كتاب: أقوال النور -قراءات بصرية في التشكيل المعاصر
 

     دائرة الثقافة والإعلام
          الشارقة
         ط1-2010 
الإخراج الفني : أحمد أمير
تصميم الغلاف:ضياء الدين الدوش
186 صفحة 20×20سم
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
أقوال النور
قراءات بصرية في التشكيل المعاصر
 
 
 
 
 
 
 
 
د. حاتم الصكر
 
 
 
2010م
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الفهرست
-      مقدمة:أقوال النور وأنوار القول
 
-        الفن والحرب: تمثيلات مارس، الحرب كواقعة  فنية في النصوص التشكيلية
 
-       نصب الحرية لجواد سليم-الفضاء البغدادي الآهل
 
-      عين ميدوزا وعين الطائر: تأهيل المتلقي بصرياً في أفق الفن
 
-      الصورة البصرية الجديدة:-النمطية والمحددات-
 
-      مستقبل اللوحة الحروفية: الابتكار و التلقي
 
-      أقوال النور: إشراقات الغامض الواضح
 
-      السفر صوب النور: دراسة في حروفيات عبد اللطيف الصمودي
 
-      أيقونة الروح وبوصلة الوطن: الرؤية النقدية في رسوم ناجي العلي
 
-      تجريد التشخيص في أنوار طلال النجار الروحانية
 
-      نداءات الروح وجماليات اللوحة
 
-      الثقافة البصرية في الفضاء العربي
 
-      الفن والعولمة ...لوحات بلا ثمن
 
-      العين تسمع دفق الحياة .. عدسة الفنان عبدالرحمن الغابري
 
-      رافع الناصري بين الشرق والغرب
 
-      شجرة جواد سليم القتيلة : قراءة في نص بصري
 
-      شموس من فولاذ:عن منحوتات أحمد البحراني
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
أقوال النور وأنوار القول
مقدمة 
 
    أواصل في هذه الدراسات المنتخبة من عملي في السنوات الأخيرة اهتمامي بجماليات العمل الفني من جهة وجماليات تلقيه التي أعدها أساس المعضلة التي تراه شيئا قابلا للقراءة او لنوع من القراءة ذات البعد التفسيري انعكاسا للمباشرة التي عهدها المتلقي وصارت من أعراف القراءة البصرية عنده.
هنا ينخلق ما أسميه بتلقي الممائلة أو المطابقة ، وهو من مشكلات تلقي الأعمال الأدبية أيضا. فالمتلقي هنا يبحث عما يمائل الصورة التي وقرت في وعيه ، وصارت جزءا من خبرته الجمالية التي تدفعه لقبول أو رفض الأعمال الفنية أو تأويلها بحدود مدركاته المتكونة عبر تراكم النوع التصويري كما تقترحه الموروثات والأفكار المتداولة عنه.
إن استخدام التصوير مثلا كمصطلح ورسوخه في كثير من المدارس والأكاديميات  الفنية التعليمية يعكس الفهم الناقص والتقليدي للتشكيل فالتصوير لا يعبر عن حالات ومواقف ورؤى وأساليب لم يعهدها التشكيل العربي المبكر ولا مدارسه الفنية بل هو أي مصطلح التصوير يظل خارج هدف ومرمى الفنان الحديث والمتلقي المعاصر.
إن التلقي فعل يعيد تشكيل العمل ويسقط عليه الإدراك والوعي في لحظة المشاهدة التي تشبه التنقيب في لقية أو أثر نفيس ، لا يكفي اندراجه الزمني لتفسيره بل يجب هنا فحص وعي ومشغلات وعي الإنسان الذي أبدعه.
إن كثيرا مما تعانيه الفنون التشكيلية العربية  اليوم متشكل من جراء قراءة المطابقة والتفكير بالمرجع دوما للمقايسة ،واستدعاء قابلية التصوير لا التعبير وما يستتبعه من حرفيات ومهارات لا يزال البعض يراها في دقة التطابق مع المرجع  والمباراة معه لأسره في عمل فني ن بينما تظل هذه المهمة التصويرية مهمة ترجحها وتعليها قراءة التطابق واعتبار الفن انعكاسا للحياة والواقع لا تمثيلهما والتعبير عن الموقف من مفرداتهما.
لقد حاولت في دراسات هذا الكتاب أن أقدم ما أسميته أقوال النور حيث يتصدر الضوء وتفاعلاته السطوح التصويرية وينجذب المتلقي ذو الثقافة البصرية المطلوبة إلى تلك المساحة النورانية التي يعطيها التجريد والحروفية خاصة طابعا يتجاوز الانطباع والتعبير المباشر ويمنحها قوة الإشراق والتواصل الوجداني الذي يفترض إمكان تحققه ملا نراه من طاقة ضوئية داخلية لدى الفنان المعاصر المنسحب من احتدامات الحياة بالمشاغل العابرة ومصادرات الوعي والإدراك اللذين لا يتم احتواء الجمال وملامسته إلا بهما.
يقول النور جملا ضوئية ذات أبعاد تشكيلية تشرق على النفس وتضيء مجاهلها ، بينما  يتشكل من الأقوال وهي إشارات وإحالات ودلالات نور آخر يضيء النفوس التي تتحسس ما في الكلمات من أعماق وبنى مطمورة وراء البلاغات المكتومة والمكبوتة، عبر وهج لا يقل إبهارا وإدهاشا عن رؤية كائنات اللوحة والعمل الفني مطلقا وهي تحاور وجودها وعدمها ، حضورها وغيابها ، فرحها وخذلانها، وكل ما في حياتها الجديدة تعلى السطح التصويري من معنى ودلالة يقولها النور بكلمات ضوئية أحاول تعقبها وقراءتها.
هي قراءات إذن لتجارب وافتراضات تأويل وفهم لما تحيل إليه وتجهد في أن توصله.
ولعل التطبيق يستكمل هنا ما يريد أن يقوله  الوعي النظري وهو تجريد فكري لمجرد لوني وخطي وكتل وسطوح ، بمقابل الكلمات التي تختبئ وراء كياناتها البصرية العائمة في تلك الأنوار التي نتعقبها كما لو نلاحق غزلانا تنفر  في حلم ،  أو نحلم حالمين وننام ونحن نيام في صحو متلون باليقظة ويقظة مشوبة بالنوم كما تخيل أبو تمام المطر الذي يذوب الصحو منه  مكللا بالغمام الذي يعبر في سماء ملونة : سحاب ومطر وضوء يبرق وينطفئ ليتيح للقول أن يقال ولنور أن يلتمع وللموت والفناء والخراب أن تبتعد مؤقتا وعبر انتصار النور وهيمنته على النفس التي تتلقى وجوده اللوني المفترض.
 
 
 
 
 
                               حاتم الصكر
صنعاء-صيف 2009
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الفن والحرب: تمثيلات مارس
 
                       الحرب كواقعة فنية في النصوص التشكيلية
                                
                                              
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
   
 
 
 
 
 
الحرب القادمة ليست الحرب الأولى
فقد سبقتها في التاريخ حروب وحروب
انتهت الحرب السابقة بمنتصرين ومنهزمين
عند المهزومين جاع عامة الناس
و جاع عامة الناس  أيضا عند المنتصرين
 
                                                                برتولد برخت(1)
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 من الذي ( فعل ) الجورنيكا؟
يسأل جنرال فاشي بيكاسو بعد أن رأى  جدارية  جورنيكا بفظاعة تمثيلها لمحرقة سوق القرية الأسبانية التي دكتها الطائرات  في الحرب الأهلية :هل أنت الذي عمل  جورنيكا؟
يجيب بيكاسو : بل أنتم.
السؤال عن العائدية يحمل الاتهام للفاعل الحقيقي لمجزرة الواقع تحريفا لسؤال الجنرال عن مجزرة الفن.
فالفاعل الحقيقي يسأل الفاعل الفني وهذا يحيل بدوره إلى المرجع أو المحرّك ، فلا عمل فني  لولا وجود تلك المجزرة في الواقع.
لقد جرى تمثيل فني للكارثة  ، وتحولت سوق القرية المحترقة إلى واقعة فنية قد لا يجد فيها أحد من الشهود مفردات حَرفية ، لكن الإحساس بالبشاعة والتقزز والألم سيظل يصاحب كل مطالعة بصرية تالية.
تأتي الحرب كحدث طارئ في الحياة البشرية وكنكوص إلى حياة ما قبل المدنية أو ما يعرف بشريعة الغاب، وحلّ المشكلات  بالحرب أو فرض الإرادات بالقوة التي تسحق الآخر وما يتصل به دون تمييز: أرضه وأهله وزرعه وحيواناته ..بالأحرى حياته كلها  تصبح قابلة للمحو وكل ما يمكن أن تصله أسلحة الخصم .
لذا كانت الحروب إعلانا عن شهوة الموت .. وهكذا تصل عبر السك اللساني للكلمة  أو المصدر اللغوي لها.
 
مرادفات الحرب
 
يهبنا المعجم تدرجات دلالية لافتة للحرب، فهي:(نقيض السلم ، أنثى ،والحرب الخصم والعدو ، والمحروب  والحريب من سلب ماله ،وحرب أي غضب والمحراب أصلا مأوى الأسد..)  (1)  ولا تنفك الدلالات عن التوسع والتمدد عبر هذه الدائرة الجهنمية من العداوة والسلب والغضب ومرادفاتها،وقد تنبه الإنسان لذلك حتى وهو يقترف جريمة الحرب فقال عنها زهير بن أبي سلمى في زمن الفروسية والتباهي بالفوز على الخصم محذرا وراسما صورة شعرية فذة تستعين بالبيئة وتوالي التناسل المشؤوم والنتاج الشرير منبها لعواقبها وتأثيراتها:
وقد قلتما أن ندرك السلم واسعا
                        بمال ومعروف من الأمر نسلمِ
..وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
                            وما هو عنها بالحديث المرجّمِ
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة
                               وتضر إذا ضريتموها فتضرمِ
فتعرككم عرك الرحى بثفالها
                                         وتلقح كشافا ثم تنتج فتتئمِ
فتنتج لكم غلمان َ أشأم َ كلهم
                                          كأحمر عاد ٍثم ترضع فتفطمِ
فتُغلل لكم ما لا تغلّ لأهلها
                                            قرى بالعراق من قفيز ودرهمِ
كان زهير يلاعب مخيلة البدو السلمية وانتظارهم ولادة حيواناتهم ونمو زرعهم لكنه يعدهم بزرع ومولودات جهنمية ، يلونها بالأحمر ويجعل غلّتها الدموية تفوق ما تنتج أرض العراق ..
العراق؟ لكأن زهير كان يستقرئ الغيب ليرى ما ستطرح أرض العراق من غلة دموية وما ستشهده من حروب وكوارث وأنهار دماء ..
الأحمر المغولي مصطبغا بماء دجلة بعد تدمير بغداد في القرن السابع الهجري وجريان النهر بلوني الدم والمداد : الأحمر والأسود يغطيان مياه دجلة شهادة على هلاك النسل والفكر وانطفاء شعلة العقل التي ستوقد لتنطفئ بأيدي مغول آخرين : تعددت الأسماء والفاعل واحد  من التتري المهووس بالدم مستبيحا بغداد حتى الجندي الأمريكي الذي يتلفت في شوارع بغداد ليرى ما يمكن قتله واصطياده بعد نهب المتاحف والمكتبات والآثار واللوحات  والمخطوطات.
 
التمثيل البصري للحرب
 
يبدو تمثال مارس إله الحرب لدى الرومان واليونان مدرعا من رأسه حتى ساقيه ،لا وجه ولا ملامح واضحة –بعكس الآلهة الآخرين – ترميزا لعمومية مهنته وشمول وجوده لقتلة عديدين سيرثونه ، الدروع لا يراد منها حماية جسده فهو –بحسب الميثولوجيا السائدة زمن إنجاز تمثاله- يهب القوة للمحاربين ويلهمهم طرق القضاء على أعدائهم، لكنه يصوَّر بهذه الهيئة الدرعية لإخافة الآخر المشرع للموت دوما.
في الكهوف التي حفظت رسوم الإنسان الأول يحدث الشيء نفسه ، الإنسان يسيطر على الحيوان ليصطاده بمبدأ الاسم المهيمن على تفكيره . الشيء  عنده هو صورته لذا يرسم على جدران الكهوف أجساد الحيوانات يخترقها دوما رمح أو سهم ، ولا يغفل في فترات متقدمة لاحقة أن يصور رد فعل الحيوان ذاته ، اللبوة الجريحة مثلا في الجداريات الرافدينية: إن السهام تملأ جسدها لكنها تصرخ واقفة ولا تسقط ،  يستطيل جسدها فيصبح خطأ المنظور والأبعاد طولا مضافا لحضورها زاحفة إلى الأمام  رغم الموت القادم ،إنها تستمد قوة مقاومتها وتعبّر بصرختها عن تشبثها بالحياة.
 من أقدم التنظيرات للحرب كان كتاب ( فن الحرب)للقائد العسكري الصيني سون –تزو ،وفيه  يعبر عن المبادئ العامة التي أثرت في صياغة الستراتيجيات العسكرية وكيفية تجنب الهزيمة وتفادي الخسائر وتحقيق النصر على العدو حتى دون قتال ، و قد تحولت منهجية الكتاب إلى عقيدة تلبَّسها محاربو الساموراي ونابليون حتى الستراتيجيات الأمريكية القائمة.وبفضلها تحول الكر والفر إلى تصدير للقيم والصورة(3) .لكن الصورة ستكون سلاحا معاكسا للحرب - سنرى لاحقا كيف كانت جرائم الحرب ضد العراقيين في سجن أبو غريب حربا معاكسة للاحتلال الأمريكي عبر الصور المأخوذة للسجناء بأوضاع التعذيب البشعة ،  وتمثيلاتها التشكيلية التالية لها والمستندة مرجعيا إلى إيحاءاتها ودلالاتها. .
 
مأثورات الحرب
أخطر ما فعله اختراع الحرب حسما للنزاع والخلاف وأفرزته وسائلها وتكيفاتها هو ثقافتها.
لقد شاعت ثقافة الحرب بصريا وكتابيا وتداولا شفاهيا، وصار المحارب رمزا بغضِّ النظر عن أهداف حربه ووسائلها ، وشاعت توسعاتها المجازية لترادف الكفاح مثلا ، ولكن الأكثر مفارقة وخطورة هو التفوهات المجانية عنها والتي تبرر وحشيتها  فيقال مثلا : في الحرب والحب كل شيء مباح. لقد اقترنت الحرب بالحب إذاً ، وهذا اقتران غريب للأضداد يتنزل من عصور قديمة: فلقد كانت عشتار إلهة للحب والحرب معا في الفكر الرافديني،وذلك جزء من ثنائيات تحكمت في العقل البشري وبرزت في تمثيله الصوري للأشياء أيضا، فهناك تماثيل وجداريات ومنحوتات ناتئة لمخلوقات آدمية ذات رؤوس حيوانية  ، وإلى جانب هذه الثنائية( البشري / الحيواني ) هناك ثنائية الحيواني نفسه( أي تعدد أعضاء الحيوان الواحد كتماثيل الثيران الآشورية  المجنحة في نينوى ) وهناك ثنائيات الأرضي والسماوي ( معارج وتطلعات من الأرض صوب الأعلى : نظام الزقورات البابلية والسومرية ،وصعود إيتانا في الأسطورة  على ظهر نسر بحثا  في السماء عن سر الحياة الذي بحث عنه جلجامش في البر وأعماق البحر وصعود الأبطال في الأساطير الإغريقية إلى السماء )و ثنائية البحري والبري ( جلجامش وهو في بحر الظلمات بحثا عن عشبة الخلود ) والزراعي والبشري ( نرسيس المتحول إلى زهرة النرجس) ونضيف  ثنائية فنية أو أسلوبية هي اختلاط مواد العمل الفني الخام وتعدد مصادره  وغير ذلك ..
ولكن اقتران الحرب بالحب يبرر النزعة العدوانية لدى البشر ويمنحها إطارا عاطفيا .. ومن الطريف أن شاعرا ألمانيا معاصرا هو يواخيم سارتوريوس  تنبه إلى قرابة مفردتي( الحرب والحب ) في العربية ، وحرف الراء الذي يلمعه الطغاة ليصنعوا حروبهم ومحارق البشر في بلدانهم( 4 )
وتشيع في الثقافة العامة اليوم تعبيرات وتراكيب مثل  الموت من الحب أو الموت على الحبيب ، كما حفظت قصص الحب عند العرب أمثلة لمشابهات قصة  روميو وجوليت ونهايات الحب بالتضحية بالنفس فداء للمحبوب أو المحبوبة كقصة مجنون ليلى والصور الذهنية المحايثة لموته ،ٍ وكذلك جميل بثينة وسواهما من أبطال قصص الحب العذري .و  ترد في المدونات الشعري تهاويل لترادف الحب والموت لعل أشهرها ما عده مؤرخو الأدب والنقاد القدامى أغزل بيت قالته العرب وهو قول جرير وما بعده:
إن العيون التي في طرفها حور
                          قتلننا ثم لم يُحيين قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به
                              وهنَّ أضعف خلق الله إنسانا
وتدل مفردات القتل والصراع والقتلى على مجزرة باعثها الحب هذه المرة.
ويؤكد المتنبي الطابع القتالي في الحب في مواضع عديدة من ديوانه تصريحا وتلميحا، وأبرزها قصيدته الدالية:
كم قتيلٍ كما قُتلتُ شهيدِ
                               لبياض الطلى وورد الخدودِ
وعيون المها ولا كعيونٍ
                                      فتكت بالمتيم المعمود
عمرك الله! هل رأيت بدورا
                            طالعات في براقع وبرودِ؟
راميات بأسهم ريشها الهد..
                                    ..بُ تصيب القلوب قبل الصدورِ( 5)
 وهذه المقتلة الغزلية لم تخل من أسلحة فتاكة وقتل وشهادة ورمي وإصابة، وكل هذا من عيون وصفها سلفه جرير بالضعف ووصفها هو بالفتنة التي تحمل الغواية الجميلة والقتل معا ، في عودة لثنائية الحب والحرب في شخص عشتار التي تمثل مارس وكيوبيد معا ، وهو ما عبر عنه المتنبي بوصف : الناعمات  القاتلات أو فتانة قتالة ، وهن أي النسوة ذوات قلوب رقيقة لكنها صخرية ، كما يصورهن بالمماثلة :( أرق من الخمر بقلب أقسى من الجلمودِ) ألهذا صورت الحرب لغويا بأنها أنثى؟ ثم استذكر أحد اللغويين ذلك فجعلها ذكرا لما فيها من الشدة والقتل ؟(6)
في زمن لاحق سيصور ديلاكروا معركة الفرنسيين من أجل الحرية في لوحته الشهيرة ( الحرية تقود الشعوب) امرأة فائقة الجمال متبذلة بثياب لا تنبيء عن معركة لكنها تحمل الراية وتتقدم الجموع التي يبدو في المقدمة منها شاب يحمل مسدسا ويتبع الفتاة .
هذا الازدواج في القتل والجمال ، والحب والحرب ينسبه المتنبي لممدوحيه من الفرسان المحاربين ، فهم ذوو طبيعتين : بشرية تؤاخي الناس وترفق بهم ، وحيوانية تختفي تحتها وتبرز عند الحروب:
يستصغرالخطر الكبير لوفده
                                ويظن دجلة ليس تكفي شاربا
 سلْ عن شجاعته وزرهُ مسالما
                                     وحذارِ ثم حذار منه محاربا
                                    إن تلقه لا تلق إلا جحفلا
                                    أو قسطلا أو طاعنا أو ضاربا
أو هاربا أو طالبا  أو راغبا
                                                أو راهبا  أو هالكا أو نادبا
وإذا نظرت إلى الجبال وجدتها
                                       فوق السهول عواسلا و قواضبا
وإذا نظرت إلى السهول وجدتها
                                           تحت الجبال فوارسا وجنائبا
فكأنما كُسِي َ النهار بها دجى
                                         ليل وأطلعت الرماح كواكبا
أُسدٌ فرائسها الأسود يقودها
                                               أسدٌ تصير له الأسود ثعالبا (7)
لقد تحول كل شيء وتغيرت الطبيعة عاليها سافلها وتردى كل شيء برداء الموت استجابة لغريزة الدم الحيوانية حتى حصل النكوص إلى صورة الحيوان في الأبيات الأخيرة فصار المتقاتلون أسودا: حيوانات فرائسها من جنسها.
وتصل السادية ذروتها حين  يحتفل الشاعر بالنصر ويجعل حتى الموتى من  القتلى يفخرون بأنهم ضحايا الممدوح ، بل الدم الذي أجراه يصبح فاخرا أيضا.
 
 
الصدى البصري للحرب
 
لقد عملت الحروب لا سيما الحربان العالميتان في النصف الأول من القرن العشرين على  إحداث عثرات في  حركة الفن الأوربي بسبب اشتراك بعض الفنانين مباشرة فيها أو لتأثرهم الحاد بصور المعاناة البشرية (8) ولكن ذلك لا يجب أن ينسينا الجانب الأسلوبي والشعوري الذي تغير بفعل تلك الحروب وظهور موجات وتجمعات لم يمنع طابعها الاحتجاجي من بروز نزعة التحديث فيها ، بل كان سبا قويا لجنوحها نحو التحديث فكانت الدادائية والسوريالية والتكعيبية والتأثرية التعبيرية محاولات لتمثيل حدث الحرب ونتائجه في الضمير والمصير الإنساني، وتفاوت التعبير بين الترميز البليغ-صرخة مونش مثلا باختزالها للهم الإنساني والعذاب الفردي، وصرخة بيكون المقموعة بزاوية الفم - أو بتمثيل وقائع عريضة ومدوية كمجزرة جورنيكا التي صاغها بيكاسو بالأبيض والأسود  واستخدم المأثور الأسباني-الثور لنقل هول الفاجعة.
لقد تمثل جويا قبل ذلك حروب أسبانيا واضطراباتها ببشاعتها ودمارها  عبر اتجاهين: أسطوري حين رسم لوحته (زحل يلتهم أبناءه)  مهيمنا عليها السواد والخراب والخوف والإثارة ( 9)  ثم بسلسلة رسومه كوارث الحرب لا سيما لوحة القتال بالهراوات التي تمثل الصراع الهمجي بين الأخوة والدم يغرق أحدهما بينما التصقت أرجلهما بالمستنقع الذي صنعته الدماء وحال بينهم وبين الهرب والنجاة( 10).فاستمد  موضوعاته من التاريخ القريب ووقائعه القائمة ومن التاريخ الميثولوجي الرامز لشهية الموت .
كان زحل يلتهم بعنف أبناءه الموكل إليهم بحسب الأسطورة أمور السماء والماء والموت ، ويجسد بشاعة العمل الذي يقوم به وهو موضوع تناوله رسامون آخرون أيضا .
ويعمل ديلاكروا على تجسيد بشاعة الحرب عبر تصوير جانب من المجازر التي حصلت في جزيرة ساكس اليونانية في حربها مع الأتراك.وتمادى في تكثيف جو المذبحة والقتل لأهالي الجزيرة  حتى قال عنها بعض النقاد إنها مذبحة الفن(11 ).
كان بيكاسو وهو يرصد مصير جورنيكا الدموي يزج بالثيران والخيول الميتة تعبيرا عن الألم . وتدل الاسكيتشات الأولية  العديدة التي نفذها استعدادا للعمل الجداري الخالد على مدى انفعاله وتأثره وتوتره(فالرغبات العنيفة- كما يقول منظرو جماليات الفن – تعبير عن معرفة العالم بكل تعقيداته حيث لا ننتظر تقنية هادئة مستوية متوازنة وصقيلة )(12 ) وهو ما جعل بيكاسو يترك العمل لمصيره الدلالي بالأسود والأبيض. فالثور يرمز للقصف الوحشي والعنف  حيث دمرت طائرا ت ألمانية  سوق قرية جورنيكا الأسبانية في الباسك في أبريل 1937مزاوجا بين الثيران والخيول القتيلة وصرخات النسوة من النوافذ(13 ) .
وكان سلفادور دالي قد استبق الحرب بلوحته الشهيرة (نذير الحرب الأهلية) والتي يتساوق جوها مع لوحات أخرى يظهر فيها ما يدعوه جبرا إبراهيم جبرا (المحتوى الأدبي لا التشكيلي الصرف) (14)رغم بشاعة ما يصوره والتشريح الواضح في وجه العجوز الفزعة واستنادها إلى عظام منخورة طويلة في عراء ممتد بلا أفق.
 
