعالجتها الأسلوبية تبدأ في مرحلة لاحقة وتتركز في التسعينيات ، حيث ينفذ هاشم علي عدداً من الأعمال المستقرة من حيث الرؤية والأسلوب ، وهي محتفية باللون كعنصر أساسي في العمل إلى جانب التركيز على التعبيرية من منطلق رمزي مما يمكن تسميته بمرحلة الرمزية التعبيرية ، وهي تطور غير بعيد تماماً عن واقعيته الشاعرية الأولى ، فهو إذن يريد الموازنة – كأي فنان مؤسس – بين الذات والموضوع ، والأسلوب والمضمون ؛ والواقع والفن بشكل أساسي.
لهذا فأنا لا أعد طفراته الأسلوبية كالمعالجات التكعيبية للوجوه أو إطلاق فضاء المخيلة بشكل سوريالي ، بعض حنينه أو بحثه عن أسلوب ، وإنما هي مغامرات شكلية سرعان ما تعود إلى مستقراتها وثوابتها .. حيث تظهر براعته في تنفيذ الصور الشخصية (البورتريهات) وإتقان خلفيات اللوحة واختزال التفاصيل لصالح تعبيرية رمزية توحي أكثر مما تسرد بشكل مباشر وترمز أكثر مما تصرح ، وتأطير ذلك كله بعالم لوني متباين الدلالات لكنه يمثل مركز العمل أو بؤرته.
وستظل الرمزية التعبيرية وسيلة الفنان لإظهار الروح ، سواء أكان الشخص المرسوم درويشاً يدق على الدف ، أو موسيقياً يعزف على آلته ، أو حمالاً يضع على ظهره حملاً ثقيلاً .. وسواء أكان الشخوص رجالاً أو نساء فهم جميلون بالإشعاع الروحي المنبعث منهم حتى لو كانوا سود البشرة والوجه ، كما هو الحال في أعمال الثمانينات الجرافيكية حيث الراقصون في جو روحي خالص ، مأخوذون بنداء الأعماق وسابحون في فضاء حلمي ، وبذلك تتحقق جمالية وجودهم على السطح التصويري.
واعتقد أن هاشم علي بذلك يكون قد نقل مفهوم (الجميل) من حيزه التقليدي الإجتراري إلى حيز آخر جديد تماماً ، يساهم في تعديل تصور المشاهد للجميل أيضاً.
وهو يعالج سطوح عمله وبعض أعضاء أو أجزاء شخصياته وأرضية لوحاته باليد أي بضغط الأصابع على مادة الزيت بدل الفرشاة ، أو باستخدام السكين لإنجاز ملمس كثيف أو ناتئ .. وهذا أحد المؤثرات في الأجيال الفنية اللاحقة له(6).
إن الملامح الأسلوبية لهاشم علي تتفق مع انتظام رؤيته للفن كملاءمة بين الواقع وتمثيله فنياً بشكل صادق وإنساني محتج أو معترض ، وكذلك في الاهتمام بالتفاصيل لدرجة الدقة والأمانة ، ويقابلها إتقان وبراعة في تنفيذ الأعمال التشخيصية وتنويعاتها: الوجوه(اليمنية)و الطبيعة (الجبل والبحر والأودية) والمناظر البيئية (الأزقة والبيوت والمهن الشعبية) ذات الطابع اليمني الخالص ، مع اهتمام أقل بالطبيعة كموضوع..
ولكن علينا أن نتذكر دائماً حكمة هاشم علي في تنفيذ تلك الأعمال كلها ، فالإنسان يأتي في مقدمتها وبؤرتها ، حتى ليؤاخي أحياناً بينه وبين العذاب البدني للحيوان نفسه ، فيبدو أحد القرويين شديد الشبه بالدابة التي يركبها من حيث السقم والضعف البدني.
واعتقد أن براعة هاشم كفنان موهوب ذي مقدرة خطية واضحة ستتركز في قوته التقليدية التي تعوز الكثير من معاصرينا والذين يعوضون عنها بحداثات إلصاقية أو تلفيقية.
وسأختم بالإحالة إلى عمل محدد لهاشم علي هو (بائعة العمب) حيث يسيطر السرد على اللوحة عبر شخصيتي البائعة التي تحمل الثمرة المغرية بيدها اليسرى إلى الأعلى بينما تمتد يد الرجل المشتري باشتهاء وخدر ولوعة إلى الثمرة التي لا تصل إليها يداه. بالمقابل تضم الفتاة الجميلة الملامح سلة العمب إلى جسدها وكأنها تخبئها بين ساقيها وتحيطها بيدها اليمنى.
ونلاحظ التعبيرية واضحة في ملامح الرجل الذي أسند رأسه إلى كتفه مستلباً أو كالمسحور  إزاء فتنة الفتاة مرمزة بالثمرة ، وكأنها فاكهة محرمة من ذلك النوع الذي هبط بآدم عاصياً معاقباً إلى الأرض مطروداً من الجنة.
فهل يريد السرد في اللوحة أن يحيل إلى هذه القصة التي كانت أصل الخليقة وأول الخطايا الفريدة للإنسان المعذب بالمعرفة ؟
نلاحظ في العمل اهتماماً مفرطاً بالتفاصيل من أعلى رأس الفتاة حتى ربطة أو شريط حذائها مع إتقان وإبراز دقة مفاتنها الجسدية الجميلة كدقة الخصر واعتدال الجسد إلى جانب متانة ساقيها وعجيزتها وبياض وجهها ونحافة ملامحها التي اختزلها الفنان بالخطوط الخارجية إضافة إلى استبطان داخلي لمشاعر الاشتهاء الذكوري عند الرجل ، وخفر البائعة المنطوي على إغراء وتملك ، مما انعكس في توزيع كتل اللوحة ومساحتها وحركة شخوصها.
ولعل المحير في الأمر تحرر الفنان من الأبعاد الأكاديمية أو ضبط المنظور والأحجام إذ نراه يبالغ في طول الأيدي كناية عن الرغبة والصراع للحصول على الثمرة التي تتحدى جوع الرجل المستسلم للغواية بعجز وضعف واضحين ، إزاء ثبات المرأة ، بينما يعطي للرجل ملامح هياج واشتهاء ، ولكن دون إبراز الجنس على شكل ثيمات أو أحداث سردية داخل العمل ، والاكتفاء بالرمزية التعبيرية من خلال تعابير الوجه والانفعال الصامت للشخص بإزاء حركة المرأة خارج كتلتها.
ولا نغفل أخيراً استثمار الفنان للونين الأسود والأبيض ، وما جرى بينهما من مطابقة دلالية عنيفة تعوض الفقر اللوني في مثل هذه الأعمال التي تتنازل عن الزينة والأصباغ متيحة المجال لتضاد السواد الغامق "الحبري" والبياض المسالم..
· 
صنعاء20/12/1996م
 
 
وأحسب أخيراً أن هاشم علي في مراحله المختلفة يؤكد الرهان المعقود عليه في إنجاز مرحلة الوعي بالفن في مواجهة جحوده والتنكر له والانفصال عن ماضيه لايقاظ ما اسميناه تأسيس النزعة الحديثة التي جعلت الفن ممكناً ، وصولاً إلى مرحلة (الاعتراف بالفن) لبناء الإنسان على هذه الأرض التي التحم بها الفنان وأحبها رغم معاناته الفائقة على ظهرها المليء بالشقوق والجراح..
 

ملاحظات وهوامش

ملاحظات:
·  الدراسة في الأصل ورقة بحث مقدمة إلى الحلقة الدراسية لتكريم الفنان هاشم علي في صنعاء (21/12-25/12/ 1997) ضمن الأسبوع الخاص بالفنان والمقام بمبادرة من مركز الدراسات والبحوث اليمني والحلقة الثقافية اليمنية الدولية.
** الكاتب مدين بالشكر إلى جمع من الأصدقاء والزملاء الذين لم يكن ممكناً الحديث عن هاشم علي دون مساعدتهم ، وهم الفنان التشكيلي حكيم العاقل الذي رأيت أولى أعمال هاشم في مرسمه ، والفنانة التشكيلية والكاتبة آمنة النصيري التي أفدت من كثير من ملاحظاتها الأساسية ، والشاعر علي المقري الذي زودني بنص اللقاء الذي أجراه أواخر الثمانينات مع هاشم علي. وكذلك لمركز الدراسات وجامعة صنعاء والأصدقاء في (الحلقة) الذين أتاحوا فرصة رؤية أعمال هاشم علي قبل العرض.
هوامش:
1)  تتكرر أمثولة التأسيس لدى جواد سليم ، في تأسيس السياب ونازك والبياتي للشعر الحر منتصف الأربعينيات ، رغم المحاولات الفردية السابقة ذات الطابع البطولي التي لم تترك أثراً ومنها محاولات علي أحمد باكثير وفريد أبو حديد ولويس عوض وسواهم..
2)  حوار مع الفنان التشكيلي هاشم علي عبدالله – أجراه علي عبدالجليل المقري – صحيفة 14 أكتوبر – 26/8/1988 صفحة (ثقافة).
3)    حوار المقري نفسه.
ويلاحظ هاشم علي أيضاً انتباه الفنان لحجارة سد مأرب العظيم الذي زخرف فنياً برؤوس أيائل ظاهرياً والحقيقة كما يرى الفنان أنها ليست مجرد زخرفة فحسب ، وإنما هي تعويذة وضعت لتحرس السد من الأرواح الشريرة كما تقول إحدى التعاويذ .. وهذا يعكس دقة ملاحظة هاشم علي لدور الفن في الحضارة  وقراءته لأبعاده الروحية..
4)    حوار المقري نفسه.
5)  يراجع التحليل المدهش لهذه اللوحة وسواها في مقال آمنة النصيري (قراءة نقدية موجزة في أعمال الفنان التشكيلي الرائد هاشم علي) جريدة الثوري ، صنعاء 12/12/1996 صفحة (ثقافة).
6)  يستخدم كثير من الفنانين اليمنين المعاصرين تقنية الرسم بالسكين أو المواد الحادة كالمسامير أو غيرها .. وتنخلق بذلك سطوح بارزة في أعمالهم وفي مقدمتهم فؤاد الفتيح وحكيم العاقل ومظهر نزار في أعماله الأخيرة وغيرهم.
    ومن المؤثرات المباشرة لهاشم تلاحظ لوحة الدرويش والدف أيضاً لدى حكيم العاقل وهي الصورة المختارة لملصق أحد معارضه المهمة في موسكو .. والعاقل يدين بتعلمه الفن وحبه له قبل الدراسة الفنية في الخارج إلى معلمه هاشم علي ومرسمه مباشرة. أما الوجوه السوداء والأجسام الدقيقة والملامح الأفريقية التي أكد عليها هاشم علي في مرحلة الرسم بالحبر الأسود على الورق فنجد صداها حتى الآن في أشخاص فؤاد الفتيح خاصة ، ووجودهم المختزل على السطح التصويري وحركاتهم الأفريقية وملامحهم كذلك ..
ويمكن متابعة أثره في طلابه ومنهم عبدالغني علي ولوحته عن المدخن العجوز والتي عرضت أول مرة قبل الافتتاح مع أعمال هاشم فلا نكاد نلاحظ فرقاً كبيراً في المعالجة والمنظور على الأقل.


استدراك  لاحق

في محترف الفنان هاشم علي

بديهة الرسام وجنين اللوحة
 
الذي لا يؤول تضاعيف التعب
لهذا لا يرسم تعباً دبقاً في تجولا ته الصباحية
وحدها الأفكار
 تحيي أعشابها على القماش
مقطع من قصيدة هاشم علي
للشاعر: محمد الشيباني
 
-1-
الدخول إلى محترف الرسام أشبه بإزاحة الستار عن سر ما. ذلك الشعور تكرر معي في زيارات متعددة لمحترفات رسامين أصدقاء ، يعدون تلك الفرصة تبسطاً وألفة ومحبة لا تتاح للجميع.
كنت أفكر كثيراً في المسألة: رؤية اللوحة منجزة على جدار ، أو رؤيتها جنيناً في رحم غرفة مليئة بالأدوات والألوان والقماش وعاديات أخرى ؟
الفضول في مسألة كهذه يتعدى الجانب السايكولوجي ، أنه استشعار لمصير ، استباق لولادة ، وتنقيب في حياة ما قبل الخلق ، وحفر في لحظات التكوين.
-2-
في المرات التي أكون فيها زائراً لمدينة (تعز) (التي يتحصن داخلها هاشم علي في شبه عزلة مصممة أو مقصودة) يصحبني الأصدقاء لزيارة الفنان .. مرات لا أعرف الآن عددها ، لكنها تمت بصحبة الرسام حكيم العاقل ، وغالباً الشاعر محمد الشيباني ، وفي إحداها مع عدة أصدقاء أذكر منهم: علي المقري وعلوان الجيلاني ومحمد أحمد عثمان وإياد الحاج ومحمد عبدالوكيل جازم ومطهر الشرجبي وماجد فيصل وفتحي أبو النصر.
البشاشة التي يلقانا بها وجه هاشم علي لا يخفي ارتباكات اكتظاظ المكان بأجسادنا ، واقتحامنا تلك العزلة التي أدمنها الفنان .. لكنه في إحدى زياراتنا اقترح رؤية (مرسمه) الذي أود تسميته (المحترف) كناية عن الجانب الحرفي أو المهني فيه .. لأتجاوز الترف المتخيل في تسمية (المرسم) وما يحف بها من دلالات ، فاجأني ضيق المكان .. وكنت قبل ذلك منفصلاً عن أجواء المعروضات والأشياء ، منشغلاً بالضجيج الذي لا يصدق ، صاعداً من الشارع المزدحم إلى شقة الفنان: أصوات مختلطة رهيبة: دراجات نارية ، محركات السيارات ، أصوات الباعة ، المارة ، والأطفال ، زمارات مختلفة الأصوات .. فبادرت هاشم علي بالسؤال عن كيفية عمله في جو كهذا ، فكان جوابه مفاجئاً أيضاً، فلقد أعتاد على ذلك حتى صار أشبه بخلفية ضرورية لأعماله ، لا يمكنه العمل دون حضورها.. لقد صارت جزءاً من عين الفنان ويده ، بل من رؤيته ذاتها.
في المحترف الضيق أنابيب الزيت المعتصرة ، وعدد كبير من فرش الرسم ، والباليتات وقطع القماش ، أدوات حادة ، وخشب ، وحامل وحيد (ستاند) وضع عليه آخر لوحاته الزيتية التي لم تكتمل بعد ، كنت أراقب انفعالاته وتعبيرات وجهه ، وهو يذود خطواتنا عن أشياء المحترف الذي أخمن مقدار معايشته له ، إلى حد حفظ تفاصيله الصغيرة ..
كنا نمارس متعة اكتشاف أسرار الخلق والتكوين ، ونتطلع إلى أجنة لم تتخلق بعد ، والرسام ببديهته اليقظة يقاوم فضولنا ويختصر اللحظات حتى وقت تصوير أحد الأصدقاء لنا ونحن داخل المحترف.
-3-
تلك هي إذن (الورشة) التي ينفذ فيها هاشم علي رؤاه على قماش وورق ، بالزيت أو بالأبيض والأسود ، على خشب أحياناً وبأحجام مختلفة .. فأين يتم تمثله لأصوات الخارج والصيحات التي ظلت تتصاعد حتى حسبت أنها ستكون جزءاً من أشياء الصورة التي التقطناها ..؟
لم تكن تلك نكتة تقال في العادة لكسر انتظار الواقفين من أجل ضبط الآلات التصوير وكوادر الرؤية الخ .. بل كانت ملاحظة مقصودة مني. فهاشم علي يعيد تمثيل الواقع بشكل رمزي أو اختزالي ، حتى وهو يتجرأ بإدخال أسلوبيات حديثة مستعارة من التكعيبية والتجريدية ،إنه – كما تلاحظ الزميلة آمنة النصيري – يعتمد في تكوين لوحاته على لغة تشكيلية يمدها بما في المحيط الخارجي من جزئيات ، ولا يكتفي بانتزاعها مصورة كما هي في المحيط إلى داخل اللوحة.
مرجعية الواقع إذن هي التي ستظل تعمل في إنجاز هاشم علي ، حتى وهو يوهم المشاهد بأنه يهجر أو يقصي المحيط أو الواقع ..
 