تجارب عربية 
 
بسبب الحرب توقفت دراسة جواد سليم الفنية في روما ، وعاد إلى بغداد منشغلا بالحداثة المستمدة من البيئة البغدادية ، ومتنصتا للمدافع التي انتظر صمتها بلهفة  ليعاود دراسته في لندن هذه المرة، فكتب  عام 1944في إحدى يومياته متمنيا: (غدا السلام يقترب وأشباح الموت وآلات الشر تحتضر في بيوتها ) ويعلق الناقد أسعد عرابي على صدى الحرب في روح جواد وأسلوبه وموضوعاته بالقول إن جواد تبدو حساسيته الشمولية من مصاب العالم بالحرب العالمية الثانية أكبر من خارطة العراق معللا ذلك بأنه أدرك معنى الإنسانية المضحى بقيمتها بسبب ابتلاء مجتمعه بالاستعمار ( 15) كما أن حب الحياة كما يقول  جواد والكفاح في سبيل النظام الطبيعي  كان دافعا متمثلا  في عمل لخراب الحرب وتدميرها هو منحوتة( البنّاء أو الأسطة ) الذي يعكف ومساعدوه على تشييد ما يعادل الحياة ورهافتها وكأنها صرخة معاكسة للحرب ومضادة لها.
وتظل انعكاسات الحرب وتمثلاتها تعمل في ضمير جواد سليم ووعيه ويقترب بها من دائرة الذات لينفذ لوحتين في زمن متقارب عام 1947 هما: الابن المقتول والطفل الميت كجزئيات تعكف الحداثة على انتزاعها من سلسلتها المرجعية كوقائع خارجية أو نتائج لها لتدرجها في وجود جديد هو وجودها النصي .
وتشكل المرأة فاعلا في العملين تندب وتصرخ أو تنتظر حزينة مستلبة، كانت الخطوط الخارجية قوية للغاية تشد البصر كأطر للوجوه والشخوص المتنضدة بفورة عصبية يدل عليها ازدحامها في خلاء السطح التصويري وعفوية الوجود الشخصي في خلفيات العمل وتضاؤل أجساد الضحايا وصغرها كناية عن براءتها وضعفها.وهي ترسم جوا كابوسيا ينفّر من الحدث ويزيد كراهية الإنسان للحرب وويلاتها المنعكسة هذه المرة على المصير الأسري والعاطفي للناس.
ويقدم الفنان فاتح المدرس شهادة على ما حصل في لبنان ، لكنه يكتب ببلاغة عن وعيه البصري وتمثيلاته للحرب فيقول:(هل هذا الخط الممتد من جانب الرأس حتى الفقرات القطنية  هو من مشرط جراح أم من سلاح القتل؟.ويختفي القتلة ، ربما عادوا إلى قانا أو الخليل أو جنوب لبنان أو إلى مرتفعات الأراضي ..إلى أي مكان ..وأتساءل: من هو هذا الإنسان الذي رسمته الطبيعة وجئت أنا لأتمم بشاعته، هل حقا كان ملاكا؟..) (16)  ويتحدث عن تحول الدهشة البصرية إلى ذاكرة سمعية  كأنما يحلم بلوحة  تقترن بالحدث وتجعله  مجسماً في التلقي. لقد كان القرن العشرون بحق هو قرن القتل الجمالي  حيث لا مكان للوردة والفراشة  بعبارة الفنان فاتح المدرس  الذي يتساءل  بعد رؤية مقابر البوسنة الجماعية: ماذا يستطيع الفنان التشكيلي أن يفعل أمام حفرة تحوي آلاف جثث الآدميين الذين قتلوا رشّا أمام بعضهم البعض؟؛(17)
لذلك يصف ما حدث في حرب لبنان الأهلية بالقول إن في قلب كل ملاك قاتلا   ، وعلق العبارة  في مرسمه وإلى جانبها لوحته ( بيروت : ليل الحرب الأهلية) كانت المرأة تحتل الجانب الأيمن من اللوحة بابتسامة سائلة زرقاء وجسد لا يتبين منه المتلقي إلا الوجه  بينما تتلاشى أبعاد الجسد السفلى في هيولى وفراغ وإلى جانبها يبدو مدفع دبابة جاثما  فوق بيت ربما كان بيتها.
إن السرد يلبي هنا حاجة الفنان للبقاء في منطقة وسطى بين الترميز والبوح المباشر، ووجود المرأة في هذا النص عن بيروت هو جزء من الخطاب الحداثي الذي لا يرى في المرأة كائنا مزدوجا أو منقسماً: مارس وكيوبيد أو الحب والقتل ، بل يجعل وجود المرأة كقيمة جمالية عليا مناسَبَةً لإدانة القتل ومبررا للحياة والدفاع عنها.
كما أن ذلك يؤكد المواجهة الفردية العزلاء للإنسان بوجه الشر الذي تمثله الحرب وهو ما يبدو في تماثيل سامي محمد التي يصر على طابعها الكوني لا المحلي لتجسد آثار العنف والحروب على الإنسان، وهي فكرته التي يشرحها لزوار معارضه أو محترفه، إنه يريد تلقيا معرفيا لصدى العنف الذي تضج به منحوتاته والعناء الفردي الذي يتحمله البشر جراء ذلك-والصورة المرفقة لأحد تماثيله تمثل ذلك المنظور المتسع للمعاناة ، فالحرب ليست بشاعتها محصورة في كونها قدرا جماعيا فحسب بل بما تمثله من معاناة فردية يمثلها الشخص الممدد بلا قوة وعلى صدره صخرة ضخمة تسحقه وتستدعي جزءا من معاناة سيزيف الأسطورية.
في فلسطين التي تمسرحت على أرضها أكثر الحروب ظلما ووحشية وطال أمدها حتى تعدى القرن الذي حدثت فيه،  تبدو رسوم إسماعيل شموط  متمثلة للحدث بطريقة مباشرة تحضر فيها مفردات الشهادة خاصة  ، ولعل النكبة التي تمثلت بالعنصرية الصهيونية  وحربها على البشر وتهجيرهم قد وجدت تمثلاتها في الحداثة الفنية اللاحقة  ، لكن الموضوع الفلسطيني ظل ذا أثر التهامي ،  أي أن الأعمال تتصاغر إزاءه وتعمل على أخذ موتيفات مجتزأة منه تتمثل في المجازر المتكررة بمقابل الروح الكفاحية للفلسطينيين ودفاعهم عن هويتهم.
وفي هذا الجو العاطفي المتوتر تتأخر وتائر التحديث لأن الفن نشأ في حاضنة الحدث ولحق به على المستوى التمثيلي.
 
واويلتاه على بابل
 
 الوصول إلى الموضوع العراقي المؤجل هو في أحد جوانبه لاشعوريا تأجيل للتأمل في التراجديديا العراقية القائمة ، إذ كيف يمكن لعراقي  مثلي شهد الكوارث وعاش تداعياتها  ونالته تشظياتها أن يتأمل جرحه ليراقب تمثيلاته اللونية أو الورقية ؟
وكم سيكفي من الألوان ليوصل الإحساس بأنهار الدماء التي ينزفها هذه اللحظة كما في تاريخه كله جرح عراقي مفتوح على الآخرة التي تبدو أحيانا جحيما يلتهم أخضر الحياة و يابسها؟
كم من جورنيكا نحتاج لنجسد آلام القتلى بالمجان  و صرخات المفقودين في حروب العراق المتلاحقة  وأنات أمهاتهم وآبائهم المتعلقة أبصارهم بوعد كالسراب بعودتهم المؤملة كالحلم؟
كم جورنيكا تستوعب احتراق مئات الحيوات تحت السمع والبصر داخل ملجأ العامرية فجر 13-2-1991 بقذائف المقاتلتين الأمريكيتين اللتين أغلق عصفهما أبواب الملجأ وامتلاء  المكان بمياه شديدة الحرارة واختناق النائمين في الملجأ أو احتراقهم وخفوت أصواتهم الطالبة للنجدة شيئا فشيئا ؟
وكم يكفي من السطوح التصويرية ومواد النحت والحفر لتجسيد مأساة تعذيب سجناء أبو غريب على أيدي الجنود والجنديات الأمريكان وهم يلهون  بساديّة  عجيبة بأجساد المحتجزين  ويصنعون منها دمى وطرائف لالتقاط الصور ..جرائم  مروعة صورت حية فاهتز لها ضمير العالم كله؟
كم من الحبر والورق والألوان يكفي لبسط عناء الأرواح التي أزهقها العنف الأعمى والإرهاب وفقد الناس في ظلامها وجهلها بنيهم وبناتهم وأحبتهم مجهولي المصير مغيّبين بلمحة بصر؟
في العراق القديم ثمة  مقاطع شعرية في قصيدة إيرا وإيشوم  تتأوه على المدينة التي صارت خرابا:
وا ويلتاه على بابل التي صنعتها سامية
كتاج شجرة النخيل لكن الريح أذبلتها
وا ويلتاه على بابل التي ملأتها بالبذور ككوز صنوبر
ولكنني لم أتمكن من جعلها تثمر
وا ويلتاه على بابل التي زرعتها كبستان خصيب
ولكنني لم  أذق أبدا طعم ثمره(18)
 
يكون الدمار في الأساطير العراقية والأدب الرافديني عامة ملازما للحياة ثم ينعكس في الرسم الجداري والألواح والتماثيل.
في القرن الثامن قبل الميلاد يتوعد الطغاة بهدم المدن وقتل الأبرياء:
سأجهز على الأراضي وأحسبها في عداد الآثار
سأعيث خرابا في مدن وأجعلها قفارا
سأدمر جبالا واجعلها خرابا
سأثير محيطات وأقضي عليها
سأنقب أرض القصب وأنبش القبور(19)
كما يتوعد  الأعداء بأن تسيل دماؤهم  أنهارا كما الماء  ، ويوصي القائد العسكري بأن يقتل البشر والآلهة على السواء والشيخ والشاب ، وألا تظل حكمة ما تمنع من فعل الحرب الشنيع وربما لذلك كانت طقوس تماثيل الخشب عند صناعتها تقترن بطقس غسل الفم ( 20) لكي لا يظل للكلمة من معنى..وتنطلق قوة اليد فقط  وما تحمله من سلاح ..
أما الفن فقد كان تسجيلا لتلك الانتصارات الحربية وباعثا لتدوينها صوريا امتثالا لرغبة الحكام في تأكيد ذواتهم  ،وصار ذلك مبعثا للابتكار،  فحين لا تكفي الأفاريز والمصاطب الحجرية والألواح لسرد قصة النصر فإن الفنان يلجا إلى ابتكار الرفوف التصاعدية لتدوين ملحمة النصر ، وسنقف عند لوحة أور ذات الجهتين أو الوجهين (21)التي تعرض جانبا من حروب السومريين وفي الجانب أو الوجه الآخر تسجل الاحتفال بالنصر واستعراض الأسرى أمام الحاكم والقادة ، وهي منفذة بالمادة التي انفردت بها الفنون السومرية حيث يستخدم القار على اللوح الخشبي ثم تثبت الأشكال عليه  ، وفي كل وجه ثلاثة صفوف من الأشكال الأفقية المتناظرة  وبين الأعلى والأسفل أي في الفراغ الأوسط تتكرر  شخوص الحاشية والحاكم أو تبين المناسبة المحتفل بها وبذا يتم سرد قصة النصر بستة أجزاء وتظهر كذلك المغنية التي تحتفل بالمناسبة وكذلك غنائم المعركة.
هذا الميل السردي على الجداريات  والأعمال الكبيرة سيظهر لاحقا في أعمال فنانين عراقيين في مقدمتهم جواد سليم وعمله الخالد نصب الحرية ذي المقاطع المترابطة سرديا.
يلاحظ الباحثون أن التصميم في لوحة أور أعطى الفنان القديم  فرصة  أكبر في توزيع شخصياته على اللوحة ، كما أن خامة الصدف تطلبت دقة من الفنان في نحت أشكاله .( 22)
لقد دفعت روح السرد الملحمي فناني هذا النوع من الأعمال لتسجيل مفردات دقيقة ومهمة في الحياة الحربية آنذاك كالعربة التي تفوَّق السومريون في استخدامها في الحروب وكواسطة نقل مميزة للحاكم الذي يظهر عادة بحجم أكبر من حاشيته وقُوّاده، أما الأسرى فهم خافضون رؤوسهم والقتلى تدوس عليهم أرجل المحاربين.
و أما في أكد مملكة سرجون إلى الشمال من سومر فقد كانت الفنون الآشورية تحتفي بالحروب كمادة رئيسة لها تفوق عدديا النقوش والألواح التعبدية ، ويمكن معاينة لوح النصر الذي يدون انتصارات   نارام سن  حفيد سرجون الأكدي على  أعدائه(23) ويلاحظ الحس الملحمي في بنية اللوح حيث تسجل القطعة النادرة حدث الحرب فيعتلي نارام سن الجبل منفردا متقدما الجيش وبحجم كبير كما في الملاحم السومرية قريبا من الكواكب وقمة الجبل ترميزا لهيبته ومكانته وتسلطه.
الموت والأسر الواقع على الأعداء لا يميز قادتهم  بمكان أو مكانة ما في العمل ، بل يجعل الجميع قتلى أو أسرى يستعرضون أمام الحاكم والحاشية والجماهير ليغدو النصر عاما وإن كان ملصقا باسم الحاكم.
إن انشغال الفن العراقي في عواصمه الكبرى في بلاد الرافدين بالحرب ومفرداتها لا يعني إغفال الجوانب الإنسانية  والموضوعات الجمالية ، ولكن الحرب كانت المركز البؤري للإعمال الفنية ومناسبة ظهورها أو وجودها  ، تماما كالمديح بالنسبة للشعر القديم  حيث لا موضوع يتقدم عليه ولا يعمّد الشاعر شاعرا إلا من خلاله  ، ولا تُعد القصيدة نصا مصرحا به أو معترفا بفنيته إلا بمروره من بوابة المدح.
لعل هذا الميراث الحربي المستعاد في الملاحم العصرية المنفذة بعد أو خلال حروب العراق المتكررة تعيد رسيّا أو اجترارا تلك التقاليد القديمة في الفن الرافديني المنهمك في تصوير الحروب وتخليدها عبر صانعيها المتخيلين وقادتها الميدانيين وجنودها السائرين  على جثث الأعداء في عودتهم منتصرين.
وتعزز الروح الغنائية ما ينقص الملحمية من وجدانيات ورؤى،  لكن الفنان يتضاءل كذات بموازاة الموضوع الأكبر الذي ينقله . ولا شك أن الغريزة المزدوجة في الحروب – بشريّة – حيوانية ، توقظ ذلك الإحساس بالتشفي وسحق العدو تحت جنازير الدبابات  مع إضافات وتعديلات  موضوعاتية كتمجيد الشهداء وبسالتهم وفرح الأهل بتشييعهم أو هكذا يجب أن يظهروا في الفن الجماهيري الممجد للحرب.
ولكن في عمق المأساة وفقدان أعزاء وتهدم بيوت وحقول يبرز  الترميز ليسجل ضيق الإنسان وخوفه  وحزنه وخساراته،انطلاقا من ملامسته ومعايشته للحدث..
كان غراب علاء بشير أحد الرموز التي تكرس الإحساس الكابوسي بالحرب ،  فالغراب تحف به دلالات الشؤم في المعتقدات والميثولوجيا ويكفي أن نذكر دوره في تعليم أول قاتل في تاريخ البشرية كيف يدفن أخاه القتيل(24) وكان الغراب حاضرا في لوحات علاء بشير المنتجة في مناخ الحرب  ، وهو غراب ينهش أكباد الشخوص المستسلمين بشيء من النشوة وكثير من اليأس لمصيرهم الغرابي ،  وتساعد النزعة التشريحية لعلاء بشير وخبرته كطبيب متخصص في الجراحة التجميلية على تجسيم البشاعة والإحساس بالألم الواقع على الفرد بفعلٍ مجهول ظاهريا مفهومٍ تأويليا وهو الحرب.
ولاحقا ستنعكس في الأعمال الفنية  الحرب وتداعياتها لا سيما الحصار الذي تضرر بسببه مواطنو العراق وعانوا الفاقة وشح المصادر المعيشية والحياتية عامة ، وفد فرضت ندرة المواد الخام  ومستلزمات العمل الفني من أصباغ وقماش وخشب وحجر وطباعة وفرش ومواد كيمياوية وما إليها اللجوء إلى التخطيط بالرصاص أو الرسم على الورق وشيوع الجداريات  والرسم بالمائيات المتوفرة ،  وذلك يجعل مادة العمل ومحتواه في تماهٍ تام و سيحصل مثل ذلك في الكتابة حيث تشح مواد الطباعة والورق ولوازم النشر..
هذا الضيق سيظهر في رسوم الأجيال التالية التي شهدت الحرب وعاشت جوانبها العملية واكتوت بها تماما  ، لذا يخيم الحس الكابوسي على رسوم الثمانينين والتالين لهم من الجيل الذي تفتحت مواهبه مع ظروف الحصار منذ مطلع التسعينيات حتى الاحتلال الأمريكي للعراق.
ففي رسوم الجيل المعاصر للحرب والحصار جرى تأكيد ذلك التحول في المواد و المعالجة ،  وسنرى ذلك في لوحات ومنحوتات لأحمد البحراني وجماعة الأربعة( فاخر محمد وحسن عبود ومحمد صبري وعاصم عبدالأمير) وهناء مال الله وغسان غائب وكريم رسن وستار كاووش وإيمان خالد   ونديم محسن ونزار يحيى وعمار سلمان ومحمود العبيدي وسواهم من فناني بغداد والمحافظات والمهجر أيضا.
وتعكس التخطيطات والمائيات والمنحوتات تلك الروح التقشفية ، وفي حال توفر المواد فإن الجو الكابوسي للحصار وقلق المستقبل والتهديدات بالحرب كلها تدعو لليأس والتشاؤم وتشيع ما تسميه هناء مال الله كعنوان لأحد تخطيطاتها الورقية ( مذاق الحصار)  التي تبدو فيها الأفواه كالرؤوس فارغة وبائسة بسبب الحصار ومتناثرة على سطح الورقة متباعدة رغم خطوطها الخارجية الدقيقة كناية عن التدهور الذي أصاب الحياة كلها. وتوسعت بسبب الحرب مصادر الرسامين الثقافية وصاروا يبحثون في طيات المكان المديني والمأثورات عن مراجع تصويرية ،  وحينا يذهبون إلى المقتنيات المتحفية ليستفيدوا منها في تكوين أعمالهم.واستلهام الروح الحضارية للفن العراقي القديم وتأمين حداثة أعمالهم في الوقت نفسه..
في النحت ربما تستوقفنا تجربة أحمد البحراني الذي يمر بمراحل تطور واضحة  في تأكيد معالجات خاصة وجذرية  ساعدته في التخلص من تأثير النحاتين العالميين –جياكوميتي خاصة وشخوصه الدقيقة العارية المعلقة في الفراغ والمؤطرة بحدود تشل حركتها كناية عن المحددات التي جاءت بها الحرب .
يشتغل على موضوع الحرب وانعكاساتها فنانون من أجيال مختلفة تلقوا أصداءها وتمثلوها بطرق متنوعة ،  ومن هؤلاء شاكر حسن الذي ازدادت ضراوة تعامله مع المواد وأوغل في تجارب الحرق والخرق وتهشيم الأطر ورسم اللوحات المعتمدة على التنافذ بين وجهيها ،  كما أخذ يبشر بفن ما بعد الرسم يأسا من جدوى الخطاب الجمالي السائد في النصوص التشكيلية وبرزت لديه تمزقات   أو تداعيات جدرانه وتشظيها ومعاناتها من خروق وانهيارات توازي ما يحصل بسبب الحرب. 
وهذا ما يظهر في تجارب فنانين مكرسين  كضياء العزاوي و رافع الناصري ومحمد مهر الدين وإسماعيل فتاح  ومحمد غني وسالم الدباغ وليلى العطار  وسواهم ممن شهدوا الحروب وتداخلات الحالة العراقية.. وسنتبين في  لوحات رسمها مهر الدين مثلا أواخر التسعينيات مصاحبة لأحد دواوين البياتي أنه يميل إلى التشظية والقطع والتركيز على ثيمات الموت ومرادفاته الرمزية كالليل ، بينما ينقسم السطح التصويري قسمين تفصلهما مساحات ملونة متداخلة وتتسيد العمل خلفيات داكنة لم تنقذها الخطوط والألوان من الحس الفجائعي .
وفي عمل ضياء العزاوي استبطان واضح عبر التشريح لدواخل الإنسان الذي تخرج من قفصه الصدري حمامة تنهي بالأحمر وتشي بفاجعة قائمة أو قادمة.
 
 
 
 
لحظتان دراميتان في ذروة الألم العراقي
أر
 
كي لا يظل الحديث عن العراق وحروبه واحتلاله عاما سأتوقف عند لحظتين هامتين في سيرورة ألمه المزمن والأبدي هما حادثة تدمير ملجـأ العامرية ،  وتعذيب سجناء أبو غريب.
كلا الفعلين لهما فاعل واحد، كان مارس يركب في جريمة العامرية طائرة مقاتلة تتبعها أخرى ليوسعا فتحات منافذ التهوية ويلقيا القنابل الثقيلة التي بسبب الحرارة التي صنعتها أغلقت مخارج الملجأ الغاص بالهاربين من القصف الليلي على المدن عام 1991. كانت تلك تحية الصباح من العسكر الأمريكان لهؤلاء الحالمين بليلة لا يسمعون فيها صفارات الإنذار وهدير الطائرات ودوي القنابل التي يتوقعون أن تسقط علي بيوتهم، لكن حدسهم خذلهم هذه المرة  ، ومن حيث ظنوا الأمن جاءتهم المقتلة التي حصدت أرواحهم بطريقة بشعة، كنا نتجمهر خارج الملجأ صباحا بعد أن سمعنا بالضربة الجوية على ملجأ مدني لسكان العامرية غرب بغداد والقريب من مركز الكرخ فهرعنا إلى هناك .كان المنقذون الأوائل من الإطفائيين  قد ماتوا احتراقا أو اختناقا   ، و لا تزال صيحات المحاصرين من النسوة والأطفال والشباب تُسمع طالبةً النجدة...بعد ساعات ستتوقف صرخات  الاستغاثة لأن أصحابها لم يعد يطلقونها. لقد ماتوا جميعا.
تمثّل الرسامون والنحاتون العراقيون كما الأدباء والشعراء عناصر تلك المجزرة التي شبهها الشهود بجورنيكا ضخمة وعصرية ، ولكن الملجأ الذي صار متحفا يري الزائرين صور الضحايا وقطع الشعر واللحم الملتصقة بالجدران ،  والجدران أو ما تبقى منها مسودا بهباب الأجساد التي تفحمت وشبح الموت يتبختر بإرشاد مارس الذي كان  يتدرع بحديد إضافي وينظر بشماتة ولذة  ،ويشد على أيدي رسله من الطيارين الأمريكان وقادتهم القتلة الذين أبدوا اعتذارا دبلوماسيا لم يخل من اتهام للضحايا بالتقصير!
ليست نصوص العامرية التشكيلية تحت يدي الآن للأ سف، ولكن الذاكرة تحتفظ بملاحظة نقدية مفادها أنْ لا عمل ارتقى إلى رتبة الواقعة وأثرها الشعوري والإنساني. هنا يتفوق الخارج وواقعته على نسخة الفن التي تحتاج إلى زمن لاستيعاب الحدث  ، وابتكار زاوية النظر التي تخلده في وعي الأجيال وضمير الإنسانية وسنن المدنية ونواميس الحضارة.
نحن لا نطالب هنا بعمل إيقوني ينقل مفردات مرجعه الخارجي لأننا بحسب ملاحظة جوليا كريستيفا بالغة الاختصار والدقة (25)نكون قد قسنا الموضوع المصوّر(=المرسوم )كصورة لمرجع موجود خارج نظام اللوحة مادمنا نقيس لموضوع واقعي  ، وبذا نقضي على اللغة التصويرية باختزال مكوناتها في مكونات مشهد خارج اللوحة ، تتصل به بطريق المماثلة التامة(=المطابقة) .وسنكون بانتظار عمل يستوعب ويتمثل ما حصل في الملجأ ذلك الفجر ويتأمل المصائر التي واجهها المدنيون النائمون   ثم يعيد تمثيلها فنيا لا بتجويق الضحايا أو درج الجريمة في تحديات الحرب المعلنة بل في دلالتها الإنسانية والقدر الفردي الذي واجهه كضحية.
في حالة سجن أبو غريب كانت الصور  الفوتغرافية ذات وقع استباقي ، فكان العجز الفني  بسبب ذلك الوقع المدوي للصور ،لا بسبب التعجيز الذي تنطوي عليه الواقعة الخارجية(= واقعة التعذيب المفرط الوحشية للسجناء والمحتجزين وإشراك الكلاب في ترويعهم ونهش أبدانهم  ،  والسخرية منهم  وتعليقهم عراة بطرق مهينة وتصويرهم مع الجلادين ، وسحبهم على أرضيات جرداء في البرد دون ثياب ، وتكديسهم فوق بعضهم معصوبي الأعين، وربط أعضاء من أجسادهم بآلات كهربائية )وسوى ذلك مما عرضته –وياللمفارقة -  كامرات شخصية استخدمها الجلادون من المجندين والمجندات في جيش الاحتلال الأمريكي  ،وعرضوها في حمّى صفاقتهم واستعراضهم والتبجح بالهيمنة على عزّل مأسورين.
مؤخرا هزت الأوساط الفنية في العالم أعمال قدّمها الرسام الكولومبي فرناندو بوتيرو( 26) وتضم عشرات اللوحات من وحي فضيحة تعذيب السجناء والأسرى والمحتجزين المدنيين العراقيين في أبو غريب، وسيكون لقراءة تلك الأعمال صلة قوية  بمرجعها دون شك ، حيث يتحدد عمل المخيلة بفعل الضخ الصوري وقوة المرجع ودويّه  ، لكن براعة الفنان تكمن في تعميق تلقي الضحايا لحدث التعذيب منفردين. إنهم يتلقون معاناتهم كقدر لا تخفف منه جماعية العقاب ، وهذا الفهم يغير صورة البطل في اللوحة المستمدة من تداعيات الحرب، هنا  نرى السجين قوي البدن رغم التعذيب  ، يتجه إلى المشاهد –ضمنا إلى الجلاد- ويناشده لا باستعطاف بل بقوة الحجة وإشارة القيد المضخمة ببلاغة  ، وكأنه يصنع صورة داخل اللوحة  ، وسيخرج المتلقي لهذه النصوص البصرية بأسئلة عن حق الجلاد في إهانة ضحيته وإذلاله  والتلاعب بحياته وكرامته ووجوده  ،فضلا عن حريته  ، وحرية وطنه في المقام الأول.
إن الجريمة تشتد وطأتها حين يتذكر المشاهد عراقيا أو غيره أن حرب أمريكا كانت تحت شعارات معاقبة نظام دكتاتوري لا قانون يسود علاقته بمواطنيه ولا قضاء ولا حرية تعبير أو رأي، ولكن كل هذه الشعارات صارت بسبب جريمة أبو غريب موضع شك وتساؤل معاكس ومضاعف  ، فأي من تلك الأفعال الشنعاء لمحتل تجاه مواطني البلد المحتل تتوافق مع تلك الدعاوى التي فضحتها النصوص التشكيلية المستمدة من الوقائع الخارجية والمعدلة لها في إطار الفن  ، لتغدو ذات أثر على المتلقي ونفوذ في ذاكرة البشرية التي تطهرها الأعمال الفنية من درن الحروب وجرائم صانعيها  وبذرات نزواتهم الدموية.(27).
كما تحرر الذاكرة البشرية من شهوة الموت التي يشيعها مارس من وراء دروعه  وعبر رسله القساة إلى ضعفاء العالم الذين -  كما يثبت بريخت في مقطوعة استهلالنا للدراسة - يظلون جياعا سواء أكانوا في صف المنتصر أو المهزوم ، ببساطة لان المنتصر منهزم كذلك لأنه خسر الحجاج والقناعة  وسبل العدل الممكنة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الهوامش والإحالات
 
 
1-   أبيات بريخت من مختارات مجلة كرز، أسرة الأدباء والكتاب ،البحرين،عدد خاص بالحرب،العدد 2-2007.
2-     لسان العرب –مادة (حرب)، موقع الموسوعة الشعرية على الإنترنت ،المجمع القافي-أبو ظبي. 
3-              عبدالحق ميفراني: الحرب-استراتيجيات المفهوم ، مجلة كرز،سابق، ص15. 
4-     يواخيم سارتوريوس:نصوص الجسد،ترجمة أمل الجبوري،منشورات ديوان ،برلين 2001،ص26.
 
5-     شرح ديوان المتنبي ،مصطفى سبيتي،دار الكتب العلمية-بيروت 1986-ج1-ص61 وما بعدها. وللمتنبي خواطر أخرى تجعل الجمال  الأنثوي عدوا لا يقدر عليه حتى الأبطال لذا  يجدر بالممدوح توقّيه :
 
             وُقِي الأمير هوى العيون فإنه 
                                               مالا يزول ببأسهِ وسخائهِ
                  يستأسر البطل الكميَّ بنظرةٍ
                                           ويحول بين فؤاده وعزائه ِ
                                                
 
6-      القول بأن الحرب ذَكر منسوب لابن الإعرابي .ويقول ابن منظور في اللسان  :إن حكايته نادرة ويعلل تذكيره  للحرب  بأنه حملها على معنى القتل أو الهرج . 
 
7-       شرح الديوان، سابق،ج1-  ص 154في مدح علي بن منصور الحاجب. وفي مواضع أخرى يبدو الممدوح متسلطا على الطبيعة فتخافه الرياح والنجوم والطير
      8 -  د.آمنة النصيري:مقامات اللون-مقالات ورؤى في الفن البصري،وزارة الثقافة ،صنعاء 2004، ص
            295 .
       9- د. السيد القماش :جويا فنان ثائر ولوحات سوداء، ضمن كتاب العربي:التعبير بالألوان-آفاق من الفن
            التشكيلي، الكويت2000،ص170
       10 - نفسه،ص172
   11- صبحي الشاروني: الفن التأثري،كتابك-129،دار المعارف بمصر                 ،1977ص22.
12- ف.كوستين و ف. يوماتوف: لغة الفن التشكيلي، ترجمة برهان شاوي      ،دائرة الثقافة والإعلام –الشارقة 1997،ص26.
13- عادل ثابت:  في ذكرى بابلو بيكاسو،  كتاب العربي،سابق،ص177-278.
14-جبرا ابراهيم جبرا: السريالية،كتاب العربي،ص28.
15-المقتبس من مذكرات جواد  نقلا عن جبرا إبراهيم جبرا : جواد سليم ونصب الحرية ، وزارة الإعلام ، بغداد 1974،ص 37.
         وتشخيص أسعد عرابي لحساسية جواد الشمولية من الحرب في دراسته القيّمة والتحليلية :جواد سليم
         –ملحمة جلجامش والثورة النهضوية، مجلة الفنون، العدد 37، الكويت يناير 2004،ص39
16- فاتح المدرس:الوطن ..بالريشة والكلمة، كتاب العربي،ص222.
17-نفسه، ص 224.
18- ستيفاني دالي: أساطير من بلاد مابين النهرين، ترجمة نجوى نصر،بيسان للنشر،بيروت1997،ص375.
19- نفسه ،ص339.
20-نفسه ،ص367.
21- للفنان الراحل شاكر حسن آل سعيد تجارب في رسم اللوحات بوجهين  تحدثت عنها معه في مراسلة خاصة نشرتها في كتابي : المرئي والمكتوب –دراسات في التشكيل العربي المعاصر،  دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة 2007،ص 63.وأرى مع الناقد ياسين النصير أن شاكر يحاول حتى في تصوير الطبيعة احتواء العالم في الإطار البيئي (ياسين النصير:المدينة والحداثة وجدار شاكر حسن الفني)، مجلة الفنون، العدد43، الكويت يوليو 2004، ص46. وهذا يعني أن وجهي اللوحة أو الورقة تحديدا   لا تعد محاولة لدراسة النور فقط  وأثر التنافذ في خلق قراءة طرسيّة بمصطلح جينيت أي الكتابة الماحية لما تحتها بل المؤثرة فيها رغم انشغال شاكر حسن بفكرة التعرية والأثر العفوي للطبيعة والزمن على هيئة الأعمال وبنيتها ، وإنما تقديم صياغة ملتبسة مقلقة تريد التنبيه على إمكان كشف  ما هو كامن خلف العمل بحضور مؤثر خارجي هو الوجه الثاني. وبالمناسبة فإن شاكر لم يبد ارتياحا لوصفي عمله بأنه ذو وجهين ربما احتكاما إلى المغزى الأخلاقي للازدواج النفسي المتناقض ، والمحمول الدلالي الشعبي للوجهين أي النفاق ، وهو ما لم يكن في بالي بالطبع وأنا أصف العمل بل كنت أعالج المسألة من زاوية التلقي .
22- نعمت إسماعيل علام:فنون العراق القديم، كتابك167،دار المعارف بمصر1984، ص31.
23- نفسه ، ص40.
24- عالجت موضوع الغراب ونصيّته المنبثقة من وجوده في المعتقد والمدونات الموروثة و انعكاساتها المعاصرة ، ورمزية الغراب في أعمال علاء بشير، ينظر : حاتم الصكَر ( البئر والعسل-قراءات معاصرة في نصوص تراثية) ط2 –القاهرة –هيئة قصور الثقافة ، كتابات نقدية69، القاهرة1997 ، ص 53.
25- جوليا كريستيفا:اللغة المرئية:التصوير، ترجمة بنيونس عميروش، مجلة نوافذ،النادي الأدبي بجدة، العدد7، فبراير1999.
26- فرناندو بوتيرو –معرض ميلانو –مواقع على الإنترنيت : شبكة فنون.
27- من المسكوت عنه في الحرب الأمريكية على العراق حادث قصف الطائرات الأمريكية  مستشفى الرشاد للأمراض النفسية والعقلية المعروف بالشماعية ببغداد ليلة 9/2/1991ماأدى إلى موت حوالي 400 نزيل وتشرد المرضى الباقين وهم ضعف الموتى  من المجانين خارج المستشفى.
(خضير ميري: أيام الجنون والعسل ) ، مكتبة مدبولي ، القاهرة 2008، ص13و15.
كان لهذه الجريمة صدى ضعيف بسبب انقطاع وسائل الاتصال وغياب  المراسلين الإعلاميين . وقد سجل أحداثها  الكاتب العراقي خضير ميري الذي كان نزيلا في المستشفى لفترة في كتابه الآنف ، كما أسهم برسم معالمها في لوحات حفظها مرسم المستشفى.
يشرح ميري إحدى اللوحات التي رسمها  هناك:(أفعى طويلة ضخمة رأسها مدبب،علامة الكوبرا، ورجل ملتح ٍ بمعطف أسود ، وجنون آخر مضاعف باللون والشكل..الجنون الأسود هو الذي يرتدي زيّا أمريكيا وماسورة بندقية وقبعة ضيقة ويطير على بطة من حديد،ويقرع الطبول على الرؤوس وينتج الموتى والأشلاء والدخان والمآسي..) خضير ميري ، نفسه ص10.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
         
 
                                    نصب الحرية لجواد سليم
                         الفضاء البغدادي الآهل
 
 
 
 
* تمهيد نظري
يحيلنا عنوان الندوة (النحت فن الهواء الطلق)(·) إلى خلاصة مفهومية تمتاز بالضد من الروح المتحفية المكرسة لسكونية العمل الفني، وتصوّت بدلاً عن ذلك لحريته التي يبلورها وجوده خارج أسوار المتاحف والقاعات والغرف المغلقة الفضاءات، ويمنحها الفاعلية والتأثير، فضلاً عن تحقيق وجودها ومقروئيتها أو معاينتها البصرية، مما يدخل أساسا في تشكّلها وانتظامها أعني: شعريتها.
 إن افتراض هنري مور قيام طقوس (النحت المباشر) في حضن الطبيعة، في الهواء الطلق، في ساحة الصخر والجبل والتراب والماء والهواء والنار والريح(1) إلخ.. هو المحرك لمقولة الندوة والملخّصة في عنوانها.
إن ذلك لا يعني العودة المعاكسة إلى مطلب التماثل بين العمل الفني والخارج الذي يستوحيه، بل هو تأكيد (جمالي) ينبثق من تعمق ظاهرة التلقي والاستجابة الجمالية، وإسهام المتلقي في تشكيل حقيقة العمل الفني وجوهره ، وإعطائه الملموسية والتحقق بما يُسقطه عليه من رؤىً بصريّة وتصورات وتأويلات وتفسيرات...
داخل أسوار المتاحف ستتحدد أطر التلقي بحدود تفرضها جغرافيا المكان وحدوده المتعيِّنة، بينما يعطي هواء المدن الطلق وساحاتها وفضاءاتها وجوداً إضافياً للعمل النحتي ليس بتكرار المعاينة الحرة المتنوعة زمنياً (عبر العصور والأوقات وتبدلات الزمن وحالات الطبيعة والضوء) ولا بتكريس المعاينة الجمالية (إتاحة العمل للتلقي الجمعي عددياً وثقافياً بما يحمله من تباينات ومستويات) ولكن باستكمال جماليات العمل ذاته بما يمنحه (وجوده) – في – الفضاء من إضافات يدخل بعضها في إطار التصميم المسبق فنياً، وبعضها الآخر في إطار الصدفة وتبدلاتها وانعكاساتها..
إن حمامة حائرة قد تحط على كتف شخص ما في عمل جداري أو نصب تضيف لبناء العمل حرية امتلائه بما يستجد من ظروف التلقي، حتى تلك التي تخص نفسية المتلقي وثقافته، عابراً أو واقفاً، مواجهاً أو جانبياً، جالساً أو ماشياً الخ... وهي عملية تُعين على سد ثغرات العمل الشاغرة بانتظار خبرة المتلقي البصرية، مما يمنحه لذة إضافية متجددة لا تهبه إياها جدران المتاحف والقاعات في العادة.
إن ما أسماه منسّق الندوة الأستاذ، محمد بن حمودة في خطاطة الدعوة(( بتحرير النحت من إكراهات المسرحة والديكور))، سيرتب استحقاقاتٍ مزدوجةً: فنية على مستوى تنفيذ هذه الأعمال وانتظامها البنيوي وتنسيقها واصطفافها وتنضيدها، وجمالية: على مستوى معاينة هذه الأعمال واكتشاف شعريتها بطرق خاصة، وإسقاط الوعي والشعور عليها وتفسير إشاراتها، واكتشاف علاماتها الخاصة ، فضلاً عن القيام بملء فراغاتها وما اختزلته بحكم تقنياتها.
من هنا ولكون النحت حراً من أية أُطر سوى حدود وجوده الكتلوي يصح القول إنه – أي النحت – وثيق الصلة بالأرض أكثر من التصوير والرسم المحددين بأطر وخطوط.(2) إن ذلك لا يعني افتقاد المنحوتات للتأثير وهي داخل أسوار العرض الداخلي لكن وجودها الفضائي (الخارجي) يجعلها تمارس تأثيراً أشد؛ فوجودها التمثالي يجعلها – لكي تعطي أثرها – بحاجة إلى حيز أو مكان أو فضاء مناسب. وهذا ما أدركه علماء الجشتلت حين رفضوا فكرة عرض التماثيل داخل الغرف المغلقة – وحسب ارتهايم وهو من الجشتالتيين الجدد – فإن التنظيم البصري يفرض نفسه على المتلقي ويجعل المراكز المختلفة الخاصة بالعمل متاحة للرؤية في نظامها المتدرج الخاص(3). وهذا هو جوهر فاعلية الإدراك الكلي الذي ينوه به هربرت ريد، وهو يتحدث عن (حضور) الأشكال الحية للفن الحديث مقترحاً الشكل الكلي (الجشتالت) المتسم بفردية متميزة(4).
فالأعمال تُرى خارجياً بكليّتها في لحظة حركة متوازنة: من العمل ومتلقيه البصري معاً فهو بحكم موضع التلقي العام (داخل واسطة نقل أو على رصيف أو كرسي أو لحظة قلق مشوشة، من الجانب أو الإمام، الأعلى أو الأسفل) سيضطر لإدراك العمل كلياً، بآحتوائه شكله ودلالته، ومعاينته شمولياً رغم نشاط التلقي الفردي الموازي لشكل العمل الكلي الموصوف بالتميز حسب هربرت ريد، باعتبار أن لحظات التلقي متغيرة من فرد لآخر، ومن زمن لآخر لدى المتلقي نفسه.
إن لحظة الإدراك الجشتالتية التي يتيحها النحت في الهواء الطلق ليست ساذجة أو عفوية، فالكل المرئي هو ليس عملية جمع تقليدية للأجزاء، فالكل مختلف عن مجموع الأجزاء، ويضربون مثلاً لذلك بالمربع الذي هو ليس مجرد تجميع لأجزائه أو أضلاعه الأربعة بل هو الصيغة الكلية (الجشتلت) التي تُنظَّم هذه الأضلاع من خلالها كي تأخذ صفة المربع الكلية.(5)
ستنضاف هنا في حالة الهواء الطلق محايثات مكانية وإيكولوجية ونفسية وبيئية تجعل وجود العمل الكلي غنياً بالإضافات الممنوحة لـه من وجوده الفضائي.
إن ذلك يعود بالعمل الفني إلى جوهر الحياة والطبيعة وهما عنصران طال زمن هجرهما في كلاسيكيات الحداثة حين لم تكن عملية التعبير والإدراك أو الأداء والتلقي منظمة بقواعد جمالية مرنة ، وحيث كانت دوغما الأشكال سائدة للتنفير والتباعد بين الفن كنُظُم وإشارات وبين وجوده في الحياة والطبيعة.
والنحت أكثر الفنون ترشيحا للعودة إلى الطبيعة والحياة، فمادته مأخوذة منهما، وتشكله بالتالي منوط بهما، إنه يعود – في طلاقة الهواء وفضاء المكان – إلى الاتحاد بعناصره في بهجة صوفية موازية للاتحاد بالذات الإلهية، وهكذا يبدو النحات أشد إصغاءً وإذعاناً للطبيعة – واستجابته لما يسميه أسعد عرابي (نواظم المادة) أكثر مرونة وحكمة.(6)
وعلى مستوى التلقي سوف يعطي وجود النحت في الفضاء طاقة تفاعلية مضافة للتلقي ولا يكتفي المتلقي حينذاك بلحظة الانفعال السجينة داخل الأسوار، فالمؤسسة المتحفية الغائبة في النحت الفضائي لا تفرض أعرافَ استجابةٍ قارّةً أو مكررة. إن الفضاء يمنح لحظة التلقي تلك فرصةً لتنشيط فعل الاستجابة الجمالية والمشاركة في خلق العمل كل مرة، استناداً إلى ما أضافته نظريات القراءة والتلقي الحديثة من افتراضات وأسس لدور المتلقي في ما يسميه ياوس (التفاعل) بين المتلقي والعمل ، والحرية المتاحة في تشكيل المعنى(7) وهو عمل تفسيري يتجاوز الانفعال بالمرئي أو المقروء إلى الدخول في عملية تشكيله وفق ما يختزنه المتلقي من ذخيرة ومعرفة  ، أو تجربة بالنوع ، مما يشكل ما يعرف بأفق التلقي.
في العادة يمثل الفضاء مكاناً متعيناً رغم مظهره الفراغي، فهو مملوء بأشياء كثيرة تنعكس عليه وتدخل في تكوينه رغم خلائه، وذلك يسمح لنا بوصف الفضاء أو الفراغ بأنه آهِل ومملوء بإشارات المكان سواء في فضاء المدن أو ساحاتها وحدائقها ومفترقات طرقها.
يتآخى هنا النحتي مع المعماري، والفني مع الطبيعي، وتتحول إيقاعات الأشكال في الطبيعة إلى ما يعادلها هندسياً على مستوى المنظور، وجمالياً على مستوى النشاط الهيرمونيتكي وتتوجه الأشكال عبر الرمز إلى الإفادة من "قوانين الطبيعة.. تجاه الضوء والهواء وعلاقتهما بالرطوبة والحرارة والحركة التي تشير جميعاً إلى تكاملات الأعضاء واتساق روابطها الوظيفية في خدمة الهيكل المعماري الجديد".(8)
إن الدورة الزمانية وما يصاحبها من عوامل ستترك أثرها في العمل أولاً وفي طبيعة عملية تلقيه ثانياً، وتتوازي بذلك حركته وإيقاعه مع حركة وإيقاع الفضاء الذي يحتويه وهو فضاء متشكل من أبعاد كثيرة تمتد من الأرض والناس والتاريخ والمكان..
 