-4-
ما هي إذن مكانة " الواقع " كمثير أو محفز في أعمال هاشم علي ؟ وأين سنجد كسرات أو جزئيات هذا (الواقع) ؟ وكيف تمثلها ثم أعاد تمثيلها الفنان نفسه وهي تتصاعد إليه دون انقطاع ؟
(الموضوع) هو الذي سيتصدر الإجابة في هذه اللحظة من استعادتي لدخول المحترف ، فرسوم هاشم علي (وأعماله الأخرى كالحفر والجداريات) تستند إلى (سرد) فني يرثه الفنان من مرحلته الواقعية المبكرة وبداياته الأولى.
وعناصر السرد يهبها له الواقع أو المحيط الخارجي والبيئة بتعبير فني – لكي نبوّب أعماله ضمن نزعة أو اتجاه ، يعمل على تكريس الفن البيئي بالمعنى الثقافي الأعم – وهي – أي العناصر- تبدأ من ومضة احتكاك الفنان بالموضوع ، وتكاثف جزئياته في النفس .. لكنه عند إعادة تمثيل العمل يحور ويحذف ، ويضيف ويموه ، ويخفي ، ويقدم ويؤخر ، كما يفعل صناع الحبكات المحترفون والحكاة المهرة ..
ودليلي على هذا الاستنتاج – أي الافتتان بسرد المحيط كواقعة حياتية أو مهنة أو مشهد – هو عناية ، وأقصد براعة ، هاشم علي في رسم (البورتريت) الذي يكاد الوجه فيه بعلاماته وسيمائه ، أن يحكي (قصة) صاحبه في لجة من الألوان والتكسرات أو التجعدات، وفي الحركات التي تنبه إلى ما في الوجه من غنى حكائي مخبوء ، إضافة إلى المحمول الاجتماعي أي تعيين العناء الطبقي لصاحب الوجه ..
-5-
كثيراً ما قال دارسو هاشم علي إنه تثقف أو تعلم ذاتياً ، وذلك القول بقدر ما يخفي إقصاء ما في الدراسة الفنية المنظمة من مزايا ، فإنه يقلل من الهم أو المعانة الذاتية للفنان ، عندما يصبح صوتاً لمحيطه أو نائباً عن أشيائه ..
لكن لقاءات هاشم علي وملاحظاته الفكرية المعمقة تدحض ذلك دائماً .. فالخطوط النحيفة التي تنتهي بها شخوصه ، وشاعرية الأمكنة واستجلاء روحها (كلوحته عن جامع الأشرفية مثلاً) تعبر عن زهد الفنان وروحانيته التي لا يكفي لتجسيدها ، اعتماد الواقع مرجعاً وحيداً ، أو الموهبة مشغّلاً أو مولّداً يحرك أعماله ..
إن ما أسميته (البديهة) التي يتمتع بها هاشم علي هي اعتصار لعوامل ثقافية متعددة ، يتصل كثير منها بتحولات الرسم الحديث وتقلبات تياراته وموجاته الحديثة وما بعدها ..
ولعل ذلك يفسر لنا احتفاظ هاشم علي بتلك المكانة وسط تشعبات الحركة التشكيلية في اليمن ، وتعدد اتجاهات الرسامين ، وتنوع المؤثرات التي يخضعون لها ، حتى في حالة العديد ممن هم (طلاب) خرجوا من المحترف ذاته الذي دخلناه مدججين بالفضول ورغبة الاكتشاف.
-6-
كثيراً ما يذكرني هاشم علي بالقاص العراقي " محمد خضير" ليس في اختيار العزلة فحسب (كنا نعاني من أجل استقدام محمد خضير من معتزله في البصرة ليحاضر في بغداد أو يحضر ملتقى ما ، وسرعان ما يغادرنا فجأة) إن ثمة تشابهاً في ظروف العمل، في تصميم (الورشة) أو (المحترف) فإحدى مجموعات محمد خضير أسماها (في درجة 45 مئوي) كناية عن كتابة قصصها في صيف البصرة ، الرطب والحار لدرجة لا يمكن تخيلها ، وهناك وفي تلك الدرجة الحرارية مضافاً إليها حرارة الغرفة الضيقة  تتعرض قصصه وشخوصها وهو نفسه للخلق والتكوين ، فتتوهج لغته كما تلتمع قطع السيراميك داخل الفرن ..
-7-
اعتقد جازماً أن ضيق المحترف واكتضاضه وامتلاءه الحاشد ، هي إشارات عن غنى داخلي يتمتع به الرسام ، وهو ما يجعل الرهان على مكانته التشكيلية أكيداً ، وحين انغلق باب المحترف دافعاً أجسادناً إلى الخارج ، ظلت أصوات الشارع وأشياؤه الضاجة متمددة على خامات لوحاته ، وداخل عصارات ألوانه ، وقبل ذلك كله بين أصابعه التي شعرنا أنها بدأت تضج ويدب فيها نمل العمل وشوق البوح ، فغادرنا صامتين لتعمل الذاكرة من بعد.
 
 
تمارين ذهنية
حوار المرسوم والمكتوب
 
 ينتهي المشهد فتبدأ العين عملها ، إنها خلال الرؤية ، تنشغل بما هو وظيفة لها في الأصل ، ومشترك لدى الجميع: فنانين ومشاهدين عاديين. لكن عين الفنان تمارس ما كان يعتقده المصريون القدامي تبادلاً للحواس: إن العين تسمع ، وتختزن ، ولا تكتفي بتحليل المبصر وإنجاز عملية الإدراك ، وتصنيف المرئي وفق الخبرة الإنسانية المشتركة.
في رؤية الفنان التي تأتي بعد النظر المشترك ، يتم عمل خاص وفريد ، تعطي العين للمرئي في تلك اللحظة من البصر المعمق ما يجعله أقرب إلى اللامرئي ، إنها تختزله ، وترمزه ، تكثفه وتجرده ، تمحوه وتبعثه من جديد ، دون تفاصيل إلا ما اختزنته في الذاكرة وما حولته إلى أصوات ستظل أصداؤها تتردد في الذاكرة التي هي في حالة عمل دائم ، يحيل كل صمت إلى لغة خاصة ، تسمعها العين المبصرة التي صالحت اللامرئي ، وتواطأت على تسميته وإدراكه.
في هذا العمل المشترك لأربعة فنانين – تفرقهم أشياء عدة أكثر مما توحدهم – سنجد تطبيقاً لتلك المقدمة الموجزة.
إنهم يرتضون لعملهم اسماً ذا دلالة (تمارين ذهنية بصرية). والتمرين هنا سيرادف التجريب. وبالتالي سيكون الغرض منه ليس عقد ألفة بين العين والمشهد ، ثم بين اليد والسطح التصويري ، بين الرؤية والمادة الخام. لا. إن التمارين هنا تعني إعادة تجريب إنتاج المرئي بصور مختلفة ، تبعاً للحظة الوعي به ، أو الشعور ظاهراتياً بوجوده.
ها قد بدأت العين إذن عملها. من التجريب الذي يطلقه الذهن ، القريب في اشتقاقه من الذهول والاندهاش والوقوع تحت سحر طقسي ما ، وصولاً إلى إنتاج ثقافة بصرية تحرر النظر من اشتراطات اللوحة بالمعنى التقليدي.
الاهتمام بالمادة التي يٌنفّذ بها العمل بعفوية وتلقائية وجرأة ، سيعني تراجع عناصر اللوحة التقليدية وفي مقدمتها اللون. فالفن المفاهيمي الذي تنتمي إليه أعمال الفنانين الأربعة ورؤاهم ، يقود إلى إغناء العمل بعناصر ثقافية تصبح معها المادة الخام أساس العمل. إنهم يكثرون من استخدام المواد المتنوعة والمخلوطة كما يتعمدون كسر هيبة العمل الفني والتجرؤ على سطحه ، بما يستخدمون من مواد عادية وبيئية غير متوقعة (شاي – قهوة – حناء – أحبار – رمل …) وذلك يسير متوازناً مع طبيعة اللحظة الثقافية التي يمر بها وعيهم الذي يشكل الأشياء كما تبدو له في تلك اللحظة.
إنهم يجربون حواراً بين المكتوب والمرسوم باستيحاء الذاكرة التي تشتق اسمها في العربية من الذكرى والذِّكر ، فهي تحيل إلى مخزن حقيقي غير متعين ، يظل يضخ رؤاه وخيالاته فيعطي للأشياء المرئية وجوداً آخر لعله هو الوجود الحقيقي لها في تلك اللحظة.
لقد كان دافنشي وهو يوصي المصورين يتحدث عن رؤيته بقع شاهدها وهو يتأمل السحب فأوحت إليه بما أسماه (ابتكارات متعددة ومتباينة) وبهذا تجاوز الرسام ثنائية الذات والموضوع. ففي لحظة المشاهدة التي يرصدها بالكتابة أيضاً ، أصبح هو ذاته موضوعاً. إنه في وضع مرآتي: مشاهِدٌ ومشاهَد معاً (يأخذ جسده معه ، يَنظُر ويُنْظَر إليه) كما يعبر بول فاليري.
في تلك اللحظة المرآتية يستغل الرسام بياض الورق لا ليصنع تخطيطات أولية (سكيتشات) لأعمال قادمة ، بل ليكتب أفكاره حراً دون ضوابط فهي أقرب إلى الاعترافات لا المذكرات. هنا ستصبح الكتابة شهادة تعويضية عن المرسوم ، لكنها تشترك معه في لحظة انبثاق الرغبة في البياض الذي يستفز ويستثير ، فنقراً على سطحه رصداً للمكان أو للوجود أو للوعي نفسه. وستكون كتابات ثلاثة من الفنانين الأربعة المتوفرة وثائق قراءة للكشف عن وعيهم ودوافعهم ، فهم بهذا العمل الأدبي يعيدون إلى الذاكرة دعوة السريالية إلى التعويض عن الشكل التقليدي بالمضمون أو المحتوى الأدبي وهذا ما عبرت عنه موضوعاتهم ذات الطابع الثقافي والشخصيات التي أحالوا إلى أفكارها وكذلك عناوين لوحاتهم.
لكن الاستعانة بالذهن والفكرة والذاكرة والبصر لا تعني الاتجاه نحو السريالية. هنا تجارب تتشكل بحرية في اختيار مراجعها.
فعند عبد اللطيف الصمودي تتكرر غنائية الروح ووجدانية التعبير ، إن الخط هنا أساس بناء اللوحة ، منه تنبثق وإليه تعود ، إنه بؤرة تلتم حولها العناصر الأخرى كلها ، من الخط ينسج الصمودي غنائيات شاعرية ووجدانيات عذبة تحيل العين مباشرة إلى الموروث الشرقي – والإسلامي خاصة – في هذا التناغم والتكامل الخطي واللوني المشبع بجماليات التجريد الروحي مما يعوض عن التشخيص أو التصوير المباشر ، إننا نتسلم عند مشاهدة أعمال الصمودي (حالات) وآثاراً لمشاهدة ذهنية تشعرنا بسلام وانسجام روحي ، لا يخفى احتدامه أيضاً وامتلاؤه بالعناء الذي يجعله يستلهم ما كان في البدء. أعني الكلمة التي هي مجموعة حروف ، والحرف الذي هو بحسب الصوفيين مجموعة نقاط انبعثت من نقطة واحدة تجسد وحدة الوجود ، هذا الاحتدام مموه بسلام جميل وتناظر صبور بين الخطوط وما يتشكل عن تلاقيها وتقاطعها ، ومن أبرز مظاهره احتشاد لوحة الصمودي ، فهي ممتلئة لا فراغ فيها ، تتصارع ظلالها وأضواؤها في فسحات مسدودة دوماً بالخط ، ولعل هذا يشجع بعض نقاده على وصف عمله بسجادة ضوئية. إنها تجمع التقشف والتناظر واللون والخط إلى جانب الإفادة من النزعة الحروفية ، ليس بمعنى استعادة ذاكرة الحرف في الأبجدية المألوفة ، ولا الإفادة من جمالية الحرف كزينة أو زخرف ، ولا استغلال معناه القاموسي كما هو في اللغة لإضفاء معنى أو تفسير على العمل ، بل استضافة الحرف كهيئة جمالية كلية ، يدرك ضمن عملية المشاهدة دون وجود منفصل أو مستقل عن العمل نفسه ، وبذلك يخلق في أعمال الصمودي ما يسميه الفنان الراحل فاتح المدرس (التجريد الطاهر) وصفاً (للرصانة) والشكل المشبع بالتصوف ولكن عبر اللون والخط ، لقد أفاد الحروفيون العرب من التشكيلات البنيوية للحرف ، وليس من وجوده اللغوي التوصيلي المستقل فاستوحوا الرقش العربي (الأرابسك) لإنجاز وظيفة رمزية ، متحررة من الدلالة المباشرة والمحدودة للحرف (عمله حول ألف ليلة وليلة مثلاً) والاستعاضة بالحدس عن الحس ، واستكمال تلك الفراغات التي يوحيها الوشم على الجسد والوشي على الثياب وكذلك المنمنمات (كمصغرات زخرفية) ومقترحات الرسم الأخرى.
هنا سألجأ إلى دفتر الصمودي لأقرأ فيه معالجات شعرية تكشف أجزاء من رؤيته الفنية، إنه يرى نفسه في ثنائية الذات والموضوع كما يقول: " أنا مشهد الأفلاك والكون ، ودورة ما للعلاقة من سائد وبائد ، وسر غائب وساكن في القريب البعيد" وفي نص آخر يرصد جدلية اللون والعين فيقول:
تقدم ، أيها اللون.
تجاوز حجم الكاهن والساحر ، وآحمل نبوءة العين.
هذه الكسر الاعترافية التي صاغها الصمودي شعراً منثوراً – ليذكرنا بجدلية العلاقة بين الفنون – ستذكرنا برؤية الفنان التي تحمل اللون نبوءة العين. عين الفنان الخاصة لا سواها ، لأن الفنان نفسه (مشهد) للكون وأشيائه كلها . وسر مكنون في اللامرئي ، ولا يهم من أجل اكتشافه أن نستعين بأية مادة قريبة إلى اليد.
وفي أعمال حكيم غزالي التي نواجهها دون وسائط كتابية (إذ لا مذكرات له عندنا) نجد الحروفية تمتد إلى تقنيات الجدار وجمالياته (ومن أسمائه العربية الحائط: اسم فاعل لما يحيط ويدرك الشيء كله) ، إنه يستلهم تقشف الحائط وعريه أو تآكله – هذا ما تنبه إليه فنان عراقي ومنظر كبير هو شاكر حسن آل سعيد – فوجد حتى في وسخ الجدار وفراغاته ما يمكن أن (يوحي) بفكرة التقشف ذاتها.
الخلفيات اللونية الصافية لدى غزالي ، وهي لا تخرج عن تدرجات البنى الباهت أو السمائي الخافت دون استعانة بالألوان الحادة المشعة مع وجود كوى أو فراغات بيض وتشكيلات حروفية مموهة ، لا يراد أن تصل بهيأتها المعنوية المباشرة ، ربما باستثناء لوحة مرسومة عام 99 يتوسطها اسم (الله) مخطوطاً بأسلوب مغربي مزين النهايات. إنه كذلك يستدعي إيحاءات (جوانية) أو مفردات لغة إشراقية تتناغم مع سلام اللوحة وصفاء لونها ودقة خطوطها وعفوية توزيع الكتل داخلها.
إن الضباب الذي يشيع في اللوحة ويعطي الانطباع بشحوبها وتقشفها ، إنما هو سديم يرمز إلى الخلفية التي وجد الفنان نفسه في أحضانها بديلاً عن الرحم الآمن الذي احتواه سديمه. وهذا يفسر الخوف والشجن اللذين يؤطران أعماله ، ويفسران لجوءه كزملائه إلى المواد المخلوطة والمتنوعة التي تحقق بدورها تعينات أو تجسدت للنزعة التجريدية التي تتمرد على المادة التقليدية التي تنفذ بها اللوحة عادة.
أما مصطفى علي فهو يأتي من مناخ مختلف قليلاً. إنه نحات يتناقض عمله تماماً مع الرسام الاعتيادي فمصطفى يكبر ويظهر التشريح ويؤسس كتلاً بدل التفاصيل ، ويطوع المادة لتكون جزءاً من البنية العامة للعمل. حين كنت أعاين أعماله في محترفه بدمشق (صيف عام 2001م) وأعاين مجسمات لبعض أعماله وصوراً عنها وأطالع بعض أدلة معارضه ، وقعت عيناي على (دفتر) أيضاً. إنه يسجل فيه انطباعات عن الأمكنة. أو يرصد أحاسيسه وهو داخل تلك الأمكنة: أمكنة غريبة غالباً بالمعنى الثقافي والجغرافي فيمارس عودة شاعرية إلى ذاته ، معبراً بالكلمات وببعض الرسوم القلمية السريعة عن وحدته ، فيرتد إلى ذاكرته وهكذا التقطت عبارة دالة له: الضوء يأتي من الذاكرة ، ربما كان الضوء هنا حقيقياً ، ضوءاً مناقضاً لظلام الوحدة والغربة ، وربما هو ضوء العمل الورقي الذي استخدم فيه أقرب المواد إلى يده (بقايا القهوة والشاي وبعض السوائل الأخرى). إنه يستنجد بالذاكرة التي هي في تلك الحالة نقيض للإحساس بغربة المكان وقسوة أشيائه.
دفتر آخر لنحات ورسام عراقي استدعته ذاكرتي في تلك الظهيرة الدمشقية الرائعة: إنه دفتر جواد سليم الذي ضم مذكراته ويومياته وانطباعاته ومشروعاته. وعكست حيرته الأسلوبية بين الرسم والنحت ، وكذلك أكدت استلهامه للتراث الرافديني             (السومري خاصة) في أعماله النحتية اللاحقة ، وأكدت نزوعه المفاهيمي أو الثقافي الذي يدعم به أعماله.
إن مصطفى علي بدافع ثقافي - هو أهم مكونات تجربته فيما أرى – يخرج من قيود المادة النحتية أياً كانت (برونز – حديد – طين – حجر …) ليؤلف خارج حدود الكتلة النحتية الغفل من التفاصيل في العادة فينشئ أو يكوّن – بالمعنى الفني للكلمة – موضوعاً شاعرياً .. امرأة تطير في الفضاء مستندة إلى قرني حيوان أسطوري مختلف الأعضاء (يذكرنا بحيوانات جدران بابل المنفذة بطريقة النحت الناتئ أو البارز – ريليف) وللأسطورة مكان مركزي في أعمال مصطفى علي الذي رأيت في مرسمه شكلاً يشبه التابوت يريد أن يضع داخله مجسماً يحيل إلى ملامحه هو نفسه ، في حالة حنوط فرعونية واضحة .. وبذا تتعدد مراجعه الأسطورية التي شخصها أسعد عرابي بأنها نتاج (ذاكرة متوسطية سحرية وكهنوتية).
إن التكوين الشاعري لدى مصطفى علي يحقق غرضين: فهو يعكس قوته الحرفية    (نسبة إلى الحرفة) الممثلة بالسيطرة على المادة ، ويعكس سعة خياله وثقافته ، بحيث تبدو نزعته الإنشائية واضحة ، فالذهن يسترجع قصصاً ومسرودات تتحاور فيه كائناته وتتصارع ، ليس فقط من خلال أوضاعها المتعامدة أو المتناقضة أو المشتبكة ضمن كتلة النحت ، بل أيضاً في هذا الحوار الغنائي بضدية أو مودة (الطير البرونزي الساكن على سطح عربة على سبيل المثال) .. وبذلك كله يسجل تفوقاً على المادة من خلال هذه التمارين الذهنية التي لا تكف عن توليد ما هو مفاجئ وغير متوقع في أعماله شكلاً ومضموناً. وفي حالة الفنان والمنظر طلال معلا سنبدأ باعتراف كتابي له يعد من الموجهات القوية لقراءة أعماله ، يقول: (أنا الرسام أفرش بصيرتي .. وألون بلا ألوان) هنا سنصل مع الذهن إلى محو اللون .. إلى التلوين ببدائل الفكرة والبصيرة ، إلى انتقاء فكري يستغني حتى عن أصباغ اللوحة. إنه يتحدث عن (التقاطع والحلزون كمفردتين من تراث المتوسط بكل ما تعنيان ذهنياً وفلسفياً وروحياً) بغرض العودة إلى الرموز القديمة. وهذه المتاهة التي يمثلها الحلزون هي استعادة ذاكراتية لفكرة (اللابرنث) أو متاهة الأسطورة التي لا يعرف لها الإنسان بداية ولا نهاية. ومن المؤكد أن بياض الدفتر بالنسبة لطلال هو حافز دائم لملئه بالرسوم التي ينفذها باستخدام (مواد طبيعية) ومنها الألوان ذاتها فهو يستخدم الشاي والقهوة والزنجبيل والتوابل .. معتمداً على ما يسميه       (مخبر ذهني .. لإعادة اكتشاف علاقة اللون بالورق) إنه يتحدث أكثر من مرة عن إبرة أو دبوس ترميزاً للقلم والفرشاة ، بهما يشك البياض ويخزه ليخرج منه دماً مختلف الألوان. كما أنه ينادي ذاكرته أيضاً ويستثيرها به ، فهو يحدثنا عما يسميه         (حرارة الأمكنة الغافية في ذاكرتي) مزاوجاً بين حالتين متناقضتين .. حرارة الأمكنة وحياتها ، ووجودها غافية ميتة في ذاكرة الفنان. وستكون مهمة العمل الفني إيقاظها وبعث الروح فيها .. وهذا ما يحاول الفنانون الأربعة أن يفعلوه في ضوء تمارينهم التجريبية المنبثقة عن الذهن والمتجهة إلى البصر في حالة تشبه شهود الصوفية ، وبصرهم الذي يرى ما لا يرى من علائق بين الأشياء وما يعطيه وعي الفنان لها من وجود.[*]
   