* شعرية النصب وفضائيتها :
تحفّ بالنصب معانٍ قادمةٌ من ذاكرة لغوية في حالة المتلقي العربي، فالنصب بفتح الباء وضمها يحيل إلى حالة تمثالية. فالنصب هو إقامة الشيء، والمنصب هو المجلس، والنصب أيضاً ما نُصب فعُبد من دون الله وجمعه أنصاب.(9)
وهذا الحصر الأخلاقي لوظيفة النصب يُناسب المنطلق الاعتقادي لواضعي المعاجم، لكنه لا يحصر فنية النصب الذي دخل كنشاط نحتي في الحياة الفنية العربية وهي ترث الكثير من المنجز في هذا المجال من حضارات سابقة قامت على أرضها، لا سيما في بلاد ما بين النهرين، حيث كان وادي الرافدين زاخراً عبر الحضارات المتعاقبة: السومرية والبابلية والأكدية والآشورية وفي حواضرها المهمة: سومر وأور وبابل وأكد ونينوى والحضر وسواها، وصارت النصب والجداريات والأفاريز والأختام الأسطوانية جزءاً مهما من ذلك التراث الحضاري الخلّاق.. والذي جعل نقّاد الفن ومؤرخيه يصفون حالته المتقدمة فيرون أنه "شكل من أشكال النحت الحديث" احتكاماً إلى مكانة النحت في نظر العراقي القديم وتأليهه له وتقديسه.(10)
إن المدن والحواضر العربية التي نالتها الحداثة في بعض نواحي حياتها بشكل نسبي اتسع فضاؤها لمثل هذه الأعمال المتدرجة من التماثيل والجداريات والنصب بوعي جمالي أولي يستجيب للتزيين. وربما انبثق بعضها من وعي فني أيضاً بضرورة وجود الأعمال الفنية خارج المتاحف والقاعات ودمجها بأفق الجماعة ومكان عيشها وتنقلها وعملها ونزهاتها.. وإذ تتقلص إكراهات ذهنية التحريم وأخلاقياتها المضادة للفن عموماً، وتنسحب النظرة التكفيرية للفن، تتولى الدول والمؤسسات والجماعات رعاية تلك الأعمال النحتية في هواء المدن وفضاءاتها ومبانيها وساحاتها وحدائقها. ويترافق ذلك مع تزايد الوعي الفني لأصحاب الأعمال الفنية أنفسهم بضرورة وجود تلك الأعمال في فضاء المدن، وتنامي الإحساس بجماليات البيئة وما تفرضه من أعراف فنية وتقاليد صياغة وإنجاز الأعمال.
إن الوجود الفضائي للمنحوتات سيلزم الفنان بما يسميه محمد بن حمودة (الخضوع لإكراهات الإسقاط الهندسية للرؤية، ولآقتضاءات المعالقة)(11) أي تعالق النحتي بالمديني عمارةً وبشراً وأرضاً، ومراعاة أبعاد الرؤية ومستوياتها سواء على مستوى الصوغ بتكبير المفردات النحتية وتضخيمها أو باختيار أطرها المكانية وأوضاعها ودراسة ما تثيره في التلقي الجمعي الذي يرى المدرسيون والتربويون الفنيون والمهتمون بجماليات البيئة أنه يتطلب الفخامة، وكأنهم بذلك يطورون وجود تلك النصب في الأماكن الدينية كالكنائس ودور العبادة ودور الحكم والقضاء، وترى النظرة المدرسية في النصب العامة إلى جانب الضخامة والفخامة إمكانية أن تخلق "من خلال بنائها الفني علاقتها الواقعية بالمكان الذي هي فيه".(12)
وإذا كان جماليو التلقي والاستقبال الألمان من أتباع مدرسة (كونستانس) يرون الشعرية المعاصرة تتركز في خذلان أفق توقع المتلقي وتغييره ليندمج في أفق العمل ويحصرون الشعرية في تعارضات أفق توقع المتلقي وأفق العمل، فإن النفسيين كالاشتراكيين يرون أن (الأعمال الفنية التي توضَع في الأماكن المفتوحة من البيئة هي أعمال قد يراها الناس كل يوم.. لذا ينبغي ألا يتفاوت العمل مع توقعات الناس ومستوياتهم العامة وأذواقهم)(13) لكن هذا المطلب يناقض التربية الجمالية التي تؤديها النصب – وهي موضوع بحثنا هذا – ويُفقدها التأثير في الذائقة الجماعية لصالح الفهم والإدراك ومراعاة (مستويات) الجمهور وثقافته البصرية السائدة. وبذا لا يكون لتلك الأعمال أية تأثيرات في تطوير الذائقة العامة إذا ما هي أوقفت هدفها في تقديم ما يناسب تلك الأذواق والمستويات.
فللجداريات والنصب وظائف ثقافية وجمالية تتحقق بإدراك الجمهور لشعريتها وأسلوبيتها، وتلك الوظائف لا تنفي القيمة الذاتية للأعمال.(14)
كما أنها لا تتعارض مع أسلوبياتها التحديثية التي قد تردد الذوق السائد في قبولها أو فهمها بناء على ما وقر في خبرته ومعرفته السابقة من فهم للعمل الفني وشروط بنائه ليتصف بالمباشرة التعبيرية والوضوح المضموني..
 إن طبيعة مادة النحت وتنضيد أو اصطفاف الأشكال النحتية في النصب تتطلب إدراكاً كلياً لا ينقصه أو يغضّ منه عدم تفسير بعض جزئياته أو وضوح أسلوبها وبساطتها.
على العكس من ذلك فتكرار المعاينة واستمراريتها يوماً بعد يوم تجعل من السهل على الجماعة أن تنمّي تقبلها لتلك الأعمال وإدراك وظيفتها ضمن فضاء المكان الذي تعيش فيه وتتعايش معه، فهو أجدر بأن يتعايش معها ويتقدم إلى وعي المتلقي كجزء من جماليات المكان ذاتها..
إن فكرة الوجود المتحفي للأعمال النحتية والفنية عموماً رفضتها الحركات الفنية الثورية كالسوريالية.
ودعا الظاهراتيون إلى رفض النظام المتحفي ومؤسساته لأنه جاء استجابة لسيادة مفهوم الوعي الجمالي المجرد القائم على عزل الموضوعات الفنية عن سياق الحياة الإنسانية وتأملها خارج سياق تاريخها الأصلي كما يرى جادامير(15) وذلك جزء من دعوته إلى عدم حصر انتماء العمل لفني إلى ذاته فحسب "بل إلى سياق حياة ينتمي إليه ويتشكل من خلاله" ولتحقيق ذلك يدعونا إلى اكتشاف ما يسميه العنصر التجميعي والتسلسلي الذي يتخلل الإنتاج الفني المعاصر(16) وفي بلداننا ذات الإرث الحضاري الفني ينبغي إنهاء القطيعة بين جهل المتلقي لوظيفة النصب في فضاء مدينته، وبين منجز الإنسان في هذا المجال قبل آلاف السنين  ، حيث شهدت بلاد وادي الرافدين أعمالاً جدارية ضخمة ذات طابع سردي تحكي انتصارات الجيوش وقصص المجد والأعمال التي قام بها البشر في كيفيات متقدمة متعددة الأشكال كالزقورات أو المصاطب السومرية المصممة لتُرى من مكان بعيد، وكذلك الأختام الأسطوانية والألواح والأفاريز وما حفظه تراث وادي الرافدين الفني من تطوير لتلك الفنون.(17)
ولا شك في أن الضخامة (أو الفخامة) ليست وحدها سبب الميل للتعبير بتلك الأعمال وليس الغرض منها تسجيل أو تدوين الانتصارات والأحداث والأعمال، بل لأن طبيعة الأرض السهلية المستوية في وادي الرافدين تتطلب الرؤية الخاصة التي يتيحها وجود الأعمال بأسلوب النحت الناتئ أو النافر واصطفافها الأفقي وسرديتها المضمونية، وذلك كله يناسب موقع المتلقي بصرياً في مكان التلقي وموضعه.
إن ذائقة المتلقي الذي يريد التقليديون تلبيتها بشكل جمعي عند تنفيذ النصب في فضاء المدن هي ذائقة منقطعة من طرفين:
-         ماضيه الذي يضم تراث أسلافه في هذا النوع النحتي.
-        وعصره الذي يضخ رؤى وأساليب وأشكالا نظيرة في مدن الآخر.
وهذه القطيعة المزدوجة تجعل النظرة المتحفية متسيدة؛ فالمتلقي هناك يسجن جهله بالوجود المحدود والسجين للأعمال الفنية ذاتها وراء الجدران. ويتموضع تلقيه برؤية (خاصة) وعابرة تفرض عليه موقفاً سياحياً أحياناً أو بصرياً عادياً دون تذوق أو وعي في أحيان أخرى.
أما تحرير الأعمال النحتية من سجونها وامتلاء فضاء المدن بها فهو أمر لم يرضِ التلقي الجمعي فلم يتواصل معه، وإن هو قَبِله وارتضاه فبشروط التلقي التقليدي الذي يريد ما يطمئن أفق توقعه ويوافق خبرته ومعرفته ومفهومه للفن وتبسيط وظيفته وحصر أساليبه بالسائد والتقليدي.
 
* نصب الحرية في الفضاء البغدادي :
يقول المؤرخون إن بغداد القديمة كانت مدورة ينفتح الطريق إليها عبر عدة أبواب.. ويذكرون أنها بُنيت أصلا على أنقاض بستان فظل اللون الأخضر للزرع يوازي لون الطين المتميز في تربة وادي الرافدين الخصبة ، وهكذا امتازت بغداد الحديثة بشكل دائري أيضاً وإن كان غير متعين بصرياً بسبب اتساع المدينة وامتدادها السطحي.. ولكن سيؤدي جريان دجلة من شمالها إلى جنوبها وتعرّج مجراه وإلتواؤه أو أزوراره (من أسماء بغداد: الزوراء لهذا السبب) إلى تمثّل شكل شريان ضخم تقع على ضفتيه حاضرة بغداد المظللة فضاءً بخضرة النخيل والملونة أرضاً بلون الطين المكون لتربتها. وحين نمت بغداد عبر أزمنتها الحديثة والمعاصرة لم تتخلَّ عن مركز بؤري تلتمّ فيه حياتها الرسمية ،  وقطر أو محيط تتوزع حوله أو جواره ضواحيها. ووجود المركز في قلب بغداد سيدعو إلى الانتباه لحديقة الأمة قرب باب بغداد الشرقي في نقطة العبور من الكرخ إلى الرصافة عبر دجلة في الجانب الجنوبي من المدينة..
هنا نشأت إذن ساحة (أو ميدان) التحرير الواسعة كأول مدوّرة تستقبلك وأنت تعبر النهر إلى قلب المدينة وكذلك لتدعك تختار طريقك في اتجاهات المدينة الأربعة وتفرعاتها: شمالاً إلى أسواق بغداد ووراقيها وضواحيها الجامعية وجوامعها، وشرقا إلى طريقها السريع وأحيائها الجديدة، وجنوبا إلى أحيائها القديمة ومحلاتها الترويجية الملاصقة للنهر وبساتينها على الأطراف حيث تخرج من هناك إلى مدن الجنوب.. هذا إذا كنت عابراً إليها من جهة الغرب، وهو عبور مقصود لأنك سوف تتسلم فور اعتلائك الجسر منظر نصب الحرية لجواد سليم مواجهاً النهر، مولياً وجهه للغرب ومطلاًّ على استدارة الساحة الكبيرة التي غاص نصفها الأسفل قبل أعوام ضمن نفق كبير بسعة الساحة، سيكون وجوده  بخطأ جمالي مانعاً من رؤية مخلوقات النصب التي يمر من تحتها وحولها العابرون في الطبقة الأولى للساحة..
بعد إنجاز النصب أصبح الفضاء البغدادي أهلا، فالكتل النحتية البرونزية تملأ ذلك الفراغ الفضائي متعالية على أرصفة الساحة ومدخل الحديقة التي ظلت خلف النصب يحدها من جهة الشرق عمل جداري زيتي لفائق حسن (زميل جواد في مسيرته الفنية) ووجود العملين: نصب الحرية لجواد وجدارية فائق حسن يدير أحدهما ظهره للآخر يعدّ
ترميزاً لتقابل أسلوبين فنيين، ونوعين تشكيليين.
كان جواد يؤرخ للحظة حاسمة في تاريخ العراق هو انتقاله إلى النظام الجمهوري في 14 تموز 1958 في ثورة قادها الجيش وآزرها الشعب للقضاء على الملكية.
وقد تم تنفيذ النصب بعد ثلاثة أعوام من الثورة وبعد أشهر من وفاة جواد نفسه فلم يتسن لـه أن يرى كائنات نصبه وهي تعلو فضاء المدينة التي أحبها.(18) والتي آلمه خلوها من النصب والتماثيل ذلك الوقت (كانت هناك ثلاثة تماثيل في أماكن متفرقة من جانبي بغداد: للجنرال مود وللملك فيصل الأول ولعبد المحسن السعدون).
وتذكر زوجة جواد أنه كان يحبذ ألا يرتفع النصب بعلوه الشاهق هذا (ارتفاعه أكثر من ثمانية أمتار) وأنه أراده قائماً على الأرض بحيث يقترب منه الناس ويتفحصونه ويلمسون منحوتاته بالأيدي، لكن صديقه المهندس المعماري رفعة الجادرجي خشي أن يؤذي بعض المارة النصب ويشوهوه بالكتابات وغيرها، بينما يرى جواد أن وجود بركة تحجز الفضوليين عن النصب قد تكون حلاًّ إضافةً إلى الجمال الذي تتركه ظلال المنحوتات المنعكسة على صفحة الماء.(19)
أخيراً استقر الرأي على وضع المنحوتات الأربع عشرة في مكانها المرتفع على جدار مستطيل أشبه بلوح عريض أو أفريز قديم مستعرض طوله خمسون متراً، ويتيح رؤية المنحوتات الضخمة لكل عابر ولكن برؤية كلية لا تسمح باستيعاب تفاصيل كل منحوته لتعذر الوقوف على مبعدة كافية منها بسبب الزحام وطبيعة الحركة المستمرة في صحن الساحة.. لكن العين لا تخطئ جلال الأجزاء النحتية ولا يفوت العقل إدراك المغزى من سرد جزئيات تاريخ العراق قبل الثورة وماضيه وكذلك وعد المستقبل الذي جاء به الجمهوريون.
لاحقاً وبغباء معماري وبهرجة سياسية من الحكام، ستقام أعمدة حول صحن ساحة التحرير تحجب رؤية بعض المنحوتات وتشوش عليها لاسيما عند العبور إليها من جانب الكرخ عبر دجلة، وستقام جدران على سقف النفق الأرضي، ونافورة مياه عشوائية، تقلل كلها من الحرية الفضائية للنصب وتخسر العين متعة رؤيتها البصرية الكلية للنصب، ولكن ذلك لم يسلب العمل الجبار قيمته ودلالته فظل يعمل في فضاء بغداد مثل إشارة ثقافية يغني ذكرها أو دلالتها الأيقونية عن ذكر مكانها..
 
* كائنات النصب:
رغم وضوح المؤثر الآشوري، واستيعاب الفن الكتلوي الأوربي، استطاع جواد سليم أن يستثمر الروح السردية لجملة النحت الطويلة، وتتابع المفردات النحتية بتراتب بليغ الدلالة، مضيفا إليها المخيلة الحرة التي تحرك جمود الكتلة النحتية، وتفتت تكتل المادة الذي يميز في العادة النحت الناتئ أو البارز (الريليف) الذي يتحدى مقدرة النحات، لأنه يضعه بموازاة فضاء حر تسبح فيه الكتلة، ولا تعود الأحجام المستندة إلى قواعد أرضية ذات جدوى في هذا المجال، بل يكون الفضاء وحتى إشارات الأيكولوجيا ذات أثر تحديدي في شكل الكتلة وعلاقتها بما يجاورها.
هكذا تمكن جواد سليم أن يجعل مخلوقات النصب تناظر الفضاء وتحاوره عبر وجودها في الفراغ على علو حوالي ثمانية أمتار، وعلى أفريز عرضي يمتد خمسين مترا يضم أربع عشرة وحدة نحتية (إضافة إلى الحصان والثور) وذلك يوحي – ويشجع على قراءة – النصب كجملة نثرية، استمداداً من الخط العربي، أو قراءة سردية تحكي عبر الرمز مسيرة الحضارة الإنسانية في بلاد ما بين النهرين، وصولاً إلى الحاضر (قيام الجمهورية العراقية عام 1958) الذي يحتفي به النصب وفق رؤية تكاملية لا تغفل عن إنجازات البشر على هذه الأرض.
ولارتباط النصب بالحدث، تشبّه بعض القراءات وجود المنحوتات الجداري وكأنه ترميز لشكل لافتة يحملها متظاهرون بشكل عرضي.
تتيح كائنات النصب إذن بترابتها السردي الذي يتجاوز وجودها الكتلوي، أن يصب المشاهد استيهاماته وتأويلاته على العمل الذي يقسمه إلى نصفين وجود الجندي في الوسط مباعداً الأسوار بقدميه ويديه، خالقاً فراغاً رمزياً يؤشر إلى الحرية، التي تكتمل بوجود المنحونات معلقةً فوق صحن الساحة الرئيسية الدائري في هواء بغداد الطلق وبروز الجدارية فجأه لمن يدخل صحن الساحة عبر الجسر عابرا دجلة أو في الجنوب والشمال عبر مقتربات الطرق، هذا الوجود الفضائي الحر تأكيد لمجافاة الروح المتحفية والخروج من قاعات العروض وسقوفها الواطئة مما أكدته الحداثة الفنية في حلقاتها الثورية مضيفة لطاقة الترميز بعداً قوياً إلى جانب تزيين الفضاء وتجميله عبر ترابط المنحوتات ترابطاً بنيوياً متقناً.
وفنان مثل جواد  بعيه وثقافته سوف يستحضر ماضي وطنه وحضارته دون شك. وهكذا ظهر الماضي بطريقتين: موضوعية، تضج بالمفردات المجسمة في النصب؛ وفنية، نلاحظها في أسلوب تنفيذ النصب: فهو يجمع وحدات متعددة بشكل عرضي ذي مضمون سردي، وكأنه يربط الماضي الثري بمنجزاته، بالحاضر المتجدد، ووصولاً إليه ليؤكد صلة الإنسان بتراثه،وماضيه بحاضره  ، كما أنه يحاكي الروح السردية في أفاريز العراق القديم ووحدات الأعمال المتعددة والمكملة لبعضها سواء على الجداريات أو الأختام والأفاريز والمسلات.. كما يستفيد من المستقبل كذلك في التنبؤ بما سيؤول إليه تنوع الحياة وغناها (زراعة – صناعة – إنسان – محاربون – شهداء – كائنات حية..) ولأول مرة يجد الفنان تقديراً لنحته بصورة استثنائية إذ جرى تكليفه بإنجاز عمله الخالد من الدولة  رسمياً، وكانت لـه حرية التكوين والتصور معاً. وسيقضي جواد أشهراً طويلة في مصهر خاص بفلورنسا، يصنع المصغرات بعد تخطيطها ثم يعمل مع مساعديه (ومن أبرزهم النحّات الشهير وتلميذه في المعهد محمد غني حكمت) لكن الفكرة الواضحة في ذهنه أنه سيصنع ملحمة بالمعنى السردي والفني (تحكي) تاريخاً وحاضراً لذا أراد لها أن تكون بهذه السعة وأراد لها أن تكون بأسلوب النحت النائيء – وليس المجسّمات – متأثراً بالفن العراقي القديم.
 لكننا نتساءل كأفتراضات رؤية بصرية:
1.    أكان جواد متأثراً بالخط العربي واستثمار جمالياته ووضعِها فوق سطر طويل؟
2.  أم كان يستوحي شكل الأفاريز والجداريات العراقية القديمة ويحاول محاكاتها عبر جداره الفضائي وسط بغداد؟
3.  أم أنه أستوحى شكل اللافته، أي قطعة القماش البيضاء أو الملوّنة التي يرفع عليها المتظاهرون المؤيدون للجمهورية شعاراتهم؟
4.  أم أنه أراد أن يحاكي نظام البيت الشعري بتوزيع مفرداته على السطر بتناظر ايقاعي – وهذا هو رأي جبرا إبراهيم جبرا "فيقرأ المشاهد المحتوى من اليمين إلى اليسار، فكل وحدة هي فكرة قائمة بذاتها، ولكنها تتصل بالأخرى في سياق يؤلف المعنى الذي يعبر عنه النصب بأجمعه: توق العراق إلى الحرية منذ القدم، وتقديمه الضحايا في سبيلها"(20)
5.   ولكن معاينة النصب من قريب ستقوي اعتقادا جماليا قرائيا، يتطور من تفسير جبرا الشعري. فأنا أقترح قراءة النصب كجملة نثرية بليغة أشبه بتوقيع عباسي مختصر ووافٍ وبليغ حقاً. أو حكاية قصيرة، كالمقامة ذات غنى سردي متسلسل ذي طاقة رمزية. ويشجع على ذلك تأثر جواد سليم بالفن الأشوري الذي يرى الدارسون أنه يعتمد على السرد ويمثل "أطول مساحة قصصية عرفت في تاريخ الشرق الأوسط فقد جعل الأشوريون السرد القصصي سبيلهم لتسجيل تفاصيل الأحداث الحربية في شريط مصور تسهل متابعته"(21) ولعل هذه النزعة السردية انتقلت لجواد سليم بطريق الدراسة المتأنية والمعاينة البصرية لمنحوتات العراق القديم، فضلاً عن طبيعة العراق المتأثرة بالزراعة كوسيلة إنتاج مما يجعله ميالا للسرد وتجسيد الفكرة عبر حركات متسلسلة متواصلة، تذكرنا بالفصول الأربعة وتواليها ونمو النباتات المتدرج من البذرة وصولاً إلى الثمرة.
لقد اقترن اسم جواد سليم بنصب الحرية الذي اقترن بدوره بمدينة بغداد تاريخاً وفناً، وقد كان ذلك إنصافاً حقيقيا للفنان وللفن نفسه الذي أخذ مكانة حية وفاعله في قلب الحياة والمكان..
يتنوع أسلوب جواد في تنفيذ كائنات نصبه، فتتراوح بين نزعة واقعية وأخرى تعبيرية رمزية، وثالثة تجريدية، لكن وحدتها السردية الخفية هي التي تلائم بينها، وتبرز جمال المنحوتات وقوتها معا.
لقد بدأت جملة النصب السردية بالحصان كرمز عربي يشير إلى الجموح والقوة والجمال فهو بدون فارس، وإذا كان الحصان يعج بالحركة والنفور فإن جسده مغطى بأجسام بشرية تقرن الثورة بالإنسان، ثم يندمج أحد هذه الأجساد بيد رجل ثائر ممتدة إلى اليسار بينما يرفع يمناه باتجاه مساحات فارغة لعلها لافتات أو بيانات الثوار، مكتملة بوجود المرأة وجسد ثور مموّه في الأسفل. ثم يأتي الطفل جميلاً وبريئاً وفَرِحاً، تليه المرأة الباكية أو الصارخة، وكأنها تحاول فك قيود تلف وجودها، بل كأنها تبكي الشهيد في الوحدة التالية، واحتضانها لـه بمحبة وجمال يركز على المرأة نفسها. أما السجين داخل قضبان مشرعة وكأنها تتهيأ للتكسر، فهو المفكر المقيد الذي سيساعده الجندي على التحرر من سجنه. في الحركة التالية نصل إلى مركز النصب ومنتصفه. هنا يتلاءم البصر والفكرة حقاً فنحن نصل إلى نصف النصب، وكأن الجندي وهو يكسر القضبان يفتتح وحدة سردية جديدة في جملة النصب، كما أنه – الجندي نفسه – يبدأ بثورته في عام 1958 تاريخاً جديداً لهذا الوطن، ويعلو رأس الجندي قرص مختزل يشير إلى سطوع شمس الحرية التي تمثلها مرة أخرى امرأة تحمل مشعلاً متقداً يرمز للثورة، وهي بدون قدمين تعبيراً عن سموّها أو تحليقها عالياً كما يقول الفنان(22).
هنا نصل إلى جو إيقاعي جديد. تنتصر الثورة ويستلم الشعب شعلتها فيسود السلام الذي برزت في أجوائه أغصان الأشجار والحمامة والوجوه الجميلة والأنهار. ثم تأتي النخلة والمرأة الحبلى رمزاً للخصب والخيرات التي تحملها بنت صغيرة في لقاء نهري دجلة والفرات. وتبرز أيضاً معجزة الزارع الجديد بالمسحاة (أداة الزراعة التقليدية في ريف العراق) مع ثبات وقوة أرجل الفلاحين، ثم العامل الصانع واقفاً بشموخ وبيده أداة (ورمز) العمل = المعول. وبينهما – أي الزارع والعامل – ثمة ثور ضخم يطالع المشاهد، وكأنه يكمل صورة الحصان في أول النصب وهو استدعاء للمؤثر الأشوري وتوظيف لطاقة الثور رمزيا وفنيا.
لقد أكتملت موجودات النصب الذي لا يغني وصفه عن رؤيته كأي عمل ضخم خالد.. ولعلها مفارقة عجبية أن يموت جواد سليم في 23/3/1961 عن إحدى وأربعين سنة من العمر، وهو يعمل على وضع منحوتات النصب في مكانها في فضاء ساحة التحرير عندما داهمته نوبة قلبية توفي على أثرها.
 
تفسيرات وتأثيرات
يعلل الدارسون ضخامة الأجزاء النحتية في النصب، بأنها تعبر عن شعور لدى الفنان بتعذر الإحاطة بالتفاصيل في عمل فضائي كنصب الحرية، لذا فقد جعل الترابط البنيوي والسردي عاملاً لتحقيق رؤية كلية تحس جمال النصب ومغزاه دون استكناه جزئياته وتفاصيله مفردةً مفردة.
لكن ذلك لم يدفع الفنان إلى نزعة مجانية أو عبثية بل قام بدراسة موقع كل جزء وصلته بالأجزاء الأخرى، ودقّق في المعايير الجمالية والدلالات لكل قطعة، لكنه صنع مركزاً بؤريا يشع على الأطراف والأجزاء الأخرى، هذا المركز هو الجزء الذي احتله الجندي بحركة قدميه ويديه مباعداً الأسوار ومكسّراً حدَّيها بعنفوان وإصرار بينما تعلو رأسه شمس محوَّرة ترمز كما رأينا إلى دلالة تاريخية ورمزية: فالعراقيون القدامى عبدوا الشمس وأكثروا من تصويرها في جدارياتهم، كما تدل رمزيا على سطوع الحرية بعد ظلام الملكية البائدة ومصادرتها للحريات..
وهذا ما يتسلمه الناظر وهو يمر ولو سريعاً بينما تتخذ الأشكال الأخرى هيئة ثيمات أو مفردات تكمل وتوسع هذا المعنى المحوري، فالفنان يريد أن يشيع الشعور بالحرية وبشمسها المشرقة وشجاعة الجندي في أن واحد على المشهد كله، بل يريد أن تتعداه إلى المتلقي الذي يتشبع بهذا المدلول وهو يتسلم عملاً يحمل عنوانا دالا هو (نصب الحرية)...
وكثيرا ما كرر دارسو جواد سليم وعمله الخالد (نصب الحرية) أنه متأثر فيه إلى حدّ كبير بالنحت الأشوري والسومري، وذلك لا يغض من قيمة العمل الفنية والدلالية، فهو عبر هذا المؤثر يريد إعادة الآعتبار للتراث الفني للعراق، ويربط المتلقي المعاصر الذي يعاني من القطيعة مع تراثه بهذا التراث الثري.. أما على مستوى التفاصيل فهناك من رأى رمزية ساذجة في تصوير الجندي وهو يكسر الأسوار، أو في التعبير عن صباح الحرية وقيام الجمهورية بعد عصور طويلة بأمرأة تحمل شعلة، فهو يحيل ذاكرة المتلقي إلى تمثال الحرية الأمريكي، والى عمل ديلاكروا (الحرية تقود الشعب) حيث المرأة تتصدر الموكب الجماهيري حاملةً شعلة الحرية بحركة رشيقة...
ولكن هذه المؤثرات تدل على نشاط ذاكرة الفنان وثقافته الفنية، وإلى شيوع الرمز العام ودلالته، دون أن يعني ذلك النقل أو الاستنساخ
خاتمة
كل صباح تستيقظ كائنات النصب ليعطيها نور الشمس حياة أخرى ووجودا جديداً، فتشهد على حركة الناس وبدء الحياة وتختزن في ذاكرتها ما رأت وترى – من أحداث...
والناس العابرون والواقفون هم أيضاً يتأملون بدء الحياة عبر جدار الساحة العريض وكائنات البرونز الضخمة المتعالية جميلة ومشعة، وامتداد الأفق البغدادي المتغير صحواً رائقاً في الأصياف، وغيماً شجياً في الشتاءات، وتنعكس من قلوب المتلقين وعقولهم شحنات مما يعانون وما يأملون ويحلمون فيسكبون مع نظراتهم المنتشية بالنصب إطاراً آخر في سياق العمل يلونه بتغيرات لا تنفد ولا تتوقف(23).
وتتحد أعالي النصب وحواف جداره بأفق بغداد الممتحنة والمتألمة فكأنها أودعت سرد منحوتات جواد مكاناً أميناً بعيداً عن الأرض التي تعاقَب عليها الطغاة والجلادون والخونة والمحتلون، ولكن منحوتات نصب الحرية تجدد حياتها حرة في فضاء بغداد تؤاخي بنظرها البعيد الثاقب مياه دجلة وهي تجري تحت أقدامها مكونةً سمفونية رائعة الأداء... وخالدة خلود الفضاء نفسه، وتوّاقة للحرية كالبغداديين والبغداديات الذين تموج بأعينهم الغاضبة رؤى الاحتلال البغيض بعد طغيان غاشم، متطلعة إلى الفضاء وعداً وحلماً وأملا.
 
 
 
 
 
 الهوامش
1)  1-- أسعد عرابي: وجوه الحداثة في اللوحة العربية، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة 1999م، ص36.
2)       
2)    2-  د. شاكر عبدالحميد: التفضيل الجمالي – دراسة في سيكولوجية التذوق الفني، عالم المعرفة 67، الكويت 2001، ص87.
3)   -  نفسه، ص168 ويمكن مراجعة الترجمة المقترحة للجشتالت في الكتاب، ص109.
4)  - هربت ريد: الفن الآن – مقدمة في نظرية الرسم والنحت الحديثة، ترجمة فاضل كمال الدين، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة 2001م، ص149.
5)   -  التفضيل الجمالي، ص159.
6)   - وجوه الحداثة في اللوحة العربية، ص39.
7)   -  روبرت هولب: نظرية التلقي – مقدمة نظرية، ترجمة د.عز الدين إسماعيل، كتاب النادي الأدبي الثقافي 97، جدة 1994م، ص195 و 297.
8)   -  نوري الراوي: تجديد اللغة الشعرية في الفن، ضمن كتاب (مرايا الرؤى) في شأن بلاغة التشكيل، إعداد وتحرير: د. يوسف عيدابي، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة 2001م، ص21-25.
9)   - الرازي (محمد بن أبي بكر): مختار الصحاح، دار الفكر، بيروت د.ت.، ص6.
10)   تجديد اللغة الشعرية في الفن، ص11.
11)   د. محمد بن حموده: قضايا الاستطيقا من خلال النصوص، دار الحامي، صفاقس 2001م، ص125.
12) ف.كوستين، ف.يوماتوف: لغة الفن التشكيلي، ترجمة برهان شاوي، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة 1997م، ص160. ويعكس المؤلفان قناعة (اشتراكية) تقليدية بوظيفة النصب التفسيرية وصلتها بالتلقي الجمعي.. ووصف العملية النحتية بالفخامة استناداً إلى ضخامة كتلتها. نفسه، ص13.
13)   التفضيل الجمالي، ص283.
14)   د. محمود أمهز: آفاق التجريد في الفنون البصرية، ضمن كتاب (مرايا الرؤى)، ص82.
15) جادامير (هانز جيورج): تجلي الجميل، ترجمة د. سعيد توفيق، المشروع القومي للترجمة 23، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 1997، ص49.
16)   نفسه، ص199 و 201.
17)   نعمت أحمد سلام: فنون العراق القديم، سلسلة كتابك 167، دار المعارف، القاهرة 1984، ص14 و 54.
18) ولد جواد سليم في أنقره عام 1919 من أبوين عراقيين، ودرس الرسم في باريس وروما ولندن، وعمل في المتحف العراقي للآثار، وأسس جماعة بغداد للفن الحديث عام 1951 كما ساهم بتأسيس معهد الفنون الجميلة وجمعية الفنانين العراقيين.
19)   إنعام كجه جي: لورنا – سنواتها مع جواد سليم، دار الجديد، بيروت 1998، ص 71-72.
20) جبرا إبراهيم جبرا: جواد سليم ونصب الحرية، دراسة في آثاره وآرائه، وزارة الإعلام، بغداد 1974م، ص78.
21)   فنون العراق القديم، ص45.
22)   جواد سليم ونصب الحرية، ص152.
23) أحيل هنا إلى دراسة مطولة للناقد ياسين النصير بعنوان (ساحة التحرير – بغداد الجديدة)، مجلة نزوى، العدد 28، مسقط أكتوبر 2001، ص97 وما بعدها، ويرد فيها تحليل متأنٍ ودقيق  لدلالة المكان في ساحة التحرير ضمن عنايته بالمكان البغدادي وإشاراته إلى القيمة التداولية والفنية للنصب. مع ضرورة تصحيح تاريخ إنجاز النصب حيث ورد لدى النصير مرتين على أنه تم في عام 1962م. والصحيح أنه أزيح عنه الستار في 16/7/1961 بعد وفاة الفنان بحوالي ستة أشهر.
 

 

(· ) بحث مقدم إلى ندوة (النحت في الهواء الطلق) – مهرجان المحرس – تونس -صيف 2003م.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
                                       
 
                                            عين ميدوزا وعين الطائر
                                           تأهيل المتلقي بصرياً في أفق الفن 
 
 
 
(واعلم أن العين تنوب عن الرُّسل ،ويُدرك بها المراد، والحواس الأربع أبواب إلى القلب ، ومنافذ إلى النفس، والعين أبلغها وأصحها دلالة ، وأوفاها عملا....ولو لم يكن من فضل العين إلا أن جوهرها أرفع الجواهر وأعلاها مكانا لأنها لا تدرك الألوان بسواها ولاشيء أبعد مرمى ولا أنأى  غاية منها ..)                      
                      ابن حزم : طوق الحمامة في الأُلفة والأُلاف
                    طبعة دار الشؤون الثقافية ، بغداد 1986، ص92
 
تساؤلات
 مَن الذي يهب العمل الفني تحققه ووجوده الجمالي وهو معروض  للمشاهدة والـتأمل والتأويل؟
ما الذي يجعل عملا ما فنا قابلا للمعاينة والفهم والتحليل؟
كيف يمكن تحقيق مشاهدة  فاعلة متفاعلة ،لا منفعلة مستسلمة لثوابتها المسبقة؟         
أية عين نرى بها:عين  ميدوزا التي تحيل كل ما تراه حجرا جامدا  أو يغدو  كل من يراها حجرا؟ أم عين زرقاء اليمامة المبصرة وراء ظاهر الشجر السائر بشرا متخفين ؟ أم عين الطائر التي تلتقط المشهد محيطة به من جوانبه كلها؟
تلك وسواها مداخل يستثيرها البحث عن متلق بصري مؤهل للمشاهدة والمعاينة والتأمل كدرجات من المستويات الممكنة للتعامل مع النص البصري واستقباله ومعاشرته ،  واستيعاب دلالاته ووسائله وغاياته..
وهي تنم عن حاجات عديدة أو مقاصد تعني التلقي البصري كما تشمل سواه من الطرق  الممكنة في  عملية تلقي الفنون والآداب.(1)
 لقد أصبحت مشكلة  التلقي مشكلة جمالية مشتركة بين النصوص على اختلافها : بصرية وغير بصرية، يتناولها ناقد الشعر والباحث في جماليات تقبله وقراءته ،كما يهتم بها ناقد الفن ودارس جمالياته ، والمعنيّ بمشاهدته واستيعابه.
إن تلك السمة المشتركة تعود لأكثر من مبرر في مقدمتها انفتاح الفنون والآداب على بعضها ، واقتراضها تقنيات ومصطلحات  ومفاهيم وإجراءات ، وتقاسمها مشكلات عامة تقف أمام المشتغلين في تلك الحقول فنانبن وباحثين ، وفي مقدمتها مشكلة تلقي الأعمال والحكم الجمالي عليها وفق ما وقر في وعي متلقيها المتكون بتراكم الخبرة والمعرفة بالنوع الذي تنتمي إليه النصوص الممتلقاة  بأنواعها وأجناسها المختلفة بصرية أو كتابية.
وقد تسبب هذا التنافذ والانفتاح النصي في سياق الحداثة تغيرا في الأساليب والإجراءات(2) أوجب أن تتغير بمقابله طرق تلقي النصوص ، و هو ما لم يحصل في كثير من الحالات ،  وظل أفق التلقي وتكوين المتلقي وطرق التلقي ذاتها في المواضع التي غادرتها نصوص الحداثة التي جاءت بها تبدلات المناهج والأساليب المواكبة لتطور الوعي وافتراضات الحداثة ذات البعد الشامل أفقيا وعموديا : باتجاه الفن ذاته- موضوعاته وصلته بالحياة وتمثيلها بأساليب فنية متنوعة ، وباتجاه الخارج حيث وجود هذه الأعمال والنصوص في سياق متصل من التحديث الذي ينعكس في المحيط الذي تسكنه تلك الأعمال وتصبح جزءا منه ، وهو ما يمثله التلقي بمستوياته الممكنة  : عاما كان ام خاصا ، نقدا وتحليلا أم مشاهدة وتلقيا بصريا ،فالتلقي هو استكمال لوجود العمل(3) الذي يظل ناقصا او موجودا بالقوة ولا يكون موجودا بالفعل  إلا بواسطته ، ويقدم لنا تاريخ الفن امثلة كثيرة على ذلك ، فالفنانون ينجزون أعمالهم  بأساليب يحددها وعيهم بالفن وبالموضوع وطرق تمثيله وظهوره على السطوح التصويرية التي تصبح المساحة المتاحة لذلك التمثيل الفني ،  وكذلك  تصوراتهم  وأفكارهم وما يعتقدون به. لكن ما يهب النص البصري بعد الإنجاز حياته بين نصوص النوع المقصود تصويرا  او نحتا  هو  المشاهدة والتلقي البصري القائم على أسس ومعايير محددة ومتشكلة في شروط  الخبرة والوعي الجمعي ومكانة الفن في الحياة والنظر إلى حداثته وأسلوبيته. وقد تسهم التفسيرات والتحليلات وقراءة النصوص في اشتراطات معينة في خلق تصورات لم تكن في وعي  الفنانين  أو قصدهم  ، كما حصل مثلا في قراءة نص  الموناليزا التي ساهم التلقي والتحليل التالي في الالتفات إلى تفردها والعناصر الخاصة التي ميزتها وربطتها بالمشاهدة المتعاقبة  ، فجعلت ابتسامتها مثلا هي مركز أو بؤرة العمل والانهماك في تفسيره وتأويله  ومن ثم إدراجه في متوالية  نصية تصنعها ذخيرة التلقي وتصنيفاته القائمة على تراكم النصوص في النوع نفسه ، والتبدلات والتغيرات التي يعطيها العمل لهذا النوع  كاستبعاد معايير الجمال التقليدية عنه ، والانتباه إلى الجانب التعبيري في مناطق محدده من وجه الموديل أو الشخصية في البورتريه الذي صار له وجود نصي آخر بفعل التلقي .
إن ارتباط التلقي بالإدراك  المسلط على النصوص جعل من التلقي  فاعلية مركزية تحدد قيمة العمل وحياته عبر التفاعل بين المتلقي والنص ، بعد أن كانت الصلة التقليدية السابقة تُبنى على أساس الصلة بين النص وصاحبه :
             1- المبدع ................... النص
              2- النص................المتلقي
 فأصبح الفن ذا وظيفة جديدة تتلخص في تجريد إدراك المتلقي من عاديته وآليته تلك التي كانت تقود إلى  الإخفاق في رؤية الشيء ،  والاكتفاء بمعرفته ، فيما  ينقلنا الإدراك غير المألوف إلى تقرير الخاصية الفنية للعمل. فيصبح الإدراك وليس الإبداع ، والتلقي وليس الإنتاج هما العنصران المكونان للفن(4).
 
المتلقي : الشخص والكيان الجمالي
 لا نقصد بالمتلقي هنا ذلك الشخص الذي يعاين العمل في لحظة المشاهدة مسلطا عليه وعيه وخبرته وذوقه بل هو كيان جمالي أعم، ووجود متكون بحكم  السائد من الأسلوبيات والرؤية للفن ومكانته في الحياة وصلة ماضيه بحاضره ،فهو يمثل راهن القراءة البصرية في زمن ما مع الاختلافات في درجات ذلك الوعي ، وهكذا يصبح المتلقي شخصا مجردا والتلقي تجريدا للصلة بين العمل والمشاهدة التي تتجاوز كونها لقاء العين بالسطح التصويري في لحظة معاينة محددة (5) فهي ليست عملية نظر بل إبصار بما توحيه المفردة من قوة تحليل واستيعاب لعناصر العمل وصلته بأفراد النصوص التي يضمها النوع  والسياقات المنتج فيها ، داخلية تخص ما يجاورها أو يعاصرها من الأعمال  المعروضة للمعاينة ، وسياقات خارجية بين العمل وسواه من أعمال ذات اتجاهات ورؤى متشاكلة معه  أو مغايرة له ويفيدنا كثيرا في هذا المجال ما اسميه الوعي التناصي،  أي قدرة المتلقي بكونه المخزن الذي تتلاقى عنده النصوص وتتفهرس وتنتظم وتتوالى وتحفظ ، على إيجاد صلات نصية فاعلة في النص الماثل منسلة من السابق الذي لابد من وجوده بشكل ما وكيفية خاصة في العمل ، ويتم ذلك بعد تعرف المتلقي على اتجاه العمل وانتمائه النوعي: لوحة زيتية ـ مائيات ـ كرافيك – تخطيط –كولاج –إلى آخره..ومقدار توفره على أساسيات وتقنيات هذه الأنواع ورؤية الفنان وزاوية نظره إلى الأفكار التي ينطوي عليها عمله والمدارس التي تمثلها كأسلوبيات في التنفيذ ، ومن ثم وضع العمل في مساره التاريخي كنص وفرد في نوع ، أي ما يتناص معه فكرة وفنا  ، واتجاهه الحاضر ومقدار إضافته في مجاله ..
ومهمة مثل هذه موكلة للمتلقي بناء على الاعتقاد بأن سيرورة الفن نفسه تحددها اتجاهات التلقي وإجراءاته والحس الذي تعكسه، لا بد أن يتولاها متلق خاص  ذو عين ترى من زاوية نظر الطائر التي اقترحها السرديون للإحاطة بالحدث(6)  و يساير وعيه ما في الفن نفسه من تطور وتحديث في الرؤى والأساليب،  فيغير أفق تلقيه  ليلامس تلك التغيرات التي تعد كذلك من عوائق التلقي المطلوب مالم يهيأ المتلقي ويؤهل بالمعنى المهني للمفردة أي يُعَد إعدادا مناسبا ليوا زي تلك التحولات ، ويقابلها بذخيرة التلقي المخزونة لديه، وهي ذخيرة ليست ذاتية يخلقها التأثركما يتصور المحللون الإنطباعيون والذوقيون بل هي ذات طبيعة موضوعية تستوعب الخبرات النوعية والنصية وتضع لها تاريخا فنيا  وسيرورة جمالية خاصة تحتكم إليهما كمرجع للتقييم والحكم .
وسنضرب أمثلة بالتطوير الذي يجري على تقديم الأعمال الفنية التي لم تعد لوحات مرسومة لوحدها بل متصلة بسياق عام إما على شكل متواليات تستوجب القراءة المتسلسلة وربط بضها ببعض، أو بالخروج احيانا على الأطر التقليدية في العرض بدءا من إطار اللوحة والمواد المستخدمة والتقنيات المنفذة بها ، والتبنه إلى جماليات لم تكن واضحة أو مطلوبة سابقا كجماليات الجدران والأرصفة مثلا ، والاستخدام التقني الجديد للحاسب والطباعة  وغير ذلك..
 