  صنعاء
8/10/2002


العلامات والرموز كمفارقات تعبيرية
 
·    مفارقات أم إنشقاقات ؟
لعلها مفارقة إضافية تلك التي يدعونا إليها الفنان حكيم العاقل في معرضه الشخصي التاسع .. أعني مفارقة انشقاق الكائن وتوزعه أو تشظيه كوجود ووعي ضمن عالم قاس ووحشي. ذلك الزعم يضاف إلى اعتقادنا بوجود مفارقة أساسية تتحقق على السطح التصويري في أعمال حكيم العاقل التي يحتويها المعرض .. تلك المفارقة تتلخص في التنازع بين الرغبة في التشخيص (بتوسيع المصطلح وتمدد مفهومه من مجرد حضور الأشخاص أو الوجوه إلى حضور الأشياء المتعينة كوجود مادي مجسد كالأمكنة والطبيعة مثلاً) ، وبين النزوع إلى التجريد عبر تقدم اللون على حساب عناصر اللوحة الأخرى ، والتركيز على توليد رؤى تعبيرية ، من خلال تنضيد الألوان بالتجاور أو التداخل ، من حيث مكانها في إنشاء العمل ، وكذلك من خلال رمزيتها كدلالات تكتنز الرمز والإشارة عبر تدرجاتها أو توافقاتها وتضاداتها .. وما تحتويه من طاقات إشاراتية أو علاماتية ..
إذن ستكون مفارقة وجود المشخص والمجرد معاً في العمل ، هي المفارقة الأساسية في معرض حكيم العاقل الأخير الذي تتضح فيه مؤثرات التخصص الدراسي والعمل بوجه خاص ، فالعاقل فنان جداري في الأساس دراسةً وعملاً ، ومعرفته الحرفية بهذا الفن كدراسة وممارسة ستفرض كثيراً من إجراءات التعامل الأسلوبي في لوحاته ن ويأخذ مظاهر لا تخفيها العناية بعناصر اللوحة ، ومن هذه المظاهر الميل إلى اللوحات ذات الأحجام الكبيرة ، واحتشاد سطح اللوحة بالمفردات والتوزيع الهندسي للكتل والفراغات والمساحات اللونية.
لكن العناية الأشد التي يوليها حكيم في هذا المعرض ستكون للسرد كتحول أسلوبي من غنائية اللون والوجوه وأشياء المحيط في معارض سابقة (يوميات المدينة كمثال) إلى نوع من القص ، حيث يتم تطوير السرد من فضاء اللوحة الواحدة ، إلى خلق متوالية كاملة من اللوحات ، تقوم على السرد ، كما يتضح مثلاً في (مفارقات ذهنية) بأجزائها الثلاثة المتسلسلة.
إن وجود السرد يتطلب من المتلقي نوعاً جدياً من المشاهدة أو المعاينة البصرية ، فالتشكيل العربي الحديث (أعني المستمد صلته مع متلقيه من حداثته الأسلوبية أولاً) يعيش اليوم لحظة تحول أساسية هي في حد ذاتها مفارقة أخرى: إذ ينقلنا التشكيليون الحداثيون من فضاء (البصري) إلى عمق (التأملي). ذلك لا يعني بالطبع التنازل عن آليات البصر. ولكن معاينة اللوحة كعمل تتم عبر التدرج من غنائيات البصري وجمالياته المألوفة ، إلى مناطق عميقة يناديها الفنان أولاً في طبقات وعي متلقيه ، ويرصد مظاهرها على سطح اللوحة التصويري ، لا لتكون مجرد فرصة لتحفيز ما هو بصري في وعي المشاهد ، بل لتكون مناسبة لمشاطرة الفنان تأملاته المعمقة التي تصبح اللوحة مسرحاً لوجودها ودعوة لرصدها وملاحظتها أو (قراءتها) في المصطلح الجمالي الجديد.
هنا ستعمل الرموز والإشارات والعلامات على تأكيد تلك التأملات وجلائها أمام المتلقي، إن اشتباك (العلامات) كعلاقات اعتباطية بين الشيء وما تحيل إليه ، واحتشاد (الرموز) بطاقات تعبيرية تتمثل ما تشير إليه ، وتعيد تمثيله بوعي الفنان وشعوره ، وتلك العلاقات الذهنية بين الشيء ومرجعه كما تقترح علينا (الإشارات) ، هي في الواقع أضلاع المثلث المرجعي الذي يصنع الوعي باللوحة ، ويسمح بتأويلها والالتقاء بأفقها الجمالي ، كما تقترحه خطة الفنان واستراتيجيات العمل ذاته.
في اللوحات القائمة على السرد في هذا المعرض سيحتاج المشاهد إلى قراءة عناصر اللوحة دون ترتيب خطي من الأسفل إلى الأعلى أو العكس ، بل ستكون القراءة حرة وذات وجود متحول غير مستقر ، فهي قد تبدأ برصد حواشي اللوحة وهوامشها      (ليس ثمة مركز بؤري في أعمال حكيم. فالهامش نفسه ينتشر أحياناً ليغذي المركز الذي ليس له من وجود رؤيوي بل هو مركز جغرافي: تقتضيه مساحة اللوحة ، وتوزيع الكتل على سطحها فحسب) إن المشاهد هنا مطالب بالتخلص من مركزية وعيه ، وبدلاً عن ذلك يعتمد مناداة الهوامش المقصاة. ذلك أن جزءاً مهماً من حداثة الرسم اليوم يقوم على إلغاء تلك المراكز لصالح جماليات الهامش والحاشية ..
هكذا إذن ، سيجد مشاهد هذا المعرض انزياحات كثيرة لصالح الإشارة كوسيلة تعبير سردية .. وسيجد اختزالاً واضحاً لتفاصيل العمل. فيكون عليه – أي المشاهد – أن يستثير طاقة الإشارة في داخله ، ليكتشف أن الفنان قد أهمل تفاصيل الجسد وجمالياته المألوفة ، لصالح الدلالة الجنسية التي يؤديها السردي في اللوحة (وهو بالمناسبة ليس موقعها على السطح. وهذه مفارقة أخرى. فقد يكون الموقع السردي للوجه مهماً لكنه يتخذ من الحاشية في أسفل – أو جانب – اللوحة موقعاً بصرياً له) وسيجد المشاهد تنازلاً عن تفاصيل المكان ، المتروك بثغرات أو فجوات واضحة ، وكأنها نقصان في اكتمال عمارته أو جمالياته ، وذلك لصالح إشارات المكان الخاصة بالفنان (اختزال البيئة أو المحيط الصنعاني إلى قمريات وشبابيك وكوى وجدران) .. وأخيراً سيجد المشاهد زهداً بتفاصيل الشكل الخارجي للأشياء المكملة لا سيما الثياب التي تتماهى أحياناً مع أبعاد الجسد ، أو تؤدي وظيفة لونية وزخرفية ، دون التحدد أو التقيد بدلالاتها الخارجية ، أي ما تأخذه من شكل في الخارج أو على مسرح الحياة. وهذا ينطبق على لوحة (حلم متجدد) حيث المشهد الطبيعي يتوسط اللوحة بجمالية واضحة موحياً بسلام وطمأنينة ، إضافة إلى ما تمنحه للمشاهد من متعة البصر ، ولكن البيوت التي تتقدم المشهد الطبيعي لا توحي بالتماثل أو النقل عن الخارج.
ذلك كله يدعو المشاهد إلى فعل مشاهدة يتوافق مع أفق اللوحات التي تنتظمها في هذا المعرض رؤية موحدة ، تقوم على رصد انشقاقات الكائن ومفارقات وجوده بواسطة السرد الذي تكيف له سطح اللوحة التصويري.
·    الرؤية الذهنية: إزاحة متعمدة لعفوية الرسم
يعمل (الذهن) في معرض حكيم على ترتيب أولويات المرسوم ، هنا – وعلى سطح اللوحة – سنشهد صراعاً أو نزاعاً ، ليس في الرؤية كتشكل فكري أو منظومة من المواقف والمواجهات مع الوجود ، وإنما في الأسلوب نفسه: المنقسم والمنشق في مفارقات أساسية رصدنا منها في مطلع تقديمنا هذا بعض المظاهر: كالمجاورة بين المشخص والمجرد ، التعبيرية والإشارية ، الغنائية اللونية والسرد ، ويربط ذلك كله رابط قوي من النظرة (الهندسية) التي تتعامل مع السطح التصويري كمساحة ، تتناغم الكتل والألوان فوقها ، وتخلق إيقاعها بالتوزيع المدروس الذي يستثمر فضاء اللوحة وخلفياتها معاً ، وفي الحالة هذه نبتعد عن العفوية الساذجة التي تلازم الغنائية أو التعبيرية المباشرة. ففي لوحة (حكايات الليل) – مثلاً – نجد البناء عمودياً. والأشخاص يحتلون وسط اللوحة ، لكنهم دون ملامح إنهم بشر فقط ، أو إشارة مختزلة لبشر يعانون مفارقاتهم أو انشقاقاتهم ويصارعون وجودهم ، إن إخفاء ملامحهم أمر معتمد ، كأنما للقول بأن معاناتهم أكبر من أشخاصهم ، وإن دلالاتهم أهم من وجودهم المتعين على السطح ، هكذا تمنح الحداثة الأسلوبية فرصة إبراز المعاناة ذاتها ، فلا تهمنا هنا الملامح الشخصية أو التفاصيل الفوتوغرافية بقدر الإشارة ذاتها.
النوافذ والقمريات هي مصدر النور الوحيد في (حكايات الليل) – عنوانها- يحيل إلى الجنس مباشرة ولكن بشاعرية وجمالية خاصة .. ولكن ثمة مشروع للقاء جسدي وسط اللوحة ، علينا كمشاهدين إذن أن نلاحظ حاشيتين من العمارة تحفان بالمرأة في الأعلى، والرجل والمرأة في الأسفل ، فكأنما الأشياء هي إطار داخلي لذلك اللقاء الجسدي.
إن الرسام الحديث يقوم بإعلاء القيم الجسدية ، عبر الترميز الإيروتيكي العالي ، فيخرج من مجرد لقاء جسدي مكرر (رجل / امرأة) إلى رصد ما يشبه النداءات أو الدعوة لمحبة خاصة ، يطوع من أجلها اللون نفسه لخدمة الإشارة الجسدية ، التي تختزل الإشتهاء والمحيط الإيروتيكي كله لصالح إهمال (الجسد) كموتيف وتفاصيل ، حيث لا نجد حكيم العاقل يهتم بتفاصيل الجسد ، أو باللقاء الجسدي كمشهد بصري فحسب ، بقدر اهتمامه بالدلالة التي يحملها ذلك اللقاء والإشارات التي تبعثها أجساد الأشخاص وموقعهم السردي في اللوحة.
إن لتمويه الملامح مقصود في المعرض لتأكيد الدلالة الإنسانية والوجودية والذهنية للقاء الجسدي. وهذا التمويه يمتد ليشمل الأشياء أيضاً ، كالنوافذ والجدران والثياب وحتى المرأة نفسها كموضوع ، نراها دوماً في حركة إخفاء لا تحيل إلى الحياء أو التواري عن النظر مناظرة لموقعها الاجتماعي المهمش ، بقدر إحالتها لوجود جمالي رمزي بدليل الحزن الذي يتجسد على وجهها وانحباسها داخل مساحات ترمز إلى الجدران أو العزلة والوحدة التي تعانيها داخل ذاتها أيضاً.
في لوحة (حوار زمني) يختزل الحزن الذي يرتسم على وجهي المرأتين كل ما بينهما من فرق: الشباب والشيخوخة ، فالمرأة في الحالتين واحدة: حزنها هو سمتها أو علامتها الفارقة. هنا ستغدو خطوط الثياب أشبه بقيود حول الرقبة والرأس والوسط. وستؤكد ذلك الخلفية الصفراء كوجود خرجت منه النساء إلى ثبات أو تحجر مشهدي يرمز إلى واقع تعانيه المرأة.
وفي لوحة (مفارقات ذهنية 2) تظل المرأتان في الوسط ، ولا تخفي جماليات الثياب ومرجعيتها المحلية أو الستائر التي تغطي الأجساد أي ملمح من ملامح الانكسار .. فالوجوه الرجالية الأربعة تغرق في عماء لوني لا يهب انكسار المرأة أي عون ، ويظل وجود الرجال الهامشي ترميزاً لقلب المعادلة الواقعية: المرأة هنا تعني المركز سردياً ، والرجل يرضي بالهامش أو الحاشية لأنه مقهور هو الآخر.
إن تفسيرات القراءة هنا مستمدة من الذهن أصلاً ومن الترتيب السردي لعناصر اللوحة. إن تلك العناصر لا تصطف أو تتنضد بعفوية أو انسياب تلقائي عبر اللون أو تفاصيل الموجودات ، بل نراها تتجاور وتتقاطع بهندسة أحسب أنها مقصودة تماماً ، وهذا هو الجديد في معرض حكيم العاقل. إنه يدعونا لمشاهدة ذهنية إذا صح التعبير ، ويساعدنا على قراءة لوحته المحتشدة بالتفاصيل في الوسط والجوانب ، وفي الأعلى والأسفل ، وفي مقدمة اللوحة وخلفياتها ، حتى لتغدو بعض المشاهد السردية الجانبية أشبه بلوحات مستقلة متكاملة.
في لوحة (استحضار المكان) – مثلاً- يمكن للوجود الزخرفي أسفل اللوحة أن يشكل عملاً مستقلاً وكذلك المستطيل البارز يسار اللوحة أو وجود النسوة في يمين اللوحة من جهة المركز الوسطي .. إلى جانب الوجهين الذكورين في الأسفل .. تلك تفاصيل هندسية متوزعة يمكن ملاحقة وجودها مجتمعة أو مستقلة. وهو أمر دفعنا إلى تشخيص الروح الجدارية أو مؤثرات الحرفة والتخصص في هذا المعرض.
·    الأسلوبية الحديثة واستثمار اللون كقيمة تعبيرية وجمالية
لا يزال الاحتفاء باللون قائماً لدى حكيم العاقل ، ليس لإنجاز جمالية بصرية مترفة أو تعبيرية ساذجة ، بل لاستكمال جو السرد والإيحاء بطقوس أو أجواء معينة تكمل المشهد.
 إن بياض الأيدي مثلاً في اللوحة (لا) و(مفارقات ذهنية 3) هو نوع من انحياز رمزي لما تمثله المرأة وتعبير جمالي مهم عن معنى وجودها في الحياة ذاتها. إن حركتها في هاتين اللوحتين هو تعبير عن توقها أو حنينها لمغادرة موقعها الاجتماعي إلى مكانها في الوجود ، كقيمة جمالية أساسية. هنا يصبح اللون بجماليته المؤثرة عاملاً إضافياً للسرد نفسه ، وذلك ما يفعله حكيم وهو يغطي وجوه نسائه وأجسادهن بالبراقع أو الستائر أو العباءات التي تحل محل الجسد نفسه (استحضار المكان). لقد وهب اللون معنى إضافياً لوجود المرأة داخل العمل ، فكانت تجذب المشاهد إلى مركز الرؤية والسرد بزهاء اللون وتعبيريته الأخاذة وانفجارات الأحمر الذي لم يخفف من اشتعالاته وجود الأخضر في حواشي الثياب ، كما أن الوجوه ذاتها مغيبة وهي ليست أكثر من ألوان تمحو الملامح.
في المشاهد المحيطية يعطينا اللون إضافات زخرفية. ذلك ما سنراه عند معاينة اللوحتين (بين البيوت) و(حضرموت) فالإيقاع فيهما قائم على تكرار مقصود للفراغات التي يصنعها وجود النوافذ والقمريات الشاحبة وسط كتلة معمارية قاسية. إن التكرار يمنح وجوداً ضوئياً للألوان ويساعد على إنجاز تناظر ذكي لا يخلق مللاً من التكرار بقدر ما يخلق إحساساً بالشجن الذي يبعثه الوجود الضوئي للون ، وسط عتمة الجدران وخلاء الوحشة المعمارية التي توحيها الكتل القاتمة المتطاولة للبيوت ، دون وجود للبشر أو الإحساس الإنساني داخلها. لقد أنجز حكيم لوحاته بمساحاتها الكبيرة عبر تقنية لونية خاصة وهو يستخدم الزيت بكثافته وقوته ليخلق على قماش لوحاته هذا الاحتدام الذي يعكس مفارقات الذهن أو انشقاقات الكائن وتناقضاته .. وفي عمل ذهني كهذا يصبح من الصعب إيجاد المفردات التشكيلية المناسبة لتجسيد ذلك المنظور الرؤيوي ، لكنني أزعم بعد معاينة اللوحات وقراءتها أن حكيم العاقل نجح في خلق ذلك التعبير الذهني وطور رؤاه التي أوصلها في معارض سابقة لعل أقربها إلى معرضه القائم الآن هو معرض (يوميات المدينة) كإنتقالة واضحة إلى رصد الوجود الخارجي بعيداً عن غنائيات الذات وتعبيراتها المباشرة ، ووسائلها الأسلوبية المبسطة.
·    التفكير والتعبير: من الأعمال إلى سطوح اللوحات
  ستقودنا لوحات حكيم العاقل في معرضه الماثل إلى رحلة في أعمال فنان يتأمل ذاته لا كوجود منفصل بل كذرة سابحة في فضاء العالم .. لها من دقتها وذريتها ميزة الرصد والمراقبة والتأمل .. المعراج من كهف الروح ودهاليز الوعي إلى سطح اللوحة المعبر عن تلك الاحتدامات والهيجانات التي تتلبس اللون والشكل ، وتتمثل عناصر العمل لتعيد تمثيل واقعة الحياة المحيرة: بمفارقاتها وانشقاقاتها وتنازعها ..
ولعل ذلك هو أكثر ما يمكن أن يعطيه الفن التشكيلي المعاصر لمتلقيه لكي يورطه في لغز الحياة ، ويثير فيه مكامن التأمل بدل أن يجعله مستلماً – كما هو الشأن في الفن التقليدي – ومشاركاً خارجياً تصده الألوان وحدود التشخيص ومحاكاة المرجع الخارجي عن فعل القراءة التي تعيد إنتاج العمل وتأويله وسد ثغراته ..
وبهذا المعرض يكون حكيم العاقل قد دخل بالفن التشكيلي اليمني المعاصر إلى مناطق التأمل الذهني التي لا يغدو فيها البصر وسيطاً ناقلاً فحسب ، بل فاعلاً ومتفاعلاً مع أشد لحظات كينونة الإنسان وصيرورته ، حساسية وحرجاً ودقة.
صنعاء
آذار 2002م
 
 
الأثر والمحيط
 في رؤية التشكيليين العراقيين الشباب
 
في دليل معرضها الشخصي السادس (أيقونات المحيط) بغداد 26/10/96 تتساءل الفنانة التشكيلية هناء مال الله وهي بصدد الحديث عن (التأسيس الجمالي وحركة التحقيب والتجييل) وبعد أن تستعرض بعض المفاصل التحولية في الأسلوب والرؤية عبر متابعة تاريخ تأسيس وظهور الجماعات الفنية والأجيال في الرسم العراقي:
"إذن وبعد هذا التاريخ الفني المتراكم مباشرة فوق تاريخ قديم موروث ، هل نستطيع أن نجتاز حداثتنا الخاصة نحن ما يطلق علينا جيل الثمانينيات أو التسعينيات" ؟
وعبر هذا التساؤل تتلخص المفارقة أو المغايرة التي يحسبها الفنانون من هذين الجيلين وهم يرصدون المحصول التشكيلي العراقي الممتد باتجاه التجمعات الأولى التي أسسها فائق حسن ثم جواد سليم وشاكر حسن آل سعيد وجماعة الرؤية وصولاً إلى الحروفية والجماعات الأقل عدداً كجماعة الأربعة ، وسلسلة معارض التسعينيات تحت عنوان تجارب جديدة … وهم بذلك يحددون موقعهم من حيث الصلة بالجيل السابق والأسبق أيضاً .. أعني جيل الرواد ومعاصريهم ثم تجارب الستينيات المتمثلة في نتاج ضياء العزاوي ورافع الناصري ومحمد مهر الدين وأقرانهم.
إن الحنين إلى الاصطفاف الجيلي لا يبغي الاعتراف بالوجود على المساحة التشكيلية بقدر البحث عن (هوية) أسلوبية ذات ميزة خاصة ، تبرر وصف أصحابها بأنهم جيل ، وإلا فماذا يعني الاصطفاف الجديد . وما مبرراته ؟
في ظني أن ما تهيأ لجيل الثمانينيات والتسعينيات من الرسامين العراقيين يتلخص في الاستقرار الأسلوبي للحداثة الذي تركه الجيلان الأشد تأثيراً في الرسم العراقي وهذا يعطي مبرراً للتواصل كما يثير مشكلة القطيعة بوصفها سمة معرفية وليس عداءً أو اختراقاً تقابلياً ضدياً ، وذلك يتيح لأفراد هذا الجيل أن (يختار حداثته) سواء بالمعنى الأسلوبي واقتراح معالجات ورؤى تشكيلية وطرق جديدة ، أو بالمعنى الموضوعي تأسيساً على إعادة صياغة الوعي بمفردات الواقع وصلة الفنان بها ، كقضايا الحرية والفرد ، والصلة بالمدينة والمحيط ، والموروث الفني الرافديني والعربي والإسلامي والعالمي وغير ذلك..
هنا تبرز أسماء محددة ضمن هذا الجيل كتمثيل للحساسية الأسلوبية الجديدة              (إذ لا يمكن بالطبع جرد الإسهام التشكيلي كله في بلد كالعراق) ، ومن هذه الأسماء:   هناء مال الله وفاخر محمد وكريم رسن وغسان غائب وحيدر خالد ونديم محسن ونزار يحي وإيمان علي وهيمت محمد علي ورحيم ياسر وعلي المندلاوي وعمار سلمان وسامر أسامة ومحمود العبيدي وغيرهم ، حيث شكل حضورهم إضافة لتجربة هذا الجيل الذي شمله التبدل المرجعي والمؤثر المعرفي وخضع لإغراء تيارات أكثر حداثة ، وجاذبية صورية بفعل التراكم الإنجازي السابق عليهم ، وإطلاعهم على تجارب الحداثة العربية والعالمية واستيعابهم للموروث المحلي والعربي والإسلامي ، فضلاً عن إشارات المحيط والبيئة والفن الشعبي ، وانشغالهم بالنظريات الحديثة في الثقافة عامة والرسم خاصة ، ويتوفر هؤلاء على مؤثرات مباشرة من تيارات الرسم العراقي ذاته لا سيما في بداياتهم كتجارب المدرسة البغدادية والبعد الواحد وإنجاز شاكر حسن ونوري الراوي ورافع الناصري ومحمد مهر الدين ، وحتى البيانات النظرية والتجمعات الفنية        (جماعة بغداد ، جماعة الرواد ، واقعية الكم ، الدعوة الحروفية وسواها..).
صحيح أن الميل للاصطفاف كتجمعات لدى رسامي هذين الجيلين ليست بالقوة التي ظهرت فيها تجمعات الرواد ومن تلاهم ، لكن الاصطفاف والتجمع والاجتماع حول القناعات التحديثية واقتراح موضوعات جديدة وأساليب ورؤى فنية مغايرة أو مطورة يمكن أن تعد هي القاسم المشترك لتجاربهم مع وجود بعض التجمعات والجماعات      (لعل أبرزها جماعة الأربعة التي شكلها فاخر محمد وعاصم عبدالأمير ومحمد صبري وجسام محمد عام 1982 واستمرت حتى عام 1990) ، وكذلك اجتماع الرسامين الشباب حول مشروع العرض المعروف في التسعينيات باسم تجارب جديدة أو (شابة) ونشاطهم في ندوات مركز الفنون ومعارضه وعبر نشرة (الرواق) التي حررها سعد القصاب القريب من تجربة الشباب ورؤاهم. من هنا كان الاصطفاف يمتلك امتيازاً على التجمعات التقليدية ، فهو غير ملزم للفنانين كأية أيديولوجيا أو فكر رسمي للجماعة ذات البيان والقوانين والالتزامات ، كما أنه يحافظ على خصوصية كل فنان وحريته في البحث والتوصلات الشخصية على مستوى الأسلوب والموقف من الموروث والمعاصرة والتحديث ..
وكعلامات بارزة في تجارب هذا الجبل سنختار عينات نقترب من تجاربها للتمثيل على ميلاد مناخ أسلوبي ورؤيوي جديد في الرسم العراقي.
(1)  هناء مال الله: إشارات المحيط وأيقوناته:
تمثل تجربة الفنانة هناء مال اله (ذي قار 1958) كفاحاً شخصياً حقيقياً يتنامى من الدراسة المنظمة لسنوات عدة (معهد الفنون / كلية الفنون/ الدراسات العليا) ، والبحث النظري والنقدي الشخصي ، ومجالات التشكيل المختلفة: (رسوم الأطفال / الجرافيك / التخطيطات بالأسود والأبيض / الرسم الزيتي) مع ما يصاحب ذلك من تبدلات أسلوبية وتحولات في الرؤى والمواقف والقناعات..
إن مرحلة التشخيص والرسم الأكاديمي المتميز بالدقة والقوة ومماثلة الشخصيات وتمثيل الموضوعات بشكل مباشر خلال مرحلة التخطيطات بقلم الرصاص ولأغراض صحفية أولاً ، تطورت إلى معرض خاص عام 1987 قد أكسبتها جمهوراً عريضاً ووضعتها أمام مسؤولية الاستمرار والتطور ، وهي التي لم تكن تعد الرسم وسيلة تواصل ممكنة مع الآخر مكتفية بتجاربها وقراءاتها وتخطيطاتها ..
لكن قوة جهازها المعرفي والثقافي ستهبها منظوراً جديداً تمثّل في معارضها اللاحقة التي خرجت فيها على آلية التخطيط وبراعة الخط وقوة الأشكال ، لتنتقل إلى رهافة أسلوبية مدججة بموضوعات ذات خطورة ، ربما كانت سابقة على زملائها في ملامستها ؛ كالمكان وصلة الإنسان والفنان به ، فكان معرضها (بغداد: جغرافية وبشر) إشارة تحول وانتقال فكري وأسلوبي.
وأذكر أننا حين كنا نهيئ لتقديم معرضها تراكمت لديها دراسات مطولة لم تتردد في نشرها في كتيب كدليل للمعرض وهي دراسات تراقب عملها الفني وتكشف انشغالاتها النظرية وحدوسها وأحاسيسها ، وهذه الدراسات تكشف قناعتها بالفن المحيطي ورؤيتها لوجود اللون عنصراً متعيناً في اللوحة ، وربطها لذلك كله بما اسمته (التنقيب داخل الوجود) و(اكتشاف المحيط وتوثيقه) وبذلك أضافت للمحيط عدة أبعاد:
الأول وجودي: يتصل بفكرة المحيط وإسقاط الوعي والشعور عليه لإعادة تشكيله أو (اكتشافه) و(توثيقه) ليس بالمعنى المهني للتوثيق بل من زاوية إدراك الذات له وتمثلها أولاً.
والثاني زماني: يتصل بتاريخية المكان وزمانيته ومروره عبر الحقب بتحولات وتبدلات تصبح مناسبة لعرضه ضمن تلك اللحظات المتغيرة وهو جزء من مهمة (التوثيق) المعدّلة والمطوّرة فكرياً …
والثالث مكاني: يرتبط بالاكتشاف والغوص في جزئيات المكان وهو (بغداد) في حالة معرضها المشار إليه ، وقد دل العنوان على رؤيتها للمكان الآهل أي المسكون بالبشر ، وما يضيفون إلى وجوده من خصوصية..
ويمكن استطراداً أن نتحدث عن بعد رابع هو البعد الفني للمكان ، وهو يتصل بجمالياته من وجهة نظر الرسامة ذاتها ، واختيار نقاط تماسها مع المدينة ومفرداتها البغدادية حاضراً وماضياً ، لإعادة تمثيلها فنياً على السطوح التصويرية لحظة إنجاز اللوحة ..
كانت هناء تراقب الأرصفة وصفوف الأشجار ولون السماء والأرض والقباب والمنائر وانحدار المياه الأبدي في دجلة وضفتيها وعبق تاريخها وما يتطاير مع اسمها من رنين ذهبي (عصر بغداد الذهبي زمن الرشيد) ثم أماكنها التراثية والدينية وفنونها وجدرانها وصولاً إلى إشاراتها ورموزها المحتشدة وعاداتها اليومية ..
في هذا المعرض تتوصل هناء إلى أن إشارات بغداد ورموزها (ليست هي المدينة الحية مثلما ليست الجثة " الجسم" هي الجسد الحي " الحياة" ) ويذهب بها ذلك إلى السؤال عن نقطة إدراك المدينة وتمثيلها فنياً من بعد.
إنها لا تريد استضافة (المرجع) – بغداد تحديداً – ليتمدد على مساحة اللوحة المخصصة أصلاً لترجمة الإدراك فنياً ، إنها تريد تدمير المحيط نفسه لصالح ولادته الجديدة على سطوح التصوير ، لذا فهي تلاحظ "أننا نتبادل مع الوجود المرئي المتعين كماً هائلاً من الإشارات والرموز والشفرات والدلالات والأثر .. إذن من الممكن أن تكون اللوحة السطح المؤهل لتوثيق هذا التبادل الأثري – من الأثر".
وبهذا الوعي ستنجز أعمالاً عن بغداد تتحرر فيها من الروح التقليدية في الرسم والرؤية المتحفية للأشياء ، أي أنها تحررها من وجودها النصي كأثر شاخص ، إلى الوعي بها كوجود متحقق وقابل للتشكل ثانية ، لذا وصفت بحثها عن (بغدادها) بأنه إقامة لمدينة يوتوبيا مضادة بتعبير ميشيل فوكو حيث الموضع يتسع باتجاه مواضع متعددة ، ويكون المكان الذي نحيا فيه متغاير الخواص ، رغم أنه ينتزعنا من أنفسنا ويظهر تآكل حياتنا وزمننا. إنها تصنع متاهة حادة الخطوط لتصورها الخاص لبغداد القديمة المدورة والمسورة ، وتبالغ في شكل الدوائر تجسيداً لدورات زمنية عديدة مرت على بغداد عبر التاريخ ، وذلك يتكرر في التوافق والتعارض بين وجود الكاظمية – مثلاً – بقبابها الذهبية المتقشفة في مسجد الكاظمين تعبيراً عن قدسيتها ، وتكدس البضائع ولمعان الذهب الزائف في أسواقها.
وفي معرض لاحق (إيقونات المحيط) بغداد 1996 ستلاحق هناء فكرتها عن إشارات المحيط لتتحدث عن شفرات (codes) و(أيقونات icones) كجزء من علامات محيطية تترافق مع التخلص من ثنائية الشكل والمضمون (أو المعنى) وذلك يستتبع يقينها     "بدخول المحيط بمستوياته المتراكبة والمتجاورة كبنية أساسية في هيكلة العمل الفني" وبذلك تعلل ظهور " الاستعارات المحيطية ضمن جغرافية اللوحة".
هذا الوعي المتطور بالمحيط سيرافقه إنجاز لوحات تتحرر بخطوات أبعد من جغرافية المكان كتضاريس وطوبغرافية ، وتستنجد هناء بإنجاز الفنان العراقي القديم الذي (اختزل) المحيط وأشكاله المرئية بتشفيرها وتحويرها ، إدراكاً منه بأن ليس ثمة شكل نهائي أو (استقرار شكلي) للمرئيات .. وإدراكاً من الفنان المعاصر أيضاً بأننا " نتسلم المحيط بدون تراتب أو تنظيم" وهذا يتأكد في معرض سابق لها هو (قيافة الأثر) الذي يترافق مع ما أسمته الفنانة (وثائق زيارة المتحف) فلقد كان المتحف يمثل لها حافزاً "للبحث في زمان العمل – الأثر الفني .. واكتشاف الزمان في المكان" وهذا ما تمثله (قيافة الأثر) كمفهوم مكاني وزماني يشبه الطروس الكتابية التي تناسخ بعضها كأثر كتابي ، وتلك محصلة وعي الفنانة الخاص وبحثها المتميز في دلالة المكان وزمانيته أيضاً.
هكذا حفلت مرحلة (الأثر وإشارات المحيط) لديها بتحويل اللوحة إلى سطح تحتشد فيه الإشارات وتتعالق (من العلاقة) كما تؤدي وظائف هندسية حين تتوزع ككتل على سطح اللوحة ، مغتنية باللون الذي صار أكثر رهافة وشاعرية في هذه المرحلة ، مع شيء من أثر الحروفية التي يشجع على الاقتراب منها: الاهتمام بإشارات المحيط وعلاقاته .. لاحقاً ستعرض هناء مع شاكر حسن وبضعة زملاء في عمّان (1997) عدداً من أعمالها في معرض خاص (بالمحيط والبيئة والأيكلوجيا) في الفن العراقي ، وفي شهادتها المنشورة في دليل المعرض تصرح مرة أخرى بأثر المحيط وغناه واحتشاده بالإشارات ، مما يشجع على إنتاج " عمل فني مفتوح الإنجاز مع المحيط بكل تأثيراته ، وبه يصبح كل إنجاز مع الفنان والمشاهد مجرد لقى داخل موقع اسمه المحيط" .
إن تجربة هناء مال الله تمثل المحصول المنتظر من (حالة البحث) الدائب معرفياً وأسلوبياً  إن رؤية أعمالها في أواخر التسعينيات لا تعطي أي انطباع بصلة ما مع رسوم الثمانينيات وتخطيطاتها ومرجعياتها وأسلوبياتها.. تلك التي مثلت مراحل أولى في مسيرتها الفنية.
(2) فاخر محمد: الخليقية المعادة في فكر أسطوري
مع رسوم فاخر محمد (بابل 1954) تستحضر الذاكرة النزعة الخليقية التي حاول تكريسها في معارضه في الثمانينيات وأوائل التسعينيات التي أتيح لي مشاهدتها ، فهو يستلهم مخلوقات الأسطورة والرموز والموروث الشعبي المكاني والاعتقادي إلى جانب طاقة المخيلة لاستحضار حيوانات ومخلوقات غريبة تصبح داخل أعماله ذات وجود رمزي وعلامي ، مما جعل زميلته ومجايلته هناء مال الله تقول في تقديمها لمعرضه الخامس (بغداد 1997) إن تلك الرموز والعلامات " مؤسسة سابقاً في المنجز العراقي القديم ومطورة لاحقاً في الفن الإسلامي" وهي تلمس الحقيقة في تشخيص المرجع الفكري والفني لعمل فاخر محمد الذي يطور ذلك عبر إنجازه الفني الخاص ، ذاهباً بالمشاهد إلى عوالم أولى تستريح بطيبة وتلقائية ، وكأنما وهبها وجوداً سحرياً أو ميثولوجياً رغم احتفائه باللون واحتشاد اللوحة بالأشكال المشجعة على البحث عن خيط سردي (حكائي) ينتظمها ، وفي مرحلة لاحقة يطور فاخر محمد تجربته ليجعل اللوحة تقوم على بناء خلفيات داكنة بينما تتوزع الأشكال في مساحات مقسمة بتناظر هندسي في زواياها الممكنة وكأنه بذلك يخلق تفاصيل أو لوحات مصغرة داخل العمل نفسه.
وربما ناب عن الأشكال فضاء لوني مجرد يقتسم مساحات العمل الهندسية بالتساوي لتحقيق فراغية خاصة ممتلئة باللون فقط ، المعبر هو الآخر عن استحواذ الفن الخليقي وفكر الأسطورة الشعبية على رؤية الفنان.
إن فاخر محمد يلون بطريقة تقترب من المخيلة الشعبية ، وهو ما يدفع هناء مال الله لتشخيص معاملته للمواد الخام والسطوح المحسوسة "كأساطير" تبدأ منها اللوحات وليس من الموضوعات أو الأشكال والصور الخارجية ، وأما اللون فتصفه بأنه نوع من (الاحتفال بالذات) أي أن استخدامه اللوني يظهر اللون المحتفل بذاته كصبغة ومن تضاد (وأحياناً تناغم) هذه المساحات اللونية يتشكل العمل المحيل في إحدى درجات أثره في المتلقي إلى الصناعات الشعبية والمنسوجات المحلية..
لقد تآزرت في أعمال فاخر محمد مخيلة عفوية وحرية قصوى لاستعادة سحر المخلوقات الأولى أو المخيلة مع حرية تنفيذها داخل العمل بلون عفوي وشكل أو حجم تلقائي ، مما يهبها من بعد وجوداً خاصاً تكتمل به دوافع الأسطورة والرمز الشعبي المهيمن.
 
(3)غسان غائب: جماليات العمل الفني
في أعمال غسان غائب (بغداد 1964) والتي تيسر لي مشاهدتها يمكن ملاحظة هيبته أو تردده من (امتلاء) اللوحة ، والخوف من احتشادها ..
غالباً ثمة مساحات لونية فارغة تناظر بتوزيع ذكي ذلك الاحتشاد الكتلوي للألوان في مساحات مجاورة لها. وهو من أكثر زملائه استخداماً للزيت على القماش ، وهو كتقنية يسمح بتقديم رؤية لونية رتيبة أو إنجاز عمل فني (رسمي) رغم التجريد الذي سيطر عليه منذ بواكير عمله الفني ، وارتاح له كأسلوب تنطلق فيه الرؤية لتعبّر عن نفسها بعناصر غير تقليدية وأساليب متجددة بعيداً عن حرفية التعبير ومباشرته.
تعطي أعمال غسان وهو الذي بدأ عروضه منذ منتصف الثمانينيات انطباعاً بسيطرة الفرشاة على السطوح وطواعية المواد الخام لها .. كما أن إيقاعية اللون تتكرس كأثر في المشاهد الذي لا تأخذه النزعة التشخيصية مثلاً لتأويلات وتفسيرات يتضاءل إزاءها بناء اللوحة وموسيقاها اللونية .. تلك الأشكال القائمة على اللون وتكتلات الخطوط ستجعل المشاهد وهو يدمج أفق تلقيه الجمالي مع الهم الفني لغسان غائب ، يتنازل عن مطالبه بوجود متعين أو أشياء وأشكال محددة ما دام اللون والخط يهبان له ما يريد الفنان أن يوصله.
ولا تخفى على عين المشاهد قدرة غسان غائب على إتقان مواد العمل والسيطرة عليها ، وشاعرية رؤيته التي تخلق إحساساً مفعماً بالرضا والسلام ، وهو يريح عينيه في فضاءات اللون وتشكلات الخطوط ، والإيقاع الخاص الذي يعكس ما يسميه الفنان في شهادته المنشورة في دليل معرض (المحيط والبيئة) "محيطي الداخلي" منبهاً إلى (المعاني الإنسانية المجردة التي يحملها) وعلاقتها بجوهر الأشياء وعمقها لا بمظهرها وسطحها..
 وأعتقد أن التجارب الثلاث المقدمة هنا كعيّنات تقوي الاعتقاد بما أضافه الرسامون الثمانينيون والتسعينيون للفن العراقي عبر احتكاكهم بموضوعات خطيرة كالمحيط والموروث والإشارات والتناغم اللوني المجرد ، وعبر أسلوبياتهم المتقدمة والمتحولة على الدوام.
  