أوهام  الحداثة  وتناقضاتها
حين نقترح تأهيل المتلقي وتطوير رؤيته البصرية وثقافته الصورية في عصر صار يطلق عليه عصر الصورة ،  وفي احتدام المدارس والرؤى والاتجاهات الفنية والأسلوبية ، وتنوع التقنيات ومواد العمل وطرق تنفيذه وتوصيله ، فإننا لا ننكر ما يضيف تسارع الحداثة الفنية  والتناقضات التي تشتمل عليها  من تعقيد لتلك لمهمة  التأهيل التي سنأتي لبعض جوانبها لاحقا.
يسمي انطوان كامبنيون  خمس مفارقات أو تناقضات  اتسمت بها الحداثة الفنية  عبر تقاليدها الجديدة ،هي:  التدله او الولع الزائد بالجديد ، والحماسة المستقبلية ، والهوس أو الإرهاب  التنظيري  ، النخبوية والجماهيرية أو السوق، والنفي أو افتقاد التاريخ الخاص .(7)
لقد تكونت الكثير من التساؤلات حول الحداثة بسبب انتقالاتها الحادة التي تفاجئ التلقي النسقي والمستقر والمتوافق مع ما ألفه بالذوق والحس ، كالانتقال الحاد إلى التجريد في العقد الأول من القرن الماضي، والقفز إلى التصورات السوريالية في العقد التالي  ،  فتدرجت الرؤية من الواقع إلى التقشف ثم الخيال،  وتغيرت القراءة من الإيقونية المطابقة للمرئي مع الخارج عبر التأكيد على الغاية من العمل ، لتصبح قراءة شكلانية تؤكد على الوسائل والأدوات والعناصر يحركها الظن بأن الواقعية بتعبير كاندنسكي  كانت جنس الرأسمالية الأدبي والفني بامتياز،  لذا فَهم التجريد بأنه منعطف روحي يتحرر الفن فيه من الطبيعة والمادة ، ولكن كاندنسكي  مدين للصدفة باكتشافته التجريدية التي دشنتها مائيته عام 1910، حيث عاد إلى مرسمه ذات مساء  ليقف مندهشا أمام جمال إحدى لوحاته و قد علقت بالمقلوب! فأدرك كما يقول بأن الموضوعات تضر بالأعمال فأخذ يبحث عن بدائل لها ، فكان قراره الفني هذا بمثابة صدمة جمالية للمتلقي الذي لم تتبدل زاوية نظره أو تتحول أو تتكيف.
وحين كان كاندنسكي قد عثر على التجريد كحياة روحية للعمل توازي الروح  في نشاطها وفاعليتها وصبواتها ، أدرك رسام آخر هو موندريان من منطلق صوفي ونتيجة تربية دينية شديدة أن تحرير الإنسان بالفن وسموه وارتباطه بالروحية شرط لرسمه وفنه  ،بينما تكتمل خطوط المثلث التجريدي برسوم مالفيتش  الذي وصل عبر مربعه اللوني وسطوحه إلى ما يسميه العالم  الأبيض ومظهره اللاشيئي بسبب غياب الموضوعات.(8)
وهنا أيضا تتسارع الحداثة بحثا عما يوازيها على مستوى التلقي الذي لم يكن مرحّبا بإنجازات الفنانين  الحداثيين ونظرياتهم مما دفعهم للإيغال في التغريب واختيار البنى الفنية الصادمة  التي لا تقارن بالصدمات التي رفضها الذوق العام للجمهور مثلا في القرن الأسبق   ، كما جرى بصدد عملي مانيه مثلا: أولمبيا  ، وغداء على العشب واللتان عالجهما أبرز الكتاب والفنانين بحثا وتحليلا كبودلير وزولا ومالارميه .
لقد كان الرسامون أنفسهم منقسمين بصدد موضوع الرسم الذي نفته الحداثة وأبعدته من برنامجها النصي بينما ظل ضمن البرنامج الصوري والبصري لدى جمهور المتلقين . يقول  تيرنر مثلا نحن نرسم ما نرى لا ما نعرف بينما يتساءل بودلير إن كان ديلاكروا يرسم ما يرى أم ما يحلم به ؟ (9) وهو  ما ستطور السوريالية آليته لاحقا ليتعزز بالخيال كمرجع وحيد للعمل ولتلقيه أيضا.
إن أشكال التصوير والنحت والموسيقى تسحب الجمهور كما يرى سارتر من تحت وطأة الظروف الحياتية  وتجعلهم يختارون مما يرون لأن المشاعر كلها ملتصقة بقماش اللوحة (10)  رغم أن الفن لا يجعلنا مثلا أحسن حالا بعد أن  ننظر إلى لوحة فنية .
يضاف إلى ذلك القطيعة التي تقترحها الحداثة في الفن التشكيلي خاصة ، مع منجز الماضي وتجاوزه  وإلغاء وجوده في تاريخ الفن الخاص بالمتلقي كي لا يقايس إلى ـ أو يحتكم بناء على ـ  ما تم إنجازه بمعارف ورؤى الماضي.  و من جهة أخرى سوف  يتم  استكشاف التمثيل البصري المقصود بحد ذاته  بدلا من استكشاف الموضوع ( 11) كما أن اندماج الطليعية بالحداثة تسببت بتحديات للتواصل مع الجمهور ومنها تجاوز فهمه واستيعابه ، بينما يرصد الباحثون تذبذب خطاب الحداثة (  12) بين الثقافة الجماهيرية كالعودة إلى الفن الشعببي ، وثقافة النخبة المتمسكة بالشكل ونفي الموضوع .
 إن  المفارقات التي ترد في سياق جدل الحداثة مع ماقبلها ومحاولة تأكيد وجودها وترسيخ تقاليدها تسبب زعزعة لإيمان المتلقي بمقولاتها وملفوظاتها ،  وهي  تلك التي قاربها  عربيا أدونيس بصدد الحداثة الشاملة  ووصفها بأنها ذات أوهام تتداولها الأوساط الشعرية العربية ، حتى تكاد أن تخرجها عن مدارها عدا أنها تفسد الرؤية وتشوه التقييم، ويسمي من تلك الأوهام  وهم الزمنية أي التصور بأن  الحداثة مرهونة  او مربوطة بزمننا ..بعصرنا  وبالراهن من الوقت ،ووهم المغايرة أي أن التغاير مع القديم موضوعات وأشكالا هو الحداثة أو الدليل عليها، ووهم المماثلة أي الاعتقاد بأن الغرب المتفوق هو مصدر الحداثة بمستوياتها المادية والفكرية والفنية وأنها لا تكون إلا بالتماثل معه، ويضيف أدونيس وهمين يتصلان بالتشكيل البنيوي للنص أي التأكيد على الأداة والتجريب فقط،  ووهم استحداث المضمون أي انتساب النص للحداثة لمجرد تناوله انجازات العصر(13)، وهي أوهام نتفق مع أدونيس في تشخيصه لها ، فنحن  نرى خطورتها إذا ما عرفنا أنها  تسكن العقل والحس والذوق.
ولا شك ان ثمة آثاراً سلبية  لهذه الإشكاليات التي تثيرها تصورات متبني الحداثة ودعاتها في السياق الحجاجي والجدلي لميلاد الحداثة ونشأتها عندنا وتقبلها كتحول فكري وفني على الأصعدة المختلفة ، و كذلك ردود الأفعال  قبولا أو رفضا ،  فضلا عن الخطأ في المواقف من التراث والحضارة والعصر والعلم والمجتمع والواقع لوجود التباسات في المبادئ  النظرية وفوضى اصطلاحية ومفهومية ، وتكثيف الضخ النظري بمقابل الإنجاز  الفني وهو ما يوحي بقسرية نظرية  وترويج للمبادئ الفنية دون اعتبارات للآخر ، وهو ما يوقع المتلقي في خضم موج من التنظير غير القابل للحوار والجدل.
هكذا نتعرف على مشكلات موضوعية في مسألة إعداد المتلقي تسببها الحداثة نفسها . وفي مجتمعنا العربي لاحظنا تجسيم تلك المشكلات لغربة المحيط عن مقولات الحداثة ونقصانها أي عدم تكملة برنامجها اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، فهي معروضة للتداول في مجتمع غير حر ومتخلف وهي  تنفي الموضوع ، والجمهور يبحث عنه، وتلامس الجديد وتتحمس للمستقبل ، والجمهور متمسك بالماضي وقيمه ، وهي تستكمل وجودها المعرفي في الفنون والآداب بينما تعاني بعض تلك الحقول تأخرا أو غيابا في بعض الأحيان كالسينما والدراسات الفنية والمسرحية المنتظمة في أقطار كثيرة.
التأهيل والإعداد
إذا كانت تلك معضلات موضوعية تتعلق بطبيعة الحداثة الفنية وتناقضاتها وعوائق التوصيل والممارسة الاتصالية المنبثة عنها فإن الأسباب الذاتية المتعلقة بالمتلقي العربي ذات حمولة اجتماعية وسياسية واقتصادية وتربوية بشقيها البيداغوجي- في المدرسة- والأسري البيتي والمحيط العام أيضا.
ويمكن استعراض تلك المعوقات على النحو التالي:
-   انعدام الفضاء الذي تفترضه اللوحة والعمل الفني الحديث عموما ويوازي افتقاد الحرية في التعبير والاختيار والإنجاز. وهو ما يسبب  بعدم توفره كقاعدة سياقية في حياتنا العربية حيث المنع والرقابة بشتى أشكالها  تأخر التلقي كعملية معرفية وجمالية .
-   الأمية البصرية الشائعة في حياتنا والمتسببة عن جهل الفرد بتاريخ الفن ودوره ومنجزه بل حتى  غياب الوعي الآثاري وتمثل بعده الحضاري رغم الخطاب الشعاري المتمحور حول الهوية والوطنية والقومية دون ملموسية في هذا الجانب أي ترجمة المقولات والشعارات إلى برامج دراسية وإعلامية وسياحية فاعلة ودراستها جماليا وتقريبها من المتلقي.
-   فضلا عن إغفال الصورة من برامج الحياة حتى الحضري منها وعدم الاهتمام بالمنظر العام وبنى المعمار وكتله وتجمعاته ن وإهمال جماليات الصورة إعلاميا أو حصرها في الجماليات المستهلكة أو الشائعة مما يكرس الفقر الصوري في الكتاب المتداول والمناظر العامة و البؤر السكانية والوسائل التعليمية والإعلامية  
-   غياب الدراسة الفنية المنظمة لا للفن التشكيلي فحسب بل للعلوم الإنسانية الساندة كعلم الجمال والفلسفة وتاريخ الفن والنقد بأنواعه .
   وهذا الفراغ التعليمي ينعكس على إعداد الفنان والمتلقي معا.
-   العوامل الاقتصادية الضاغطة التي تجعل الفن في درجة دنيا من سلم الأولويات في لائحة اهتمام المتلقي.
-   المستويات التعليمية المتدنية لأرباب الأسر العربية مما يجعل الفن في البيت العربي شيئا كماليا قلما نراه يزين المسكن أو المرفق العام ، فالتربية البصرية تبدأ عادة في الأسرة التي  هي بحاجة لتأثيث المكان فنيا لا بالقياس للتراتب الاجتماعي والبذخ أو المظهر- التزيين والاهتمام بالإكسسوارات والديكور- مع عراء الجدران والزوايا من التحف واللوحات والمنحوتات،  أو اختيار أعمال شعبوية شائعة مفرغة من البعد الفني  ومتدنية الأداء والمادة والشكل-.
-   خلو المدارس والجامعات من الورش الفنية والمراسم والأنشطة التشكيلية،  بل فقرها الصوري والفني عامة ، وعدم الاهتمام الخاص بالتربية الصورية لعيون الدارسين وبما يفيد في إعدادهم لممارسة التلقي الفني .
-   إغفال الإعلام للجوانب الفنية كالنقد  التشكيلي والترجمات النظرية في هذا المجال  ومتابعة العروض والدراسات التشكيلية  وعرضها والتعريف بها  ، أو ما يتصل بها كالخطاب البصري الجديد في فن التصوير الضوئي مثلا وإهماله الواضح  من برنامج المعارض والمسابقات والدروس والمحاضرات والندوات غالبا.
-   عدم تولي المؤسسات الاجتماعية والتربوية دولا ومنظمات رسمية أو شعبية مهمة التثقيف الصوري البصري وتنمية الإحساس الجمالي بالمكان والأشياء عبر المعاهد المتخصصة والصحافة والإعلام والدورات ودور العر ض والمسابقات ونشر الدراسات والكتب في المجالات الفنية.
-   الندرة المتحفية سواء في عدد المتاحف قياسا للسكان في البلاد العربية أو بنوعية تلك المتاحف المتخصصة بالتراث القديم والإسلامي والمعاصر والشعبي ..وكذلك توزيعها الجغرافي بحيث  نراها تندر في المحافظات والأقاليم أو تنعدم تماما.
-   ضرورة إشاعة الثقافة التشكيلية عبرربط الماضي كالمنجز القديم والفن الإسلامي بالعصر، والارتباط براهن الفن العالمي للتثقيف والإطلاع والتطور عبر استضافة المعارض والأعمال وتقديمها للجمهور.
إن ما سقناه في الجزء الأخير من هذه الدراسة وإن بدا ذا طابع ميداني منفصل عن التنظير الذي استهلت به الدراسة  إلا انه ضروري لتدارس الكيفية التي يتم بها تأهيل المتلقي ،ونزع الأمية البصرية ، ومحاولة استبدال العين الميدوزية المتحجرة بعين قد لا ترقى إلى حدة بصر زرقاء اليمامة فتري المتلقي ما في أعماق اللوحة، ولكنها  تجعله يرى بعين الطائر المطل على العملن  محيطا به بحنو ومتعة وحرية تتيح رؤيته بشمول ووحدة تستجلي جمالياته وخطابه كنص معروض للتلقي، أي للخلق والإضافة والتحليل والتأويل وذلك لا يتحقق من خلال  المشاهدة النسقية العابرة المحتكمة إلى السائد والثايت والمستقر من القيم الفنية التي تجاوزها الفن الحديث.
ويهمني في الختام أن أشير إلى أن وجود الاستثناءات هنا وهناك لا يعفي من ورود الملاحظة العامة. هذا بصدد العلراء الصوري والفقر البصري مثلا كوجود جدارية جواد سليم في قلب بغداد وتماثيل ومنحوتات وأعمال أخرى لفائق حسن ومحمد غني واسماعيل فتاح وسواهم ، ومتاحف متخصصة بالفن والتراث بأنواعه –الشعبي والقديم – ووجود أعمال محمود  مختار مثلا وسواه في مصر وتماثيل وجداريات الفن الحديث والمتاحف القديمة والشعبية والمعاصرة وكذلك ما في البلدان العربية الأخرى –العواصم خاصة .
إن الفن بحاجة ليغدو شيئا يوميا وتقليدا حياتيا لا يررر غيابه بنخبويته وخصوصيته وصعوبة بنائه وانعدام تقاليده الحديثة في حياتنا .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الهوامش
 
1-    تكثر الإشارات إلى تلاقي النص البصري والمكتوب في مؤلفات وندوات عديدة منها ندوات عن الصورة والكلمة و كتب عن المرئي والمكتوب،  والمنصوص والمبصور،والخط  -الحرف- واللوحة ، والتشكيلي والشعري ، والسرد في اللوحة  ،وسنورد بعضها في هذه الدراسة. 
2-   أمثلة هذا التنافذ المعروفة في تاريخ الفن القديم والمعاصر كالحروفية  بكونها مؤاخاة للخط أو الحرف العربي والتشكيل .يراجع كتاب المنصوص والمبصورـ بين الكتابة المصورة والصور المكتوبة، د.محمود شاهين ود.فاتح بن عمر ود.هند الصوفي ، إعداد طلال معلا، المركز العربي للفنون ـ دائرة الثقافة والإعلام ، الشارقة 2008 
3-   وهذا ما يحصل في النصوص الكتابية مثلا أثناء عملية القراءة ، حيث يقررموريس بلانشو أن قراءة الشعر هي الشعر نفسه الذي يتأكد إبداعا في القراءة ..ينظر : عبدالملك مرتاض: نظرية القراءة، دار الغرب للنشروالتوزيع،وهرن 2003، ص175. ويضيف مرتاض أن القراءة هي التي تمنح الوجود الحقيقي للكتابة  التي تظل قابعة بين الأوراق ، مستقرة في زوايا الظلام الذي يشبه العدم ، إلى أن يجيء إليها القارئ وبأي مفهوم فيزيح عنها هذا الظلام..  
4-    روبرت هولب :نظرية التلقي، ترجمة د. عزالدين اسماعيل ، النادي الأدبي الثقافي، جده 1994،ص72-73. 
5-    ناقشت ذلك في مناسبة سابقة. ينظر  د.حاتم الصكر: المرئي والمكتوب ـدراسات في التشكيل العربي المعاصر، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة 2007،ص 14 وما بعدها.  
6-    وجهة نظر عين الطائر يقترحها أوسبنسكي في كتابه ( شعرية التأليف -ـبنية النص الفني وأنماط الشكل التأليفي)- ترجمة سعيد الغانمي وناصر حلاوي ،المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة1999،ص55 ويصفها بأنها نظرة شاملة للمشهد من وجهة نظر واحدة عامة ..وموقع مكاني يفترض وجود ىفاق واسعة جدا. وهي بسبب ارتفاعها تطل على المشهد كله. 
7-   انطوان كامبنيون: مفارقات الحداثة الخمس ، ترجمة محمد عضيمة ، دار المواقف، اللاذقية1993. 
8-    تلخيصا من كتاب  كامبنيون  المذكور أعلاه ، ص77-85.  
9-     نفسه ، ص33. 
10-              القرن العشرون –المداخل التاريخية والفلسفية والنفسية، موسوعة كيمبردج في النقد الادبي ، تحرير نلوولف وآخرون،المشروع القومي للترجمة ، القاهرة 2005،ص454. 
11-              نفسه ، ص 399. 
12-              مفارقات الحداثة، ص39. 
13   - أدونيس: بيان الحداثة ، المؤرخ في 1979 ، وملحقه المعنون (بعد ثلاث عشر سنة).  ينظر النص الكامل للبيانين في كتاب : البيانات ، تقديم محمد لطفي اليوسفي، سراس للنشر، تونس1995، ص22 وما بعدها .
14- دعوت في كتابي ( المرئي والمكتوب) لإشراك المتلقي في إنتاج الصورة البصرية وتربيته ليتذوق المفردات في الأرض التي يسير ويعيش عليها   ن والسماء  التي تضلله، والفضاءات التي تعلوه  وتشتمل عليها حياته ، ليتحول إلى منتج بصري تتلون ثقافته بعناصر الصورة وما يتيحه البصر لا النظر فحسب.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
                                                      الصورة البصرية الجديدة
                                                     -النمطية والمحددات-
 
 
 