 
(كائنات) في رحم أسطوري وفضاء خيالي
 
سيكون العنوان في هذه القراءة الجمالية لتجربة الفنان المصري الدكتور/حمدي عبدالله إشكالياً دون شك ،  فهو متسع عن حدوده كعتبة تعارف بين القارئ وهذه القراءة ، أو ممتد إلى ضفاف وشطآن مرجعية تسمي نفسها وتعلن عن هويتها استباقاً وابتداءً.
لا بأس. فضوء العنوان سينير لقراءتي أولاً طريق سيرها وهي تستقرئ مئات التكوينات والتخطيطات والرؤى البصرية للفنان ، والذي يوسع هو ذاته مدى الاحتكاك البصري بأعماله ، كما يمدد تاريخية الذاكرة وينشطها لاستذكار المراجع والمؤثرات الفنية المتمثلة والمعاد تمثيلها في تلك الأعمال.
إنه يجسد بتلك الأعمال سمة من أبرز سمات الفن المفاهيمي ، أعني اختلاط الثقافي بالتشكيلي ، والأسطوري بالمعاصر ، والواقعي بالخيالي ، وانصهارها لإنتاج عمل ماثل في زمن آخر جديد.
ثمة إذن (كائنات) في رسوم حمدي عبدالله ، لكنها (متحولة) ، وعلى المشاهد تعقب كينونتها وتحولاتها أيضاً ، فلا غرابة أن يعود بذاكرته إلى تحولات كائنات أوفيد الأسطورية في كتابه الشهير (مسخ الكائنات) حيث – ومنذ بدء الخليقة – لم يكف الإنسان عن تصور كائنات متحولة – متناسخة أو ممسوخة – عن بعضها ، وعلى الفنان – والمشاهد بالضرورة – أن يضع تلك الكائنات خلال فعل التحول ، ضمن سياق ذلك الفعل ، فيتصور وضعها الخليقي ، أي ما تخلّقت أو تحولت عنه ، متقمصاً خيال الإنسان البدائي نفسه ، صانع تلك الإشارات الخليقية ، ومفترضاً دلالات تلك الإشارات، ومستحضراً مدلولاتها أيضاً. وبالاحتكام إلى المرجع الخليقي أو البدئي ، سوف يستنفر المشاهد – كما فعل الفنان نفسه – خبرته أو ذخيرة بصره وثقافته ، لكي يحل شفرات تلك الخلائق والمخلوقات المتحولة ، ويتعرف على موضعها الإشاري الجديد الذي جلبها إليه الفنان برؤيته الفكرية وإنجازه الفني دون الانحباس عند مرجعها التاريخي (الفرعوني) أو المحيطي (الشعبي) .. وعلى المشاهد في وضع التلقي هذا أن يستعين بخبرته الجمالية لمعرفة البدائي أو البدئي الخليقي على مستوى البناء الفني للعمل ، فالأمثل في هذه الحالة ولتوصيل تلك الإشارات الخليقية ، التحرر من أبعاد العمل التقليدي ، وعناصر البناء المكررة والسائدة ، واللجوء إلى (عفوية) و(بدائية) - وأنا أتجنب مصطلح: فطرية – ترقى إلى احتواء تلك الإشارات والرؤى والأخيلة .. وتغوص في دلالاتها وإيحاءاتها .. بهذا يستطيع المشاهد أن يحقق تواصلاً بصرياً مع أعمال الفنان ، ويجني متعة بصرية كذلك.
فالكائنات المصطفة على بياض الورق تجعله ممتلئاً بما تكتنز من طاقات رمزية تحف بوجودها وتحولاتها معاً ، وسوف يناسب ظهورها في جدل الفراغ والامتلاء ، البياض والسواد ، وأن تكون حرة في التنفيذ والأداء ، كما كانت حرة في تشكلها الأسطوري ، ورحمها الذي جاءت منه حتى وصلت إلينا ..
إن هذا ليس دفاعاً عن منهج فني محدد أو أسلوب معين ، وليس تصويتاً للبدائية واستدعاء العفوية ، وهجران الأكاديمية ، وانضباط النسب والعناصر والتوافقات والتعارضات في البناء الفني للوحة ، بل هو تكريس لما أفهمه من مصطلح (الحرية) الأسلوبية للفنان ، فهي عندي ليست باللحاق أو اللهاث وراء آخر التجارب والأساليب الحداثوية ، بل في إطلاق طاقة الروح ، وتسخير اليد لتشكيل رؤاها في تلك اللحظة الإبداعية ، بصدق ودون محددات سابقة .. وأنا أزعم من خلال مشاهدتي لتلك الأعمال التي تتكدس أو تتراتب أو تتقاطع أو تتنضد وتصطف على الورق ، أن حمدي عبدالله عثر على (تراثه) الخاص ضمن الإرث الفني لبلاده ، بدءاً من الفن الفرعوني برهافة خطوطه ، واهتمامه بالموضوع إنشاء وسرداً ، حتى طوطميات وخرافات البيئة ونتاجها الميثولوجي ومعتقداتها الشعبية وإشارات المحيط واكتنازه بالعلامات والرؤى ، ومن هذا المزيج الثري والانتقاء الذكي لمفرداته ، أفلح حمدي عبدالله في أن يضع تراثه الخاص ضمن تراث بلده وبيئته ومحيطه في (فضاء خيالي) ليتناسب وضعه عند الإنجاز الفني مع وضع كائناته عند تخلقها وتشكلها الأول ، فأطلقها – كما أطلق خياله – في فضاء شاسع ومرتفع ، صار مكاناً مناسباً ليطير فيه طائره الأثير أو إشارته الخاصة أو ختمه الشخصي في جوانب من أعماله: ذلك الطائر الجميل والمتحول والشامخ بكبرياء – لا يخلو من ألم أحياناً.
في الحضارات القديمة ، لعب الطائر دوراً مهماً في تمثيل الخوف من الموت والصراع معه والانتصار عليه ، هكذا تصطف نسور مدينة الحضر شمال العراق على أفاريز المعابد والبوابات والأسوار والجدران وفوق الأبواب ومحاريب العبادة .. كما كان لطائر الغراب دور مهم في قصة الخطيئة الأولى حين أرشد الإنسان لكي يدفن الميت تحت التراب ، وصار رمزاً أيقونياً يتطابق التشاؤم منه مع لونه الأسود الفاحم وصوته الناعق (سيتخذه الفنان العراقي علاء بشير لاحقاً ليكرره في مرحلة معينة ضمن أعماله الزيتية).
لكن طائر حمدي عبدالله يتماهى استناداً إلى تحوله مع صورة الشخص أي يتشخص كالإنسان في تكوينات وأوضاع متنوعة ، وكأنه يؤدي مهمة سردية ، يعّبر أو يقص أو يعلق أو يستكمل غياباً مقصوداً في أعمال الفنان التي تجرح رغم رهافتها ، فاعتمادها الخطوط الخارجية وإيحاءها الانطباعي الأول بالسلاسة والنعومة ، سوف يتحول هو أيضاً إلى حدة وقوة وفعل صادم بمجرد استكمال المشاهدة ، ومعاينة التناظر المقصود والمنفذ باللونين الأبيض والأسود.
وإذا كانت تكوينات الأعوام 94 و 95 والرسوم الخطية الأولى تكرس تلك الرهافة والفراغ ضمن حدود الخطوط الخارجية الدقيقة والفراغ المتحصل من هندستها ، فإن الامتلاء القادم وحضور الحبر الأسود بكثافة سيزيد من احتشاد التخطيطات اللاحقة المنفذة في الأعوام التالية بشكل تصاعدي ، وكأنما يخضع الفنان ليقين جدلي أو صراعي متزايد ، يزيح ذلك السلام أو الأمان (الظاهري) في تخطيطات الأعوام الأولى، ويدخل مقتحماً الفراغ بمزيد من الأشكال الخليقية المصاحبة: حيات وأسماك وديدان ونباتات ورؤوس ووجوه مموهة مستكينة للبياض والفراغ .. وحاضرة بقوة الخيال واللاوعي ورؤى الطفولة .. ومع هذا التقدم الرؤيوي سيزيد الفنان من الخطوط الداخلية هذه المرة فيسوّر أو يسيج (ولا أقول : يسجن) بعض الكائنات داخل خطوط حرة وعفوية ، كأنما لتجعلنا ننادي حرية ذلك الطائر بعرفه الطويل المتدرج ومنقاره الطويل الممتد كإشارة بديلة للكلام أو الغناء.
وسوف تتصاعد وتائر الصراع اللوني (أبيض/ أسود) (فراغ/ امتلاء) لتتسع اللوحات أو الرسوم التخطيطية إلى (تكوينات) جديدة تعبر عنها رسائله الكونية وهي عبارة عن (112) تكويناً ، لا تحمل – كعادة الفنان دائماً – أية عناوين ، بل تكتفي بالأرقام المتسلسلة ، تأكيداً لوحدة الرؤية والمعالجة ..
في هذه الرسائل الكونية أو التكوينات الأخيرة سنرى اختفاء الخطوط الخارجية المرهفة والاستعاضة عنها بكتل وحجوم أقرب شكلية إلى المنحوتات ، وهي تسبح في سواد حبري كثيف. ويبرز الإنشاء الموضوعي بوضوح في هذه الأعمال ، حيث تتوزع المساحات والأشكال والشخوص بهندسة مقصودة ، تسمح بقراءة سردية حرة: من الأعلى للأسفل ، ومن اليمين لليسار ، وبالعكس أحياناً كثيرة.
ورغم هذا التحول المساحي والتلويني والكتلي يتكرر الطائر وهو في حالات مؤثرة ، لعل أشدها تأثيراً ما نراه في تكوين رقم (38) حيث تلتف حوله أفاع كثيرة وتمتد إلى الخلفية السوداء التي يستريح جسده عليها ، ويمكننا أن نرصد نظرته الحائرة بإزاء شكلين عموديين يناظران وجوده ويقتسمان معه العمل.. ستظهر أيضاً السمكة والأشكال الجنينية داخل البيضة وأشكال العرائس والتعاويذ والرقى الشعبية والكائنات الخليقية الأولى في أشكال ديدان وعقارب، وحيوانات أسطورية متنوعة الأعضاء .. لكن الطائر يظل بؤرة للسرد ومركزاً للفعل والصراع.. فكأنه السارد الداخلي أو الراوي المشارك في السرد الحديث.. لقد صار الطائر  السارد الداخلي أو الراوي المشارك في السرد الحديث.. لقد صار الطائر إشارتنا .. وسرت عدواه إلينا ، فرحنا نتعقب صراعه مع الأفاعي  والكائنات المبهمة، ونراقب وجوده وسطها ، ونحس هذا الوجود ونخشى فقدانه أو غيابه بالموت أو التحول..
ولعل هذا أقصى ما يطمح إليه فنان.. أن ينقل (الأثر) كالعدوى إلى مشاهد يشاركه التفكير بالخلقية الأولى وما يتهدد وجودها، ويحدد حريتها.. كالموت وفقدان الحرية والإرادة..
وأحسب أن ثمة إنجازاً أخر- يجب أن نشير إليه في الختام، وهو نجاح الفنان في أن يصنع لمسته الخاصة أو ختمه الشخصي،كما قلت، بعيداً عن توصيفات العجالة المدرسية الجاهزة كالسوريالية ، رغم التقائه معها في هجران البناء التقليدي للعمل الفني، بدءاً من الخامة الأولية حتى التنفيذ والبهرجة اللونية والأصباغ، مكتفياً بإيحاءات الأبيض والأسود، وتضادهما وتوافقهما، في موسيقى لونية خاصة، وإيقاع شاعري مؤثر، لا يعيق التفكير بما يفكر به العمل نفسه ، وما يحمله من مؤثرات ثقافية ، وتناص مع المعارف والمفاهيم والنتاجات الروحية المتمثلة في حضارات المنطقة.
وقد سمّينا منها الأساطير والرموز وإشارات المحيط ومعتقدات البيئة، مؤطرة برؤية خاصة هي التي نشغّل العمل كما تحرك المشاهدة في الوقت نفسه.
    صنعاء
مايو/ 2003م
 

 

المشهد التشكيلي اليمني المعاصر
قراءات وتوقعات
 
أتيح لي ومنذ أيام وصولي الأولى لصنعاء أواخر عام 1995م أن أواكب عروض الفنانين التشكيليين اليمنيين ، وأراقب تجاربهم مشاهداً ومتابعاً ، وحصل لي يقين عبر هذه الأعوام مؤداه أن ثمة (قطيعة) زمنية (وأسلوبية بالضرورة) تحكم نسغ الشجرة التشكيلية في اليمن عبر غياب التجارب الأولى الضرورية كتمهيد تأسيسي أو ريادي ممتد في الزمن ، لأن اعتبار الفنان هاشم علي مؤسساً للتشكيل اليمني المعاصر وهو اعتبار مناسب ومستحق ، يرهن لحظة انطلاق التجارب التشكيلية واندماجها في أفق المعاصرة ثم التحديث في وقت واحد ، وهو أمر نادر الحدوث قياساً للسيرة التشكيلية في البلاد العربية الأخرى التي شهدت مراحل ممهدة تتسم بأعمال الهواة أو الأجانب أو طلاب الفن ..
رغم ذلك فقد كانت انطلاقة هاشم علي وتأثيره في طلابه والوسط الذي أتيح له معايشته، ذات أثر تأسيسي وإن كان يرجع إلى الستينيات كتحديد زمني ، وقد سد مرسم هاشم علي واحتضانه لطلابه النقص الملحوظ في القدرات التشكيلية أو مواطن الدراسة المنظمة – وهي لا تزال حتى الآن غائبة بالمناسبة – ولن تستكمل إلا بسفر بعض الفنانين للدراسة في الخارج (فؤاد الفتيح ، عبدالجليل السروري ، سعد مبارك ، عبدالجبار نعمان) من الجيل الأول ثم سفر فنانين آخرين نذكر منهم (ناصر عبدالقوي ، سعيد علوي ، ياسين غالب ، حكيم العاقل ، آمنة النصيري ، هاني الأغبري ، إلهام العرشي ، أحمد بازبيدي ، عبدالعزيز إبراهيم ، طلال النجار ، صبري الحيقي ، داود راجح ، عبدالحميد جحاف ، كمال مقرمي ، محمد وائل ، أحمد بامدهف ، إخلاص منصور ، علي الذرحاني ، عبدالله عبيد ، فؤاد مقبل..) وعودة بعض الفنانين المغتربين للوطن (مظهر نزار ، ريما قاسم..).
ولكن الفنانين اليمنيين لم تجمعهم نقابة أو جمعية فاعلة ، أو جماعة فنية (باستثناء تجربة أخيرة لجماعة الاتيليه آمنة وطلال وريما ومظهر) وظلت معارضهم الجماعية موسمية أو ذات طابع مناسباتي ، كما أن مثابرتهم لإقامة المعارض الشخصية ظلت غير متحمسة أو متواترة ..
وإذا رصدنا ملاحظتين حتى الآن هما:
1-   افتقاد العمق الريادي أو الممهد للحركة التشكيلية في وقت مبكر.
2-   غياب الدراسة المنظمة داخل الوطن والاستعاضة عنها بالدراسة في الخارج.
 فإن ما سيترتب على ذلك هو نقص الوعي بالفن لدى المتلقين بسبب غياب العاملين السابقين.
ونصل عبر ذلك إلى ضعف الصلة بالفنانين الأجانب (خلاف ما حدث في العراق ومصر والشام مثلاً) وظل النشاط الوحيد – ربما – هو تأسيس (الحلقة الدولية) التي تعثرت منذ أعوامها الأولى (تأسست عام 96) كما توقف المطبوع التشكيلي الوحيد (تشكيل) الذي ترأست تحريره الفنانة الدكتورة آمنة النصيري (عام 1998) واندمج في الحركة التشكيلية فنانون بدأوا هواة وجاءوا من حقول دراسية غير تشكيلية (مثل: أمين ناشر وعبدالفتاح عبدالولي) أو دارسون للفن داخل اليمن جنوباً وشمالاً (عدنان جمن، وعبدالرحمن السقاف، وصالح الشبيبي)وبعض الهواة غير المنضوين في دراسة محددة (كمحسن الرداعي ، وعبدالغني علي الذي درس لدى الفنان هاشم علي).
ولاشك أن هذا الحشد من الأسماء وبعد تزايد صالات العرض منذ أسس فؤاد الفتيح أول        صالة عرض في صنعاء ، يعد بنشاط تشكيلي متنوع الرؤى والأساليب ، لكن وجود الفنانين في بيئات ثقافية معزولة عن بعضها وافتقاد التفاعل المطلوب بينهم ، جعل الحركة التشكيلية موسمية وغير فاعلة رغم المشاركات الكثيرة للفنانين اليمنيين في السنوات الأخيرة في معارض خارجية عربية وأجنبية ..
يضاف إلى جوانب الإشكالية غياب النقد الفني الذي لم يخرج عن إطار المتابعات الصحفية السريعة للمعارض ، وبعض الأعمدة الثابتة لآمنة النصيري (التي وسعت دراساتها النقدية والجمالية في السنوات الأخيرة) وحكيم العاقل في الملاحق الثقافية والمجلات ..
لكن المتابع يستطيع رصد بعض الأسلوبيات الواضحة في أعمال الفنانين اليمنيين من أبرزها عكوفهم على استلهام البيئة والمحيط والطبيعة اليمنية متنوعة الأجواء جبالاً وودياناً وبحاراً ، وبعض جماليات البيت اليمني القديم (الصنعاني خاصة) بتفاصيله لا سيما الأبواب والمطارق والشبابيك والزجاج الملون (القمريات) والجدران وكذلك مظاهر الريف ومدرجاته الزراعية وذرى الجبال المتناهية في الارتفاع فضلاً عن الظواهر الثقافية الممثلة في الثياب والخناجر والوشم والحلي والعباءات والنقوش والرقصات وغيرها ..
لكن التيار الواقعي القريب من الفوتغراف مع بعض اللمسات الفنية في التلوين والأوضاع وزوايا النظر قد سيطر على جهود الجيل الأول بسبب الدراسة في روسيا وجمهوريات الكتلة الاشتراكية السابقة حيث يسود المذهب الواقعي في الرسم وهذا واضح في أعمال السروري ونعمان وفي أعمال الشباب مثل: سعيد علوي وداود راجح وفي الرسوم الأولى لطلال النجار وحكيم العاقل (الذي سينتقل إلى أسلوبيات أخرى لاحقاً) لكن فؤاد الفتيح وكما في أخر معارضة عام 2001 وهو معرض استعادي متنوع (رسم – جرافيك – نحت ..) قد أكد تطويره لتلك الواقعية بخصوصية أشرت إليها وأنا أقدم معرضه      (بين الأمس واليوم) صنعاء 1996 ، فهو لا يقف عند موضوع البيئة ومفرداتها التقليدية بل يستلهم ثقافة المحيط واستيعاب روح الموروث للمنطقة واليمن وتكريس ملامح شخوصه ذات السمات الأفريقية المنتمية إلى أجواء البحر وأساطيره مركزاً على الخطوط الخارجية ودقة الأجساد ورهافتها معتنياً بالتفاصيل الدقيقة (الثياب ، والإشارات المحلية، والحيوانات والطيور والأسماك ، وأجزاء البيت اليمني ذات الطبيعة المعمارية الخاصة) كما يتعامل مع مواد هذه البيئة كتجربة الرسم على الشواقيص (الشبابيك بالغة  الصغر) واستخدام الألوان الشعبية الدلالة كالأزرق في مرحلة من مراحله والأحمر المعبر عن العنفوان والاندفاع للحياة ، مع العناية بتعبيرات الجسد والوجه لا سيما في شخصية المرأة التي تبدو عنده ذات جمال وإغراء مع شيء من الحزن أو الحنين للخروج من واقعها وأسر تقاليده مرمزاً لذلك بوجود الطير في اللوحة أو الحصان أحياناً.
فالمرأة في حالة سكون ومراقبة دائماً رغم جمالها الظاهري تعبيراً عن المحددات التي تتعرض لها ، كما أن التقنية اللونية الواضحة لدى الفتيح في جرأته وتنوع ألوانه وحدّتها هي انعكاس لعمق تجربته ومداها الزمني ، مما تأكد في أسلوبه المميز الذي استراح له وارتضاه في مسيرته الفنية.
ويهتم أمين ناشر كذلك بوجود المرأة غي اللوحة رمزاً للحياة ذاتها وقد خصص أحد معارضه (حواء في الذاكرة) صنعاء 1996 لهذا الموضوع ، وقد طور ناشر تجاربه بالنزوع إلى الأعمال الجرافيكية فترة من الزمن تركت ظلالها على أعماله المتسمة بلمسة طباعية تقرب من التجسيد الحاد.
ولعل دراسة أمين ناشر الهندسية ثم إيغاله في تجريب الرسم الطباعي تدفع إلى تلمس الخطوط ذات الوجود المركزي في أعماله ، فهي تتعامد أو تتقاطع أو تتوازى مناظرة البيئة اليمنية ذاتها وتزينها المساحات اللونية التي استخدمها الفنان بجرأة وقصدية واضحة. وفي أعمال كمال المقرمي تشدنا أيضاً المساحات اللونية التي تستلب البصر تعويضاً عن تمويه الوجوه وإخفاء الملامح ، فيما يتم التركيز على أوضاع الشخوص وحركاتهم كما في (امرأة جالسة) مثلاً والتي قد يحيل عنوانها لعمل شهير لبيكاسو تتضخم فيه المرأة كناية عن الانتظار (أصابع اليدين والقدمين المتضخمة) لتتوافق مع نظرة المرأة الناضحة بالخسران والإعياء ، لكن نساء المقرمي ذوات الأبعاد التكعيبية والغارقات في لونية صارخة لا يبدو الانفعال على سيمائهن سواء أكن صغيرات أو شابات أم عجائز ، ولا يظل للمشاهد إزاء هذا الغياب سوى الانتباه للسرد الذي يبدأ من العنوان وتقصي دلالات اللون والثياب والحركة ، وهو يخضع لمؤثر التكعيبية حتى وهو يرسم موضوعات محلية مثل (قمريات) و(باب اليمن). وتظل لأعمال المقرمي جمالياتها الخاصة فهي تدعونا لموضوعها بفنية عالية وتضادات لونية تجمع بين التحديث وبناء اللوحة الحر ، وبين الحس الشعبي (الشرقي) وبهرجة اللون كجزء من ثقافة المحيط.
وهذا التأثر بالأسلوب العالمي نتيجة الدراسة والثقافة نراه في أعمال فنانة شابة هي    ريما قاسم التي تأخذ دون تردد أشكالها وخطوطها من بواطن اللاوعي والأحلام ، مما يناسب التكوينات ذات الطابع السوريالي في أعمالها المتسمة بتكرار المتاهات والأجساد المحورة. وبذلك تكرس أسلوباً شخصياً يدل عليها بمجرد معاينة أي من أعمالها ، وفي ظني أن ذلك سيكون في مرحلة راهنة فحسب في مسيرتها الفنية ، إذ لا أشك في أنها ستدخل مناطق تعبيرية أخرى بعد الخروج من كوابيسها القاسية التي تنسحب على إنجازها أيضاً ، وتترك الشعور بأنها تكرر موضوعاتها وأشكالها كثيراً .
ولكن فناناً أخر أطول منها تجربة هو مظهر نزار العائد لوطنه بعد فترة نشأته ودراسته في الهند سوف ينجح في المواءمة بين ما اختزنه هناك وما شاهده بصرياً وعايشه بعد عودته. وهو غزير الإنتاج يتراوح بين أسلوبيات متعددة ، لكن الموضوع الشرقي وما يبثه من سحر وغرابة هو المسيطر على أدائه لا سيما في معارضة الأولى التي اعتمد فيها الكولاج لدرجة تطعيم اللوحة بمواد بيئية من بينها قطع ذهبية حقيقية وكأنه يريد تأكيد مناظرة الحياة وواقعها ، وعبر رموز أثيرة لديه كالحصان ووجوه النساء المعصوبة أو المغطاة .. في حنين لإنجاز تعبيرية تحقق له البوح مع المحافظة على درجة من التوصيل والفهم للمشاهد..
ويوازي ذلك احتدام المؤثرات واشتباك الموتيفات والرموز ، ويرافقها تنوع تقنياته التي لا يكف عن تنويعها فهو يستخدم (المونو برنت) فترة ثم يعززها بالكولاج وبعض المائيات والحبر الصيني والباستيل والزيت ، وفي المواد الخام يستخدم كل شيء من الورق والخشب والقماش ليحقق تجريداً شاعرياً يطابق أفكاره ورؤاه ، وكأنه يوازن بين الحداثة والموروث ، لا سيما في تفجير القيم الدلالية للألوان الضاجة في أعماله والتي أكسبته خصوصية مميزة بين زملائه.
ويقدم شاعر ورسام راحل هو عبداللطيف الربيع أمثولة لحوار المرسوم والمكتوب ، فهو يستفيد من تجربته الشعرية وكتابة القصيدة الحديثة لينجز ما أسميته في نقد معرضه الاستعادي بعد رحيله (تعارضات التوافق) ومن أهمها تعارض أدوات الشاعر والرسام، وحقائق الموت والحياة ، والحرية والقيود ، فهو بقدر ما كان يذكر الموت بجرأة واستباق مصيري غريب في شعره ، كان الربيع يحاول مطاردة الموت عبر الحزن المبثوث في لوحاته والمتحقق في غنائية شجية لألوانه وأسى شفيف لموضوعاته وشخوصه.
وفي إحدى لوحاته تظهر جثة حيوان ميت وأجزاء مدماة من جسده بتشريح شديد وتفصيل ، مؤكد بينما اصطفت النسوة النادبات حوله في صفين في عمق الخلفية وبألوان غامقة معماة ، كي لا تظهر الوجوه التي لم تعد تعني شيئاً إزاء حقيقة الموت.
وفي وضع كهذا يغير الربيع أسلوبيته ولا يتوقف عند نزعة محددة ، فهو يميل للتجسيد والتشخيص في بعض أعماله ، إلى جانب الشاعرية والاختزال والرمزية في أخرى ، بينما تظهر ثقافته واضحة في تجارب التلصيق (الكولاج) حين يجعل بعض المخطوطات اليمنية القديمة بدل أوراق الصحف أرضية تستريح فوقها الألوان والدهان اللامع ، إلى جانب بعض المعالجات الجنسية في أعماله المختزلة والمشيرة بشاعرية ورهافة.
وهذا التنقل الأسلوبي يسم أغلب رسامي اليمن المعاصرين كناية عن عدم استقرارهم     (أو قناعاتهم) عند أسلوب محدد أو خاص. وهذا ما تجده في تجارب رسامين آخرين مثل حكيم العاقل في مراحله الأولى وحتى لدى هاشم علي كما بينت في الدراستين المستقلتين عنهما في هذا الكتاب.
لكن تجربة طلال النجار توحي – بين زملائه – باستيعاب المؤثرات والتنقل الأسلوبي بشكل مدروس .. وقد تيسر لي رؤية متواليات للوحاته نفذها مؤخراً تكشف عن هم ثقافي يجعله يتجاوز التشخيص في مراحل سابقة (وهو يجيد البورتريت بشكل لافت لا يضاهيه فيه ربما سوى زملائه المعروفين بذلك مثل سعيد علوي ، وداود راجح ، وكذلك عبدالجليل السروري ، ونعمان من الجيل الأسبق).
وفي رسومه اللاحقة يحاول طلال النجار استثمار سطح اللوحة لبناء شاعري مدروس وحس لوني مرهف يوجهه السرد ونقل تفاصيل الموضوع مع اهتمام بالأسطورة والرمز ومحاولة إثراء اللوحة بمفرداتها وقد تنبهت أيضاً لتجربة رسام من الجيل نفسه هو ياسين غالب المتسم بقلة نتاجه ومعارضه لكنه كما تدل رسومه الأخيرة في حالة تطور وتخطي لمراحله الأولى حيث سادت القيم اللونية معظم أعماله واقترب من حداثة التجريد مع المحافظة على إيحاءات ودلالات تعقد ألفة بينه وبين مشاهده .. حيث تختزل بعض المفردات كالأبواب والجدران والوجوه المموهة كثيراً من الدلالات التي تعززها الألوان الحادة وذات الملمس الناتئ نتيجة معاملتها بأدوات حادة بديلاً للفرشاة فيما أعتقد...
ومن التجارب الحديثة والمستمرة تستوقفنا تجربة الناقدة والفنانة آمنة النصيري التي سنفرد لها قراءة خاصة لمناسبة أخر معارضها المقامة في صنعاء.

 