  على رغم ما  تحف بالفنون البصرية من مخاطر يمثلها الوقوع في ما يشبه الاستنساخ وأسر التشابه  والاستهلاك  النفعي والتسليع الدعائي  ، يتفق الكثيرون على هيمنة الصورة وتسيدها خطابات عدة وتدشينها لعصر جديد لا يقل أهمية في هذه اللحظة الحضارية من تاريخ البشرية وتحولاتها عن الاتتقال السابق إلى عصر الكتابة بعد أطوار طويلة   تحكمت فيها الثقافة  الشفاهية ، وجلبت هذه الهيمنة الصورية ظواهر ملازمة لها غيرت  موقع الثقافة المكتوبة وبرامج التثقيف والصلة الفردية والجماعية بالفنون كما استقرت في المجتمعات وفي التاريخ الثقافي للعالم.
لقد أزاحت الصورة سلطان الكلمة و(سحرها) وهذا يفسر هوامش الحرية المتاحة فلم تعد الكلمة ذات رنين وجاذبية في لجة العالم الصوري الذي نعيش ، بل أصبح  لصورة واحدة بأية طريقة يتم تمثيلها مفعول كتب أو أطروحات في مجال محدد وأثر كلمات تتعاقب بأفواه عدة.
ويفرض هذا التسيد الصوري تنوعا داخل الإطار نفسه وتعددا ضمن الواحد أو الأصل الذي تتشابه فيه النصوص البصرية.، وحصل فعلا تحرر من ربقة الصورة التقليدية التي عرفها العالم حتى نصف القرن الماضي .وكان دخول الآلة والتقنيات الإلكترونية الفائقة عاملا حاسما في تلك النقلة المزدوجة :
-   على صعيد الصورة ذاتها بإلغاء الخطاب البصري السابق أو القديم كما يوصف والقائم على تكريس قيم وأفكار كبرى  تركزت بفعل نتائج الحروب الكونية وتداعياتها السياسية والإجتماعية والإنسانية عامة.وتقدم بدلا عنه خطاب صوري بصري خالص متخفف من العمق المطلوب سابقا ومرتكز كوسيلة وهدف معا  إلى المتعة التي يجلبها الوجود الصوري للأشياء بعد تحويرها على وفق رغبات مستهلكيها وخبراتهم المعدلة بفعل التقنية.
- وعلى صعيد الثقافة التي تراجع فيها المكتوب عموما  هيمن البصري وضعفت أنواع  الصور غير البصرية ( الذهنية والطبيعية والمتخيلة ..) وتبع ذلك غياب التجريد الذي لازمها كدعوة للتفكير لا بالمحسوس بل بما هو غير مرئي ومشارك في تكوين المرئيات .
لقدا أنتج  التمثيل الصوري غير البصري أنماطا وكرّس نماذج وأشاع أحكاما تسببت في انقطاع التواصل الإنساني داخل الجماعة بتنميط أفرادها في فئات لها عادات وأخلاق وقيم خاصة ، وداخل الأسرة البشرية بتوزيع مزايا وخصائص تختزل الشعوب والقوميات والأديان والجغرافيات  وتبرر من بعد التحكم فيها كما جرى في التمثيل الاستعماري الغربي للشرق والذي يمثل الاستشراق جانبه الثقافي الممهد له والمنظر لفعالياته السياسية، فقد أشاع فنانون ورحالة وروائيون وشعراء غربيون صورا مجترة وسطحية عن الشرق بفعل القراءات السيئة لبعض المدونات والأدبيات  والوقائع التاريخية  لينمطوا الشرق والعرب والمسلمين خاصة في هيئة تبيح من بعد اختزال وجودهم وكيانهم وتراثهم أيضا  وتدعم كراهيتهم وتبرر استعبادهم والسيطرة على مقدراتهم.وهذا التنميط كما لاحظ إدوارد سعيد هو جزء من (نزعة جارفة إلى تصنيف الطبيعة والبشر في أنماط  ..تشمل تحويل كل ما له امتداد أو وجود معنوي أو فكري أو روحي إلى  أنماط محددة ..بتكبير وتضخيم ملامح عامة واختزال أعداد هائلة من الأشياء حتى تنحصر في عدد أقل من الأنماط. التي يمكن تنظيمها ووصفها)(1).
لقد صار الشرق موضعا للغريب والمختلف ولكن بوحي ما تتألف صورته في الوعي المتحصل من لملمة رؤى وتصورات مكررة تسهم في إنتاجها المدونات التي عالجت  الشرق كظاهرة ثقافية وحضارية بأسلوب اختزالي تغذيه المخيلة المتكونة بفعل قراءات جانبية وأحادية وجزئية لمدونات الشرق كألف ليلية وليلة ، ومن الملاحظات التي تعلق بذاكرة المستشرقين أو قارئي الشرق ومختزلي صوره التي لا تبعد عن المدركات المستقرة في النفوس قبل الاتصال بالشرق عيانيا .
وتزداد خطورة التنميط والاختزال حين يمتد إلى التمثيل البصري والتشكيل  تحديدا  فتتحول الثقافات والمجتمعات وما يتصل بها إلى أشياء منمطة ومختزلة  يكون وجودها في الأعمال مناسبة لحصرها وترسيخ نمطية وجودها في الوعي والذهن .أي أن البصري يعضد الذهني في تكوين – ثم تعزيز التصورات  وما يصاحبها من إحساس بالتفوق والوصاية وتبرير الهيمنة  .
يلاحظ إدوارد سعيد أن اللوحات الخاصة بالشرق في أعمال ديلاكروا مثلا والعشرات من الرسامين الفرنسيين والبريطانيين .وقد حولت الرؤى الذهنية للشرق إلى صور بصرية وأصبحت لها حياتها الخاصة .(2)
 وتحويل الذهني إلى بصري هو من أكثر جهود التنميط والاختزال فاعلية وتأثيرا.وهو يسهم في تجسيد مقابل لدى المتلقين الذين  تحلل مختبرات إدراكهم تلك الصور التي ظلت ذهنية ومجردة وغير متعينة تماما إلى أن جرى خلقها بصرياً بالأبعاد المقصودة وبالمبالغة( أو التهويل و التكبير) فتلقفها المتلقون كحقائق تأخذ حيزا مهما في  الوعي والذاكرة  ويتحدد وجود الآخر والأشياء والعالم الخارجي على أساسها.
 إن الانتقال من الذهني إلى البصري ومن المتخيل إلى الصوري هو تعبير موجز عن التطوير الثقافي للوعي بوسائط مبتكرة مضافة من الخارج لعل اختراع الكامرا هو أكثرها دلالة لأنه قوبل من الفنانين الذين يقوم عملهم على التمثيل البصري بالارتياح لأن الكامرا أعفتهم من مهمة تمثيل الواقع ونقله وأطلقت أيديهم في تصورات وأخيلة بعيدة  ، لكن الأدباء تلقوها كعنصر مقحم على الوعي وقاطع أو معرقل لنشاط التمثيل الذهني. وبذا نفسر  وصف بودلير للكامرا بأنها عدو  لدود للفن لقابليتها فيما نعتقد على تحويل الشيء من فكرة أو خيال أو ذكرى إلى وجود عياني وملموس وقابل للمعاينة في أية لحظة ، ولكن قصور الكامرا يتمثل في تجميدها للزمن وأسر اللحظة في شكل ما لا يعطي مدلولا إلا عبر سياق التقاطه  ،فعين الكامرا إذن سياقية أي أنها تحتفظ   بصورة الشيء في زمنية محددة ومكانية مؤطّرة وترسل إشارات للمشاهد بأن فعل المشاهدة استرجاعي يتقاطع زمنه مع زمن الصورة ، فيما تقدم الصور الذهنية بما تجريه من تفصيل ووصف  فاعلية أشد للديناميكية والحركية المتغيرة  لرؤية الصورة المتخيلة بأوضاع شتى في اللحظة نفسها ، وربما كان ذلك سببا  في ما  وصلت  إليه تشكيلات الصورة حين امتزجت بالمسموع –أفلام الفيديو-ثم سمحت باللمسة الخاصة –التعديلات التي تتيحها برامج الفوتو شوب التي لا تقاس بما سنحت به خيالات  الغرف المظلمة التي كان يجري فيها تظهير الصور وإجراء  بعض التحوير الذي لم يكن كافيا حتى بعد  حصول ما تسميه سوزان سونتاغ  ( تحرير آلة التصوير من القوائم الحاملة لها وجعلها محمولة على اليدين (3).
لقد كان هذا  التنقل من الذهني إلى الصوري –البصري محل اهتمامنا لما وصلت إليه دلالة الصورة في عالم متشبع بها ومسير بسلطتها فكانت السيمياء واحدة من العلوم المتطورة التي تنبه إلى دور العلامة في الحياة ثم تتم الاستفادة منها في الحياة اليومية كنظام المرور وتحديد المحظورات والممنوعات ومراعاة خصوصية المكان كالإشارة إلى وجود مستشفى أو مدرسة  أو مكتبة  ودخولها من بعد في تحديد الهويات كأعلام البلدان والصور المشيرة إلى شخصيتها( إيفل= فرنسا والأهرام مصر) وتحديد النوع ( رجال – نساء ) وهويات الشعوب وجذورها ( الهندي الأحمر والسهم  –العربي البدوي والجمل ) ولا تخفى هنا مساهمة الصورة في تعميم وصف   ما على شريحة أو مقطع بشري بعد حذف حقيقته الحضارية والتاريخية، والميديا ذات دور في ذلك  لا نستطيع المرور به دون إشارة إلى ما تقوم به من تكريس للأغراض  الإيديولوجية ، فلا يستطيع أحد في  الغرب مناقشة فكرة اللا سامية التي صارت حجة لإعدام الخصم  معنويا ونفي وجوده وتزوير ماضيه ( ما جرى لروجيه غارودي مثلا)  فيظن طلاب غربيون ومتخصصون في السياسة والإعلام أن العرب لا ساميين لأن لهم  حروبا مع الصهيونية  بسبب تكتلها العنصري واحتلالها لأرض شعب فلسطين وتشريده وإقامة دولة على أساس ديني يميز الفئات الاجتماعية  ، ولكن الإعلام أشاع هذه التهمة متناسيا أن العرب أصلا أقوام سامية ، ومثل هذا يتم في المجال التربوي والأدبي فكثيرا ما ترسخ بإزاء الحداثة صور منفرة كالاعتقاد بأن الحداثة في الشعر تعني الجهل بالوزن أو أن الشعر الحر بحسب المقترح الأربعيني الذي برز في العراق على أيدي بدر شاكر السياب ونازك الملائكة شعر بلا وزن ولا قافية ، وهذا ما يتعلمه التلاميذ في بعض المدارس العربية دون تدقيق.واليوم يخلط بعض الإعلاميين بين مفهوم العولمة والعالمية فيصورون أي تفكير بالتفاعل مع العالم عبر آدابه وثقافاته مؤامرة تدعو إلى العولمة  وإلغاء الهوية الوطنية أو القومية.
وهذه في الحق إحدى مزالق استنفار الوطنية لدى الشعوب فقط  لعزلها عن سواها  واستخدام الإشارة لتعميق ذلك  ولملء العالم من بعد بالإشارات . وهذا الاحتدام الإشاري تكرسه الصورة وتعطيه بعده الإيديولوجي أو السياسي أو الوطني دون شك وإن انطوى على مفارقة ( تمثال الحرية في أمريكا يقوم بدور إشارة تدعو للدهشة في  تعارض فحوى الشعلة والنور المنبعث منها  وبين تذكر حروبها في فيتنام والعراق مثلا ).
 ولما كنا نعني بالصور البصرية هنا ما لا يتحدد بالذهن أو التصور المجرد كما في المدونات السردية والشعرية التي تنهمك في تجسيد الذهنيات حتى الجانب الصوري منها بالكلمة ، فنحن نبحث عما يتجسد  بل  يتعزز حضوره في الوعي  بوجود مرئي لا  تقوم به  الكلمة وتستثمره الصورة: معنى أو  دلالة  أو رمزا أو إشارة لغرض نقل التأثير إلى المبصِر وتحقيق فاعلية المبصَر في وعيه وقراراته واختياراته .وهو ما لا يتحدد مباشرة في الصور الذهنية عادة.
إن ذلك يعيد إلى الذاكرة ما يتصل بمصطلح ( صورة) واستخدامها في الخطابات المختلفة فقد بدأت الصورة في الاستخدام لتعني الشكل المجسم وتفيد التشابه، وثمة صلة بين الصورة والتقليد في التطور المورفولوجي للمفردة ، وهي تدل على (مفاهيم ذهنية بما في ذلك معنى سابق لرؤية ما لم يكن موجودا فضلا عما لم يكن مرئيا بوضوح) (4)وهذا تحديد يربط البصر باللامرئي وغير الموجود   ، ومن الممكن تعقب الكلمة في العربية أيضا لرؤية دلالتها المتطورة من الخلق واقتصارها على صفة الخالق( المصور) وهو أول ما  تفتتح به تفسيرات  المعاجم العربي للفعل (صور) (5)  لتعني من بعد نشاطا بلاغيا قائما على استحضار مزايا  الشيء المتصور وخصائصه وأبعاده التي تسهم في تشكيله والتعبير عنه ثم تستقر –أي تلك المزايا فلا يجوز تجاوزها أو  التعبير بسواها حتى بعد تجلي الحقائق المعاكسة لمدلول الصورة ، نتذكر هنا أن تشبيه الوجه الجميل بالقمر مثلا ظل فاعلا وحيويا وسالكا في التفاهم بين الشاعر والجمهور حتى بعد نزول الإنسان على القمر واكتشاف ظلامه وسطحه المتكسر غير الصالح للحياة  .
لاشك أن ذلك يؤشر لما تحتويه الصور الذهنية من حركية وتجريد وما يتضمنه الكلام الأدبي من مجاز لا يحفل بالحقائق المستقرة والثابتة بل يخلق كونا ورقيا يخضع لسياقات داخلية خاصة بالبنية الأدبية ذاتها. ولكن الصورة البصرية تصبح البديل المثير في هذه الحالة لأنها تتفوق براهنيتها وقدرتها على التثبيت وعلى الشيوع والتعميم أيضا .
ولكن ترشيد الصورة وتنقيتها سيجعلها مسهما أساسيا في التثقيف والتنوير وتطوير الوعي الفردي والجمعي. ولا يعني ذلك اقتصار دورها على التربية والوطنية وتحديدها بالأخلاقي والاجتماعي بل تظل بجانب المتعة البصرية مدعاة للتغيير والتطور والتحديث  ومجابهة العنف والعسف والاستغلال ومظاهر قمع الحريات بالاحتلال أو الدكتاتوريات الفردية والحروب غير العادلة.
 
 
هذا الدور تتزايد الحاجة إليه اليوم بفعل تنوع الوسائط البصرية وتعددها وتقنياتها العالية التي سنرى أنها أثرت إيجابا وسلبا في جماليات المرئي ودلالات الصورة وفنيتها أيضا ، لتأخذ أحيانا طابعا استهلاكيا في المجتمعات الحضرية التي تجتر أنماطا من الصور التي تصنعها وتثبتها لتجتذب إلها –أو تنفّر منها- المتلقي البصري الواقع تحت إكراهات ومحددات كثيرة منها ما هو قادم من دائرة واسعة وبعيدة كالعلاقة بالآخر والصور التي يرسمها للذات ويقصي وجودها لا كمحاوَر بل كآخر بعيد ضمن تهميش الثقافات وتصنيف البشر وتنميطهم في الخطاب الاستشراقي الذي رصده أدوارد سعيد في رسوم  حاولت تمثيل الثقافات  فساهمت في تكريس ما يسميه ( مراكمة الشرق) عبر أعمال ديلاكروا وغوغان وماتيس وبول كلي وظل وجود الشرق منحصرا في ما يشاهَد وجرى اختزاله إلى (جوهر ما )مجرد من الصفات.وخاضع للتصنيف لأن الأنماط يسهل تنظيمها ووصفها.(6)
ويتم التنميط من جهة أخرى بالحس السياحي للفنانين التشكيليين  العرب  أنفسهم وللقيمين على التراث الشعبي ، حيث يقدمون للآخر ما يود أن يراه من صورتنا ،  فالسائح كما يحلل تودوروف ( زائر مستعجل، يفضل الأنصاب على الكائنات الإنسانية ...لا يهتم كثيرا بسكان البلد، فرؤية الجِمال عنده  أقل خطورة من رؤية البشر ..) (  7) ويرصد سعي السائح لتكديس اكبر عدد ممكن من الصور للآثار التذكارية الممكنة خلال رحلته ولهذا يفضل الصور على الكلام فآلة التصوير تغدو ذات بعد رمزي تسمح له بالتعامل مع العالم واصطياد ما يؤيد أفكاره  . وهذا في ظننا يعوض إغفاله للبشر لأنه غير معني بالآخر ليحاوره ويفهمه،   فيراهم  بالطريقة التي وقرت في وعيه  والتي لا مجال  لتغييرها ولا مناسبة لمراجعتها .
وتلك الملاحظات تقود إلى تشخيص انعكاس السياحي على الثقافي والفني فالسائح يؤثر في السكان الأصليين الذين يسعون ليقدموا له ما يطلب فيدفعهم إلى ( الزيادة من قيمة النمطي : إنتاج بضاعة يفترض أنها موجودة في البلد..وشيئا فشيئا تجد النشاطات المحلية نفسها وقد استبدلت ببيع التذكارات التي تصنع لأسباب استثمارية في بلدان أخرى فيؤدي البحث الجنوني عن الطابع المحلي إلى التجانس في مفارقة واضحة) (   8  ) وهذا المقتبس يرينا ما آلت إليه مهمة تبصير السائح بحضارة المكان وتاريخه وبشره وطبيعته إلى دور يسميه علماء التلقي وجماليات الاستقبال ( تطمين) أفق تلقي المستقبِل وعدم خذلانه ، ويمكن أن نرى التحف التي تباع في أماكن شديدة الخصوصية كمكتبة الإسكندرية ومتاحف بابل والبتراء وسواها لنتعرف على أيدي فنانين غير عرب يقومون بصنع النماذج لتباع للسياح المهمومين بالبحث عما يختزل المكان وثقافته وتاريخ السكان بلُقية  أو مصغّر لتمثال أو معلَم حضاري صار يُدعى بالمعلم السياحي.
 وهذا يفسر أيضا  الانهماك في تمثيل المثير والغرائبي والسياحي كما جرى في بعض المتون الأدبية العربية الموجهة للغرب ، كتصوير حفلات الزار و السحر الأسود وتحولات البشر وحياتهم البدائية وضغوط الحرمان التي يتم تمثيلها في صور جنسية تدل على المرض والعصاب.   وفي التشكيل صارت المدينة العربية مثلا وهويتها التقليدية معمارا وبشرا ومشاهد بصرية وحياة يومية مناسبَة  تشكيلية لتقديم ما يرضي أفق انتظار سياحي أو دعائي فكثرت رسوم المناظر الطبيعية والصور البيئية والمهن وأصحابها والمعالم البارزة في المدينة والتي تنقل فوتغرافيا أحيانا أو بتطعيمها بالمثير والمدهش كما يظن الرسامون السياحيون  الذين ينفذون الأعمال بمواد مبهرة وعلى سطوح كبيرة وبتلميع اللوحات وبهرجة أشكالها تماهيا في اللعبة السياحية،وهذا ما أوقع الفن في المتشابه أيضا فصرنا لا نستطيع  التفريق بين فنان وآخر في الرؤية والأسلوب ولا معاينة التحديث في اللوحات ، و تمييز شخصيات الفنانين الذين  استغنى بعضهم عن توقيعه على العمل السياحي  إحساسا بنفعية  هدفه ودافعية العمل غير الفنية ،  و اندراجا في هذا المشترك البصري الذي لا يقدم جديدا على المستوى الأسلوبي ، ولا يعني ذلك شمول ملاحظتنا بعض الاتجاهات التي نشأت بوعي راقٍ وعميق  مهتمة بطبيعة البلد أو تاريخه ورموزه الحضارية أو تستعيد  حكاياته وأساطيره وشواخصه حتى البصري منها. ولكن ما ما تعنيه ملاحظتنا هو هذا الفن الذي يقدم ما يظن أن السائح يرغب في اقتنائه فيحصر فيها   نشاطه أو واحد من معارضه –التي شهدت بعضها وقد أقيم لليلة واحدة تصاغرت فيها الأعمال بين ضحكات الساهرين وثرثراتهم ومجاملاتهم للسياح أو الزوار الأجانب بهدف ضمان شراء أعمالهم المعروضة  والمتشابهة حد الاستنساخ مع المشاهد المدينية أو البيئية المصورة ، ومشتركة مع سواها في الموتيفات والشخوص والأمكنة والموضوعات والتي حشدوا فيها كل ما يمكن أن يلهب مخيلة هؤلاء المشاهدين العابرين  ومشاعرهم التذكارية والتصويرية.
 و يقوم   الفن السياحي في السنوات الأخيرة  التي تكاثر فيها المهاجرون العرب في الخارج ومنهم أثرياء كثر بتلبية الرغبة النوستالجية لدى المشاهد المُقصى بالنفي أو الاغتراب عن وطنه فتعيده تلك الرسوم إلى ذكرياته ويستحضر من خلالها ما يريد استحضاره في هيجان حنينه للوطن كما يحصل له عبر أغنية  عادية  أو كلمات شعرية غارقة في الشعبوية والضحالة أحيانا   لكنه يستجيب لها بواقع حنينه ووقوعه في حالة فيتيشية تصبح فيها كل إشارة صغيرة أو كِسرة مهربة من ذاكرة الوطن أو قادمة منه ذات مدلول عاطفي مؤثر ، ونلاحظ بموازاة ذلك الإكثار من الأمكنة الممثلة للأوطان في المهاجر،  كالمقاهي الخاصة بالجاليات يجتمعون فيها ترميزا لمساحة الوطن العصي البعيد  ، وكالمطاعم التي تثري النزعة التذكارية واستعادة الماضي وفي معاداة المكان الاضطراري الذي وجدوا أنفسهم فيه،   ويتجسد ذلك  عبر النبذ لثقافة المكان في جانبها الغذائي والتشبث بالهوية عبر استحضار طقوس الطعام المحلية والأكلات السائدة فيها  ، ويبرز ذلك بعنف من خلال التسميات المحيلة إلى شواهد تلك الأوطان وما يختزلها في عنوان ،و هنا أيضا تكون الميديا ذات حضور سواء في عزل الجاليات في صحف وقنوات وإذاعات خاصة تمثل  ترميزات للغيتو وأخلاقياته القائمة على العزل الاختياري في هذه الحالة  ، أو في طرق تعاملها مع المنافي والمهاجر وبؤر تجمعات المهاجرين وعرضها بطرق عاطفية لا تدرس اغتراب المهاجر أو مشكلاته الإنسانية مع المكان وثقافته بل تعيد تذكيره بالوطن وجمالياته دون الوقوف عند المشكلات اللغوية والاجتماعية وسواها.
        وسيكون مثالنا  الأخر على المتشابه وأضراره المعرفية والثقافية من الطرق التي يتم  بها تمثيل المرأة في الميديا  بشكل  ساذج لأغراض غير جمالية ،  يسهم التشكيل أحيانا في تكريسها وتجميل عرضها وتأكيد وظيفتها التزيينية والديكورية، وشيوع أنماط من الأساليب والمأثورات  والموضوعات المكررة  عن المرأة في الفضاءات  المدينية  العربية -البيوت والشوارع والقاعات و في الإعلام أيضا ، فهي الموديل الجميل الجاذب للعين والمؤدي وظيفة نفعية لا علاقة لها أحيانا بالنوع النسوي كالإعلان عن مصنوعات أومنتجات ثقيلة وسلع عامة وأحيانا تكرس الإعلانات وبعض التمثيليات والأفلام والصور الصحفية المهمة البيتية للمرأة ودورها الاجتماعي المعهود والمكرر والمراد حصرها فيه داخل المنزل وواجبات الرضاعة ورعاية الأبناء ، فقليل من النساء مثلا يظهرن مبدعات أو كاتبات،  بل لا مسلسلة تقدم حياة كاتبة أو شاعرة أو فنانة أو مربية أو عالمة أو سياسية – وإن شاعت شخصية الصحفية المشاغبة في المسلسلات في العقود الأخيرة بشكل سطحي يشارك في إشاعة النظرة القاصرة لعمل المرأة وللإعلام نفسه المليء بالمؤامرات والجهلة والمنحرفين كما تظهره تلك الأعمال الدرامية نمطيا وبشكل مكرر.
وفي الفن  التشكيلي كفن بصري متقدم مرتبط بالرؤية والتصورات النظرية والمواقف ووجهات النظر الجمالية من العالم وقضاياه  ، تتكرر أحيانا صورة المرأة بالهيئة الجميلة شكلا، وبالغواية والجنس الممثل بالعري  مضمونا .ولا شك أن المنحوتات والجداريات واللوحات  أو  الأعمال البانورامية تقدم المرأة المضحية لوطنها  وتعتني بوجودها في تفاصيل العمل  وبنيته السردية والتشكيلية  ولكن  تظهر بهيئة الباكية النادبة والواقفة في الصف الأخير غالبا .. وهو تنميط بصري آخر تجدر دراسته لنتأمل –كما طلبنا مرة فحص سبب غياب كورنيكا عربية عن مآس تحل بنا وبأرضنا وبشرنا  أكثر هولا من قصف قرية كورنيكا الفاشي الوحشي الذي نستشهد به دوما  ، وهنا نتساءل بالمثل  عن غياب امرأة كالتي تقود الشعوب مثلا في العمل التشكيلي المأثور( الحرية تقود الشعوب) وتكسر نمطية الدور العائلي لها في اللوحات أو التهييج والإثارة في بعض اللوحات والمنحوتات .
وقد زحف المتشابه البصري فاقد الجمالية إلى المعارض والمتاحف ، وشكّل اختفاء المتحف و ضمور الصالات مؤشرا على صعود الشاشة بديلا يعيد  إنتاج صور فاقدة للحساسية و مدعمة باللعب الكومبيوتري والطاقات الرقمية ويخلق متلقيا نمطيا تشغله الهيأة المصنوعة  عن الكيفية والتشكل الفني. فقد تنازلت تلك الصالات عن دورها الطليعي حين كان الفن الجديد والثوري والمغير للأساليب يتم داخلها وبرعاية وتحريض منها ، كما صار كثير منها يشارك في تلبية وتطمين أفق انتظار المتلقي بتصورات ساذجة عن الهوية تجعل تلك المتاحف والصالات محتشدة بملامح شعبوية لا يزال كثير منها قيد التداول اليومي في الريف أو المدينة ،  فيما يعود بعضها إلى مراجع غير محلية نقلت من تراث آخر وغير فنية لأنها خالية أصلا من الخلق الفني .كما يعيش الغرب نفسه تحت طائلة هذا التسليع واستهداف البيع والتسويق ولو بطريق معاكس أي بالهروب إلى الأمام ومحاولة إشراك الجمهور في اللعب الفني المجرد من الجماليات التشكيلية مما يقود إلى ( احتفائيات منمطة)  (   9 ) تعود لتصبح مستهلكات مشتركة، كمعرض النبات الطبيعي عام 1997 بباريس أو دخول سيارة إسعاف لحظة افتتاح صالة العرض ولا شيء سواها! وبذا ( يتحول الفن إلى مادة يستهلكها سكان التجمعات الحضرية ) (10)ويأخذ بعدا تزيينيا مفرغا من دلالاته المعرفية والجمالية.
من جهة أخرى يتم تنميط الفن كظواهر وموضوعات وأساليب عن طريق الخدع التصويرية المخلوقة بالتقنيات ويحقق أغلبها  ردّات فعل العصاب والفصام  التي يعاني منها  الفرد وحالاته المرضية المستعصية ،  ولكن بإتاحة المشاركة الذاتية لإيهامه بالتشابه الممكن مع الأعمال الفنية وقد سادت لفترة قصيرة معارض الأعمال المنفذة بالكومبيوتر وبرامجه المتاحة وكذلك أحدثت الثورة الرقمية والمخترعات المظورة بالديجيتال كالكامرات والصوتيات وسواها إمكانية أن يحدد المشاهد موضوع المشاهَدة ويعدله ويعيده ويظهره بالمزج والحذف والإضافة بالشكل الذي يريده،او الوضع الذي يختاره فيدخل في عملية التصوير واقتراح الموضوع الذي يندرج فيه أو يرغب برؤيته.
في الستينيات شاعت في الثقافة البصرية العربية خدعة المزج الصوري الجامد في الأستوديو حيث يقف الزبون مع صور للمشاهير من الفنانين والرياضيين والنساء المعروفات  ليظهر بجانبهم  في الصورة ، وكأنه  كذلك في الحقيقة ، كما شاع أنيرتدي  الزبون الزي الذي يعجبه من مقتنيات الأستوديو  من الملابس البدوية  حتى  الكاوبوي ، مع الأكسسوارات الضرورية كالسجاد أو المسدسات والأشجار والأقنعة وغير ذلك . ومثل هذا ما يرتسم على وجوه الأشخاص الزائرين لمتحف الشمع حيث تغدو صورهم مع المشاهير لا سيما السياسيون تحقيقا لحلم اللقاء بهؤلاء أو الدنو من عالمهم المثير أو الزهو بحظوة الوقوف إلى جانبهم ولو على سبيل الاستيهام والتخيل والانسياق للعبة بصرية يتواطؤ على مفرداتها المصور والزبون معا.
 وتذكرنا برامج الفوتوشوب في مجال الصور البصرية بذلك الحلم أو الاستيهامات القديمة ولكن بفارق اشتراك الفرد نفسه في التنفيذ وقابلية التحوير التي  تقلب المشهد تماما أو تغير الشخصيات والأوضاع والأمكنة والأشياء بحسب الطلب والرغبة.
وهذا يؤشر إلى تحول موقف المتلقي نفسه الذي أصبح  متقبلا متفاعلا ولكن بطريقة تكرس الاستيهام وتعمق التنميط المحدد للخيال.
ويوازي ذلك الهبوط البصري والتزييف عبر التوليف وتحقيق الاستيهامات و الأحلام المجهضة للفرد ما يعد إقبالا على عروض بصرية سطحية فيما يقل الإقبال على المعارض والأعمال الفنية العميقة ،وما توحيه من تفكير وتأمل  فضلا على المتعة والدرس لظواهر بصرية نظيفة وراقية ، ويبدو أن الغرب نفسه يعاني من ذلك رغم ما يتميز به المجتمع من اهتمام بالفنون البصرية وتربية الفرد على جمالياتها ، وهنا أستحضر حديثا لأدونيس يتسم بالمرارة والصدمة حين لاحظ عند زيارة لمدينة نيويورك صادف فيها افتتاح معرض استعادي  للفنان الأسباني فيرمير مع افتتاح معرض بعنوان مخلفات جاكلين كندي ،  أن الجمهور كان  واقفا في صفوف طويلة لساعات بانتظار الدخول إلى معرض مخلفات  جاكلين بينما كان معرض فيرمير خاويا لا تزاحم فيه ولا صفوف من المشاهدين تنتظر دورها.
وهذه الملاحظة تمثل إعلانا عن المواجهة القائمة بين الفن والتسطيح  وبين الجماليات والقشور التي تزاحم الأصالة والإبداع وتنشر خطابها المثير للبلاهة والجهل بأخطر الطرق وهي الصورة.
إننا نعيش حقا  في واقع ( أصبح محاكاة بالصور...صور في صور لم تعد تقوم على أساس المماثلة والمشابهة والنسخ بل التركيب والتهجين مما سمح بالتزوير والتزييف )  ( 11 ) و  نحيا في عالم مشبع بالصور حد التخمة والاجترار الذي صار يؤدي وظيفة عكسية ترصده سوزان سونتاغ في كتاباتها  عن الصورة ،  فتحذر من فقدان أثر الصورة تدريجيا وغياب التعاطف المفترض كهدف لها  رغم شيوعها كلغة أو ثقافة بديلة(  12).
ونحن إذ نوسع مفهوم الصورة البصرية أبعد من الفوتغراف الذي عنيت به سونتاغ وحللت مدلولاته الإنسانية فإنما لقبولنا بفكرة المشاركة بين الفنون في الغايات والوسائل وقبل ذلك في الرؤى والتصورات،  لذا نتفق مع الكتاب والفنانين الذين يقلقهم ما يسمى بالفن الجماهيري وانقلابه ( إلى تظاهرة إعلامية ) بتعبير أسعد عرابي (13  )
تلك عينات من المحددات  للصورة البصرية الجديدة وعوائق فاعليتها  ومعاناتها من النمطية التي تأخذ أشكالا متعددة ولكن ثمة ما هو أكثر مدعاة للقلق وهو جعل الصورة مركزا لخطابات مبتذلة تسهم  المواقع والصحف على الشبكات في نشرها وتوريط المشاهد في متاهاتها التي لا تخلق ثقافة بصرية جديدة بل تنحرف بالرؤية صوب المستهلك والبالي والسطحي .
لا يفوتنا التنبيه إلى ما في المواقع تلك من دعوات للعنف والتطرف فأخذت الجماعات التي ترفض التقنيات في جوهر خطابها تستثمر هذه التقنيات للترويج لفكرها الزائف والمعادي للحياة والحرية والأمل .
 لقد استوقفتنا تحولات الصورة وتبادل فاعلية العين المبصرة  والموضوع الجمالي  وفحص دلالات الصور وتركيبها  والبحث عن دور مجازي لها تعززه الذاكرة والمخيلة من جهة  ، وتسليعها  بالمقابل وتكريس دورها الإيقوني والنمطي وتغير موقع المتلقي بمؤثرات ومحددات واقعية وضغوط تقنية لا تستوحي  جذر الحداثة  ، بل تزيد من الجهل و نشر أفكار  تهوم في مجهول خطابها وتتبدل على أساسها لغة الإعلام نفسه لا لغة الفرد والمجتمع  فحسب ، ولكن النخبوية التي يتميز بها الفن مع اندماجه بقضايا الإنسانية والحريات والحقوق والجماليات والمعرفة  تمثل  حصانة للبصر والمبصَر معا وتحفظ للثقافة البصرية فرصة التغيير بعيدا عن التشابه والتسويق والاستغلال السياسي أو الدعائي بأشكاله.
 