آمنة النصيري: تحولات الأسلوب والرؤى
 
تصلح تجربة الفنانة والكاتبة الدكتورة/ آمنة النصيري للاستشهاد لأكثر من جانب في جوانب إشكالية الفن التشكيلي العربي المعاصر ومشكلاته الأسلوبية والرؤيوية معاً .. وهي توغل في بحثها المضني أسلوبياً وفكرياً عبر أعمالها:
-   فهي تثير (مشكلة) الموازنة بين التنظير والنقد والتحليل ، وتمثيل العمل الفني ، ضمن جهاز نظري معرفي ضاغط يسير بموازاة تجربة الرسم وإنتاج العمل ، وافتراضات زحف القناعات على الإنجاز ، أو تأثير التأمل والفكر في إيقاف الجانب الحرفي أو التقني ، والتردد الأسلوبي بفعل هيمنة الوعي بالعمل على تلقائية (أو حرية) تنفيذ الرؤى على السطوح التصويرية ، أو تحويلها إلى مختبرات تلي التأمل النظري المجسد لوعي الفنانة بجماليات الفنون وفلسفتها بدءاً من لحظة التصور حتى لحظة التلقي والقراءة والمعاينة البصرية المحفوفة بمؤثرات ثقافة البصر السائدة ..
-   وهي تستحضر الإنجاز التشكيلي النسوي ومساءلته كأي نص عاكس لدرجة الوعي بالهوية النوعية للمرأة ، وتضمينه همومها والظروف الضاغطة التي تندرج ضمن (محددات) التجربة الإبداعية النسوية (كما في الأدب مثلاً) ، فالتشكيلية العربية تتوزع تجربتها بين ملاحقة الحداثة الأسلوبية من جهة ، وتأكيد ذاتها النسوية وخصوصيتها من جهة ثانية ، إضافة إلى المشكلات الخاصة بفن الرسم ذاته (أدواته وظروف إنتاجه وحاجاته العضلية ومساحاته وعرضه ..) مما لا يمكننا إغفاله عند مشاهدة (أو تقييم) تجارب التشكيليات العربية بدرجات متفاوتة (اجتماعياً من بلد لآخر ، وثقافياً من مستوى وإعداد ، ونوعياً ضمن فنون التشكيل المختلفة كحاجات النحت الخاصة مثلاً وكذلك السيراميك والحفر وغيرها ..).
-   داخلياً وضمن تجربة النصيري الخاصة ، يمكن للمشاهد المتابع رؤية الحيرة الأسلوبية وتحولات الرؤى التشكيلية التي كانت تجسدها في معارضها الستة السابقة على معرضها الأخير (كائنات) صنعاء 2003 ، وقد أكدتها هذه المرة بحدة انتقالاتها وهاجس التجريب الحر لديها .. فهي تراوح بين نزعة تشخيصية وحنين تجريدي ، وبين العودة لمنابع الطفولة وموضوعاتها ، واستلهام الموروث الشعبي والجانب الرمزي الأسطوري في الفكر عامة ، وذلك يطبع أسلوبيتها بالتردد بين احتواء الموضوع فنياً وصهره بعناصر اللوحة لا سيما الخطوط والألوان ، وبين عرضه كموتيف فكري أو ذهني يسجل موقفاً من قضايا الوجود والحياة ببعدها الواقعي .. لكن النصيري ووسط هذا الاحتشاد بالهم الأسلوبي والرؤية الموضوعية أو المضمونية ، ظلت تحاول عبر تجارب معارضها السابقة أن تنمي نزوعها الصوفي أو التقشفي الذي انعكس على شخوص أو كائنات رسومها (أحياء من أنواع مختلفة: بشر وحيوان وشجر) حيث أضفت عليها سمات التأمل أو العمق الدلالي بوجودها رمزياً على السطح التصويري ، وأفاد إيغالها في الترميز إلى انتزاع الدلالات الرمزية وطاقات الإيحاء في أشكالها وألوانها حتى اقتربت – كما أكد معرضها السابق ذاكرة اللون – من الرسوم البدائية ورسوم الأطفال في حس مرهف وخطوط شاعرية وأشكال مبسطة تسبح كلها في فضاء لوني عفوي وشفاف ، تمثل في هيمنة التلوين على تلك التجربة إزاء تراجع العناصر البنائية الأخرى في اللوحة ..
وفي معرضها الماثل للمعاينة (تكوينات) يتكرس اتجاهها اللوني واحتفاؤها بالأصباغ كمركز بؤري في تنفيذ الأعمال ، مع ميلها إلى إعطاء سمة براقة للأوان التي ربما أجرت لها عملية دهان (ورنيش) بعد الانتهاء منها مما أعطاها بعداً شعبياً أو بدائياً ، يؤكد احتفاء الإنسان عبر بريق اللون ولمعانه بما تكتظ به أعماقه من مشاعر وهيجانات عاطفية متباينة.
لكن ذلك لم يمنع تكريسها للنزعة الرمزية في اتجاهها الرؤيوي الأخير ، حيث قدمت أشكالاً لحيوانات مؤلفة الأعضاء والأجزاء خارج أبعاد المنظور التقليدي للأشكال ، فذيول الحيوانات مثلاً في حالة حركة دائماً نحو الأعلى وبشكل أفعوي أو شكل أغصان متقصفة أو معقوفة تقترب من الوجه الذي يحمل كذلك (وهو في حالة استدارة باتجاه الذيل) صفات أفعوانية أو يوحي بها .. استمداداً – ربما – من قصة الخطيئة الأولى أو من أساطير مسخ الكائنات. ويبدو لي أن الأعمال الأخيرة للفنانة وهي تستخدم مادة الأكليرك على القماش والنسيج أكدت اهتمامها بصنع (لوحة) بالمعنى الحرفي بعيداً عن اتجاهات الكولاج والرسم على الورق وبمواد مبسطة كالأقلام والمائيات ، لصالح ترسيخ العمق أو البعد الرمزي للأعمال ، فالأساطير والرموز الخرافية ذات المصادر المتعددة: ميثولوجية أو شعبية أو ثقافية تستحوذ الآن على تفكيرها ، وكأنها تبحث في جماليات مضمونية للخير والشر ، للجمال والقبح ، للوجود والعدم ، ولكن عبر (كائنات) خليقية أولى لم يستطع الإنسان تدميرها وهو ينتقل من (الطبيعة) إلى (التصنيع) ومن الفضاءات الرمزية إلى الحقائق الثابتة والنهائية .. لعل قراءتي تلك سوف تفسر إحتفاء آمنة النصيري باللون وفق الحس الشعبي الذي نعلم أن له تراتباً خاصاً وإعادة إنتاج لدلالة الألوان بعيداً عن الدراسة الأكاديمية للون وما يصنعه من تضادات أو توافقات ، أي أنه يمتلك إيقاعية خاصة في الموروث الشعبي يناسب طاقة المخيلة التي ولفت مثل تلك الحيوانات متعددة المصادر .. والتي تلعب فيها الأحلام والمخيلة دوراً إضافياً. والاحتفاء باللون مسيطر على الخلفيات التي تغرق فيها الأشكال والشخوص والأشياء ، مما يعطى – ويرسخ – الانطباع الأول بهيمنة اللون على عناصر اللوحة الأخرى .. وربما كان ذلك مناسباً للحظة إنجاز الفنانة أعمالها وفق رؤيتها الرمزية الأخيرة ، فالأشكال الخليقية الأولى ونتاج المخيلة الشعبية تتوافق مع هذا العصف اللوني الحاشد الموحي بسديم أو فضاء تتخلق فيه الأشياء وتأخذ وجودها ، سواء أجاءت – هندسياً – وسط اللوحة أو أسفلها أو تطل من إحدى زواياها العليا .. إنها تختزن الخطوط والألوان الشعبية التي تحفل بها المنسوجات والأغطية والفرش الشعبية بما تحمل من حرية وبساطة وإيحاء بالبهجة اللونية وامتداد الخطوط لا كأسيجة أو حدود خارجية مجردة بل كأجزاء من متن العمل ذاته.. وهذا التماهي بين الموضوع والشكل يتأكد في جعل العمل داخل دوائر أو مربعات شبيهة بالتعاويذ أو الأوفاق الشعبية. ويترافق ذلك مع استعارة إشارات المحيط وخطوطه التي تمثلها الأسهم المتعامدة أو المتقاطعة والأشكال الأخرى (مربعات ومثلثات ودوائر) إذ تمتلئ عبر اللون ولا يظل لها وجود هندسي مجرد قد يشجع عليه فراغها أو بياضها .. وسيجد المشاهد عناية خاصة بالأطر وما يعنيه وجودها كأجزاء نصية تساعد على فهم أجواء العمل ، والتقاط روحه الخفية في الداخل .. الأطر هنا ليست إضافات توضع آلياً بعد الانتهاء من اللوحة وتؤدي ما يؤديه التزجيج مثلاً في (تقديم) اللوحة وعرضها. بل هي – أي الأطر- امتدادات وأحياناً بدايات للعمل ذاته ، هكذا يكون الإطار (عتبة) مشاهدة وجزءاً نصياً لا يمكن عبوره دون التوقف عند دلالة اندماجه بالعمل ذاته .. وهو يشير كذلك إلى (فيض) رمزي أشبه بالفيض الصوفي الذي تبثه الروح إلى ما حولها ، فتتماهى الأشياء ببعضها: الكائنات ومكوناتها ، الألوان ودلالاتها ، الأعمال وإطاراتها وتتحد لتتخذ وجودها الذي نراه. إن آمنة النصيري تقدم أعمالها الخمسة والعشرين تحت عنوان واحد هو (كائنات) يشمل الأعمال كلها فكأنها بذلك تحجب عن هذه الكائنات (وجودها) أي آسمها الخاص ، لتدمجها في كون اللوحات ووجودها الجديد الذي تهبأ لها ضمن المجموعة.
ولاشك أن الرؤية هنا من حيث منطلقها الكوني وإيمانها بأزلية الوجود الإنساني والطبيعي تحاول تجسيد شموليتها وسيرورتها الأبدية ، عبر إلغاء فردية العمل أو خصوصيته ليندرج في سرد طويل تمثله الأعمال مجتمعة ، كما أن وجود الإنسان ذاته – والمخلوقات الأخرى التي ألفها وعايشها وأعطاها معناها – هو وجود كوني ، ذرى قياساً إلى ما حوله، وجوهري قياساً إلى صلته به ، أي أنه يأخذ مما حوله معنى وجوده الذي لا معنى له بدونه .. وعندها ليس ثمة حاجة للتسمية أو وضع عنوان لكل عمل. لقد أسميت المؤثر الأهم في تجربة آمنة النصيري في مناسبة نقدية سابقة بأنه(ثقافة المحيط) بما يحمله من إشارات إيكولوجية ودلالات زمانية أيضاً بكونه – أي المحيط – ممتداً في بعد زمني متراكم ، لا مجرد حيز مكاني. ويزداد اعتقادي بوجود هذا المؤثر عبر معاينة معرضها الأخير الذي تتأكد فيه نزعة الفنانة إلى السرد أو الحكي بالمصطلح العربي القديم (كما في حكايات كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة ..) وبهذا الأسلوب تتنضد أو تصطف عناصر السرد لتؤدي فيه المخلوقات دلالة رمزية ، بناء على ما اختزنه المشاهد في ذاكرته عنها (قوة وجمالاً، أو ضعفاً وقبحاً يساوي الخير والشر في المعنى الأبعد).. انتقالات كثيرة إذن يدلنا عليها المعرض الأخير لآمنة النصيري ، وتجاربها في الرسم في السنوات الأخيرة ، وكذلك أطروحتها التنظيرية حول الجسد والرمز وتبدلات الأسلوب والمشغلات الثقافية للعمل الفني .. وذلك تصويت لصالح تجربتها التي تضمر وعداً باستثمار الثقافة والحرفة معاً ، بتعزيز من رؤية فكرية وأسلوبية واضحة النضج ، مما يسمح للمشاهد المتتبع لأعمالها بأن يراهن على مناطق تعبيرية وأسلوبية جديدة ستدخلها الفنانة خلال معاناتها المخلصة والخالصة للفن ، والمهمومة بالعثور على شخصية أسلوبية مميزة لم تستقر بعد (أو تستسلم) لمدرسة أو منهج فني أوحد أو أسلوبية محددة ، كي تظل رؤاها ، كما كانت كائنات معرضها الأخير ، تنعم بحرية وسلام وعذوبة سرعان ما تسري عدواها كأثر للتلقي إلى مشاهدها ، حتى وإن كانت علاقتها بتلك الصفات علاقة غياب ، أي بإنتاج غنائيات عذبة تستدعي تلك القيم الغائبة ، أو تبحث عنها من خلال اللون الضاج ، والحجوم التي اتسعت في تجاربها الأخيرة ، وموادها التي تنفذ بها العمل.
ولا شك أن المضاف من وعيها النظري وإدراكها الجمالي كمشتغلة في البحث والنقد والتنظير سيضيف بدوره لرؤاها التشكيلية ، وأسلوبها في عرض تلك الرؤى في لوحات وأعمال فنية..
      
خاتمة:

عن مصير المقترحات التشكيلية العربية

 
لا يمتلك الباحث والمشاهد في أية قراءة للواقع التشكيلي العربي إلا السؤال عن مصير المقترحات التشكيلية سواء أجاءت بشكل بيانات ودعوات أو تجمعات وجماعات أو محاولات تجريبية في الرسم والتنظير الفني ..
هنا سيكون على الذاكرة أن تستجمع على مدى المسيرة التشكيلية العربية بعض المفاصل المهمة التي تجسد الإشكاليات السائدة في الخطاب التشكيلي العربي.
وسنحاول لمساءلة مصير تلك المقترحات وقراءة إنجازها أن نوجزها في نقاط تمثل أبرز ما فجرته في الذاكرة الفنية من حوار أو تساؤل:
-   فقد كان في مقدمة تلك المفاصل سؤال الهوية: أو أي أسلوب فني أكثر ملاءمة لإنجاز فني شخصي أو محلي ، لا يتنازل عن موروث المنطقة الفني ، ولا يدير ظهره له .. وإذا كان الفنان عراقياً أو يمنياً ، مصرياً أو لبنانياً ، مغربياً أو جزائرياً، فهو بحاجة إلى الانتباه لموروث وطنه عبر الحقب التاريخية ، وهو ما يمثل ضغط معرفي في حالات كثيرة لفنانين عرب تسلحوا بجهاز نظري ضخم عبر الدراسة (أو المشاهدة) في الخارج ، ثم عادوا ليجدوا خزين بلادهم الأسطوري والفني ومنجز ماضيهم الحضاري والتاريخي وهي تشكل إغراء وتحدياً في الآن نفسه لتجاربهم التي تتكون وتتخلق في ذلك المناخ المحتدم من الصراع بين الذات والآخر..
-   وهذا الموروث يمتد ليتسع ويتوسع من الوطن أو البلد ليشمل تراث العرب والمسلمين في المنطقة ، وهو تراث مشترك يمثل بدوره عنصر جذب لتجارب الرسامين وأسلوبياتهم ..
-   كما تتقدم البيئة لتعرض ثقافتها وخصوصياتها التي تشتد الحاجة للإفادة منها ، لا لإبرازها وتمجيدها وتأكيد الانتماء إليها فحسب ، بل لامتصاصها وهضمها كمؤثر ثقافي ومعرفي وفني تحتويه اللوحة وتعيد تمثيله بشكل فني مؤثر.
-   وإذا كانت البيئة والموروث المحلي والإسلامي جزءاً من مكونات المسيرة التشكيلية العربية المعاصرة والحديثة ، فإن التراث الإنساني بدوره – وفي مجال الفن والأسطورة خاصة – سيشكل رافداً من روافد التجربة التشكيلية العربية وداعياً قوياً لتضمين تلك المنجزات الإنسانية في عمل معاصر ذي أثر في المتلقي ..
-   ولا شك في أن التجربة الطويلة للرسم الغربي عبر مراحله كلها وحتى الحداثة وما بعدها قد أفرزت أساليب ورؤى وقدمت منجزاً وعملاً لا يمكن للرسام العربي أن يتجاهلها تحت أية لافتة أو قناعة ، وهو ما سيمثل جانباً من أزمة أسلوبية تثيرها الفجوة بين تواضع إنجازنا العربي وتنوع أساليب الغرب وتعددها..
وإذا كانت تلك بعض مصادر الأزمة أو الإشكالية في جانب واحد هو المؤثرات أو مكونات الوعي بالرسم كأداة توصيل فنية وإبداع خلاق ، فإن التكون المعرفي الذي يخلق الوعي بالموضوع والفكرة والرؤية الفنية السابقة للإنجاز هو الآخر موضع إشكالية كبرى، إذ يخضع الرسام العربي لسيل جارف من النظريات والرؤى والفلسفات التي تحدد الصلة بين الفنان وواقعه ، وبينه وبين المتلقي ، وبين رؤيته والعالم ، وصلته بموضوعاته وسبل تمثيلها فنياً ، وغير ذلك ..
وهنا يتحتم على الفنان اختيار طرق توصيله لقناعاته واعتقاداته التي ستكون محركاً لرؤيته المتشكلة على أساس ما حوله من الرؤى وأفكار.
-   وتهب على الفنان العربي رياح أخرى تضعه أمام جوانب إشكالية مضاعفة أخرى هي فرضيات نظرية ملحة وأساسية منها: صلة الرسم بالحياة ومدى انعكاسها فيه أو ترميزها وتجريد دلالاتها ، ومنها صلة الرسم بالأيديولوجيا أو الفكر السياسي والاجتماعي ، وبالثقافة السائدة وموضوعاتها القائمة ، وما يتبع ذلك من استحقاقات تبرز حتى في اختيار مواد الرسم ، أو طرق العرض ، والصلة بالجمهور والنقد ..
-   وقد حاول التشكيليون العرب عبر رحلة المنجز الفني المتحققة أن يسربوا أو يهربوا هذه الجوانب الإشكالية عبر صنع مقترحات بديلة ، هي في جوهرها انعكاس لتلك الأسئلة في الحقيقة ..
فالمقترح الحروفي مثلاً لا يمكن قراءته كاستلهام لجماليات الحرف العربي واستضافة وجود الحرف في اللوحة بعيداً عن دلالته الكتابية أو معناه ، ولا الاستعانة به كحلية أو زينة بل لإثراء اللوحة بإيحاءات تراثية تمثل البحث عن حافز روحي يضيف للعمل الفني المعاصر بعداً فكرياً ، يقلل من نزعة التلوين أو حرفة الرسم الخالصة المجردة من المؤثرات الثقافية ..
لذا لم يتسع أثر الحروفية كما قدر لمقترحات أسلوبية أخرى ، وظل استخدامه التقشفي والروحي محصوراً في ثلة من الرسامين ذوي الرؤى الروحية والمشغلات الثقافية الخالصة.. إن مهمة التحديث في الرسم تبدو لي أحياناً – خلاف الشعر والقصة مثلاً – مهمة فردية، يبحث فيها الرسام داخل عمله وبدافع وعيه الخاص ، ليصل إلى قناعة ذاتية. وهذا يفسر مقترح شاكر حسن آل سعيد مثلاً في الدعوة إلى البعد الواحد وسلسلة رسوم ضياء العزاوي للمعلقات ، أو تجارب القريشي وبلكاهية في الرسم على مواد جلدية أو استخدام الرقش ، وكذلك تفجير جماليات الجدران واللجوء إلى التلصيق ، والعودة أحياناً إلى الطبيعة البشرية ضداً للتصنيع والتقنية في ما يشبه إحياء الفن البدائي أو الوحوشية والفطرية .. ولا ندري إذا كان الرسامون الذين دعوا إلى إحياء الطاقة السيمولوجية في محيطهم وبيئتهم لا يزالون رغم التلويث والعنف والتشويه يرون تلك الإشارات التي يمتلئ بها العالم أو يقدرون على استخلاصها من لجة البشاعة التي يتسم بها الخارج ، لكننا نراهم ، كما في تجارب بعض الرسامين الذين درسناهم في كتابنا ، يواصلون محاورة المحيط وثقافته ، والبيئة ودلالاتها ، والواقع ورموزه ، والماضي وإشاراته الحية ..
وإذا كان علينا في الخاتمة أن نشير إلى المقترحات في عناوينها الكبرى فلابد لنا أن نتعرض مسرعين لمقترحات أسلوبية محددة عربياً وذات وقع في التجربة التشكيلية العربية ، كالمزاوجة بين التجريد والتشخيص أو التجسيد ، والإقبال على السرد كفعل بنائي يغني اللوحة ويوسع أفق مشاهدتها بما تحمل من مفردات وتفاصيل وحكي مرمز أو مختزل .. ولعل العودة إلى تبسيط الأسلوب في الرسم القريب من رسوم الأطفال وعوالمهم وتقمص رؤاهم تؤشر إلى جزء من تلك الحيرة الأسلوبية التي وجد الرسام العربي نفسه فيها وهو يتعرض لضغط الأسلوبيات الغربية ، ويقع ضحية الصراع الثقافي أو الحضاري بين العرب والغرب ، والذي – شاء الرسام أم أبى – يفرض آلياته وأدواته في الاشتباك الأسلوبي والاحتدام المعرفي ، وتشوش الصلة بين الذات والآخر بعد أن عاد الآخر إلينا لا كصاحب منجز فني وحضاري فحسب بل كمحتل أو ند مناوئ أو معاد أحياناً .. وتلك الإشكاليات تعترض بلورة (ووضوح) الخطاب التشكيلي العربي وتجعل آفاقه متسمة بالارتباك والرطانة ، وربما قادت إلى صنع (أو تخيل وجود) مقترحات بديلة، قد تعود بنا – كما حصل في عودة الشعر للعمود في الحروب العربية الكثيرة – إلى بدايات الرسم وأوليات ظهوره ومراحل تطوره المبكرة ، وهذا ما يجب أن نتنبه إلى خطورته: فنانين وباحثين ومشاهدين..


[*] مقدمة مكتوبة لمعرض (تمارين ذهنية بصرية) للفنانين: عبداللطيف الصمودي ، طلال معلا ، حكيم غزالي ، مصطفى علي. في 14/12/2002م.


موقع الكاتب الدكتور حاتم الصكر - www.hatemalsagr.net