 
الهوامش
 
1-إدوارد سعيد: الاستشراق -المفاهيم الغربية للشرق، ترجمة د.محمد عناني،
       رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة 2006، ص205/206.
2- نفسه ،ص206.
3- سوزان سونتاغ :الالتفات إلى ألم الآخرين، ترجمة مجيد البرغوثي، دار أزمنة ، عمّان 2005  ، ص 30.
4-  الكلمات المفاتيح-معجم ثقافي ومجتمعي، ريموند وليامز،ترجمة نعيمان عثمان ، المشروع القومي للترجمة، القاهرة 2005،ص201-202.
5- لسان العرب لابن منظور –مادة (صور) . ويراجع تقليب شربل داغر للمصطلح في الهامش الأول من دراسته : الرؤية والصورة في التشكيل،ضمن كتاب ( مرايا الرؤى-في شان بلاغة التشكيل) ، دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة2001، ص118.إذ يجد في جذرها العربي (ما يتعدى المعنى المرئي إذ يرى في جذرها العربي وتتصل بل تتحدد بمعاني خلق الكائنات الحية)
6- إدوارد سعيد :الاستشراق، سابق، ص39.
7- تودوروف: نحن والآخرون- النظرة الفرنسية للتنوع البشري ،ترجمة د.ربى حمود ، دار المدى ، دمشق 1998،ص380-381.
8- نفسه، ص281.
9-أسعد عرابي: وجوه الحداثة في اللوحة العربية، دائرة الثقافة والإعلام ، الشارقة1999، ص114.
10-طلال معلا: الصورة اختبار الألغاز والمعاني، ضمن كتاب (حوارات الفنون)  الندوة العربية الموازية لملتقى صنعاء الدولي للفنون التشكيلية، وزارة الثقافة صنعاء،2008، ص9.
11- د.شاكر عبدالحميد : عصر الصورة –السلبيات والايجابيات، عالم المعرفة 311، الكويت 2005 ،ص160.
 12- سوزان سونتاغ: الالتفات إلى ألم الآخرين، سابق، ص100.
13 – أسعد  عرابي : وجوه الحداثة في اللوحة العربية، سابق، ص114. 
 
 
 
 
­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­ بحث مقدم إلى الندوة الفكرية الدولية:  مأزق المتشابه في الفن الراهن، مركز الفنون البصرية، قطر11-13نوفمبر2008 
    
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
مستقبل اللوحة الحروفية : الإبتكار والتلقي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
يترتب على التراكم الحداثي في الرؤى والأساليب والتقنيات تحولات يمكن رصدها على المستويين؛ الفني –المتصل بإنتاج النصوص على اختلاف أنواعها- والجمالي المرتبط بالتلقي أو استقبال تلك النصوص عبر عملية القراءة، ومنها تلك المسلَّطة على النصوص البصرية التي تنتمي إليها الأعمال التشكيلية ، وهي عملية مقترنة بوعي القارئ وشعوره وإدراكه،
 و ذات بعد  جمالي  يجعلها  مشتركة بين النصوص على اختلافها : بصرية وغير بصرية، يتناولها ناقد الشعر والباحث في جماليات تقبله وقراءته ،كما يهتم بها ناقد الفن ودارس جمالياته ، والمعنيّ بمشاهدته واستيعابه.(1).
إن ما يبرر وجود تلك السمة المشتركة انفتاح الفنون والآداب على بعضها ، واقتراضها تقنيات ومصطلحات  ومفاهيم وإجراءات ، وتقاسمها مشكلات عامة تقع في دائرة اهتمام المشتغلين في تلك الحقول فنانين وباحثين ، ومتلقين نوعيين أيضا ؛ كدارسي الفنون والآداب ؛ وناشري نصوصها وعارضي أعمالها ؛ومؤرخي كينونتها وصيرورتها ومستقبلها.
أفق التلقي في فضاء التكنولوجيا و الرقمنة
لقد تسبب التجديد والتطور الذي ترسخ في سياق الحداثة تغيرا في الأساليب والأدوات  أوجب أن تتغير بمقابله طرق تلقي النصوص ، و هو ما لم يحصل في كثير من الحالات ،  وظل أفق التلقي وتكوين المتلقي وطرق  التلقي في موقع نشأ  تكون عبر تراكم نوع محدد من النصوص ، أصبحت جزءا من ذخيرة القراءة يدافع عنها المتلقي ، ويحاول أن يحتكم إليها لقياس جمالية  النصوص التي يتلقاها دون أن يسهم في التفاعل مع النص ويغير افق تلقيه ليملأ فراغات النصوص المعروضة للقراءة(2).
 إن ما نعنيه بالتحولات    الأسلوبية هو ما حصل  في شتى الفنون التي أفادت من المستحدثات التقنية  في الرؤى والأدوات والإجراءات النصية، وإذا كانت المؤثرات الكبرى في فترة النهوض الحداثي تتحدد في فنون رئيسة كالثقافة السينمائية و تطورات التصوير الضوئي مثلا، فإن المَراجع التي قدمتها موجات ما بعد الحداثة  وتياراتها - في الفنون خاصة- تعدت التخصص الفني والبصري الموازي للفن ، وأدخلت الأعمال في علاقات تأثرية ذات أبعاد تقنية خالصة ، لاسيما في الحقل الرقمي  أو ما يعرف بالرقمنة ، وإدخال الوسائط المتنوعة في تنفيذ الأعمال الفنية ( 3)، والتطوير المستمر لتقنيات الحاسب ، وما تقدمه برامجه من تسهيلات بديلة ، كما يجري في عمليات الفوتو شوب مثلا، وأثرها الكبير في التصوير الضوئي  ،وكذلك في الرسم الكمومبيوتري وإمكان استثمار برامج الرسم ومقترحاته للتلوين وإبتداع أشكال فنية ،إن لم يتم الاعتراف بها حاليا  - رغم أن النقاد يؤرخون لها بمحاولات تعود إلى منتصف ثمانيانيات القرن الماضي –( 4 ) فستدخل في أسلوبيات ما بعد الحداثة مع شيوع التفاعلية في الفن والأدب والصحافة من خلال المواقع الإلكترونية المفتوحة لإضافات المتلقين ومساهماتهم الفورية عبر التعليق والتعديل وحتى إنتاج  النصوص ذاتها.  فقد أصبحت  على مستوى الإبداع و التلقي جزءا من مشروعات التحديث وأساليبه المقترحة ، و جرى توسيع المنتج الفني ليغدو ميسرا حتى للجمهور نفسه وهو يماثل  ما تقترحه  التيارات الجديدة في الأدب ،كاقتراحها توسيع السيرة الذاتية ليكتبها الجمهور عبر المواقع الإلكترونية ، وتشجيع كتابتها وتدوينها من عامة الناس لا المؤثرين في حقول الإبداع فحسب كما كانت  تنص الإشتراطات المبكرة للسيرة الذاتية .
إن هذه التقنيات المتاحة أخذت تزيح شيئا فشيئا الكثير من التقاليد الفنية سواء في النصوص  المُبصَرة أو المقروءة ، ونال النزعة الحروفية الكثير من الضرر بسببها ؛ لأن تلك التقنيات مست مَراجع الحروفية وتشكلاتها في الذاكرة الفنية ،وغيرت إعداد المتلقي فوجهت ثقافته بعيدا عن مرمى الفن الحروفي الموائم بين مرجعين : تجريدي وروحي ، أو خطي وتشكيلي ،
وفضلا عما أصاب هيئة الحرف نفسه لا وجوده الثقافي فحسب عبر سيل الخطوط المقترحة كومبيوتريا، والخالية بسبب تغلب جانبها النفعي والأدائي العام من أية مسحة جمالية ، وكذلك  مست تلك التقنيات حاضنة الحرف الجُمَلية ،أي وجوده التركيبي بالمجاورة مع سواه وجماليات ذلك  التجاور
أو التعالق  الذي تنتزعه منها اللوحة الحروفية لتستضيفه على سطوحها التصويرية ،ونالت أيضاً ما يحف بالجماليات الحروفية من سياقات لغوية،  و نمثل هنا بعلامات الترقيم التي تهمشت في استخدامات أجهزة الحاسب الآلي ،ولم تعد متداولة إلا نادراً ، بل صار عسيرا  إظهار الحركات مثلا عند استخدام أنواع معينة  من الخطوط التي يقدمها الحاسب لمستخدميه ،وأهملت تلك العلامات في الصحافة والكتب المؤلفة،  ولم يعد إدراكها وتعلمها ممكنا حتى في المستلزمات العليا من الدراسة، ولا تراعى حتى في الكتب الأدبية المتخصصة، ويترتب على ذلك تداع خطير يلحظه المهتمون بلغة الإعلام ، وهو ضعف الإحساس بمهارة التنغيم   والنبر عند الإلقاء لدى المذيعين والمقرئين  ، وغياب التعبير عن الدلالة المرادة من التركيب أسلوبياً ، كتوصيل التعجب والاستفهام الإنكاري والتوكيد والنداء  وسواها من الأساليب النحوية والبلاغية، وعدم إتقان التقسيم المقطعي للجمل على وفق صلتها ببعضها ؛ لغياب تلك العلامات أصلا،  أو فقدان الإحساس بوظائفها في الكتابة . مما حتّم دراستها كمهارات لغوية وبلاغية بعد أن ضعفت المواهب، وتدهورت البديهة التي كانت تؤدى بواسطتها تلك الأساليب عفويا ودون دراسة ، وذلك الضعف في إعداد المتلقي ومحدودية أفق تلقيه  من أكثر عقبات التلقي المعاصر للّوحة الحروفية التي هي بحاجة أكثر من سواها لمتلقٍ مؤهل ذي ثقافة متشعبة وتراكم نصي في مجال التجريد والثقافة اللغوية والنزعات التقشفية المؤثرة  وجود الحرف في اللوحة.هذا إذا لم نغال فنطلب أن  تكون المعرفة بأصوات الحروف ومصادرها ودلالاتها ضمن مؤهلات المتلقي البصري المعاصر.
وينطبق ذلك على ما تقدمه أجهزة الهاتف المحمول من إمكانات  لكنها تستخدم دون إتقان ويغيب عنها عاملا الترقيم والإعراب، بل يشيع فيها الخطأ الكتابي واللغوي وينتشر،كما تشيع المختصرات والتخفف من السوابق واللواحق ،وتتكرر الصيغ والتعبيرات دون خصوصية و جهد خاص بالمستخدم، وليس غريباً أن تباع مؤلفات كثيرة تقدم للمتلقي  ما تسميه أفضل رسائل (الأس أم أس ) مثلا، وفي التخصصات التي يريدها ، وكذلك تحتفظ أجهزة المحمول بنماذج جاهزة للرد على الرسائل أو إنشائها دون عناء أو مجهود خاص وبلغات مختلفة؛ كالاعتذار أو الدعوة أو طلب الاتصال ، بل تتضمن  الغزل أحيانا وإظهار العواطف تجاه الآخرين!
و يبدو إهمال مهارات الكتابة  في رسائل البريد الإلكتروني –الإيميل- حيث لا تراعى العلامات ولا الأنساق السطرية والضوابط الفنية في الكتابة ذات الأثر المباشر في معاني الجمل والتراكيب ودلالاتها أيضاً، ويتم التوجه نحو الاختصار والتخفف من المقدمات والديباجات التي تظهر فيها شخصية  الكاتب وآرائه وأفكاره .كما تُهمل جماليات السطح الكتابي وإعداد أو عرض  المكتوب ، بسبب ما يحف بالصفحات من معلومات وإعلانات وأطر يتراجع الكيان الحرفي والجملي للكلمات بسببها .
ولكن ثمة من يرى في الرقمنة عالماً افتراضيا ينشط المخيلة، ولا يبتعد عن الواقع في الوقت نفسه، فالنتاج الرقمي في الجانب الفني ليس استبدالاً للقلم أو الفرشاة بالكومبيوتر ووسائطه المتعددة ، بل  يهدف إلى إسقاط الفواصل بين ما هو صوري وما هو مفهومي، لصالح شبكة العلاقات وطريقة بنائها  في العمل (5).
وهذه السلبيات التي رصدناها - كأمثلة - بعجالة تقودنا للتفكير في ما جلبه التقدم العلمي من تحولات تتسم بالتحدي  في نواح كثيرة ، وتستلزم التكيف والتغيير أسلوبياً والبحث عن طرق لاستيعاب تلك العقبات وتذليلها وعدم فقدان الوسط المتلقي في نواحٍ كثيرة، دون أن ننكر التسهيلات التي تقدمها التقنيات الحديثة  للكتابة والإخراج والطباعة ، ولكنها على مستوى التلقي تربي إحساسا جماليا متخلفا ومشاعا ،لا دور للفرد فيه للتذوق، ولا تنمي فيه ذاتيته المطلوبة لاستقبال الأعمال الفنية ، وفهمها و تأويلها، و وضعها في سياقاتها التاريخية والفنية، وصلتها ببعضها وخصوصيتها وجوانبها الثقافية والمعرفية.
واللوحة الحروفية العربية  تتعرض اليوم - بحكم تمددات الحداثة التشكيلية والرؤى المتجددة في التعاطي الأسلوبي -  لكثير من التساؤلات المتصلة بالمنجز الحروفي وتاريخيته وصلته بالحداثة،  مما ينعكس على راهنِه  و مستقبله أيضاً في احتدام المقترحات الأسلوبية ،  ومستجدات التقنيات الخطية التي عمل الحاسوب وتوسّع استخدامه ، وما أشاع من تقليدية جديدة ابتعدت بالكتابة شكلا ومضمونا عن الدلالات المصاحبة لها، ,أفقدتها حميميتها ودفأها الشخصي الإنساني الذي تشيعه الحروف المكتوبة باليد في العادة.  ودخول الحاسب والرقميات وثقافتها  عنصراً مهما في ثقافة العصر وفي صُلب عملية التلقي ، مما باعَدَ الحرف المخطوط الذي تبتغي اللوحة الحروفية الإفادة من جمالياته، ووجوده الصوري، لإغناء الرؤية وتعميق المشاهدة البصرية لدى المتلقي، كون الحرف ميراثا جماليا عربيا مرتبطا في الذاكرة بالمقدّس من جهة ، وبالهوية اللغوية والثقافية للجماعة من جهة أخرى .
تياران ورؤيتان
نلاحظ استمرار وجود تيارين : مستخدم للحرف بشكله الخطي التقليدي الممتثل للقواعد كهوية خاصة ، و تيار مبتكر حداثوي يريد تفجير الطاقة الرمزية والجمالية للحرف في العمل..وهذا مأزق آخر في النتاج الحروفي العربي المعاصر.
وكما أشارت خطاطة الدعوة للندوة وبيانها ، فثمة موقفان من التعامل الحروفي لدى التشكيليين العرب ))أولهما يمكن نعته ب"الحقيقة" كونه يعتني بالخطوط الأصيلة، والكلاسيكية المتعارف عليها ،والمحددة كذا بقواعد ،وأسس جمالية راسخة، ومقننة ،وضابطة لعمل الفنان (أو الخطاط بصورة أدق)، أما .. الثاني فالمقصود به هنا "المجاز" حيث تتحرر الرؤية وصولا إلى حلول جمالية مغايرة تستطيع أن تتخطى القواعد والأسس الجمالية التقليدية في السبيل للوصول إلى فرادة ورؤى مغايرة ،ومستحدثة تتجاوب معها في السبيل ذاته – أحيانا- نوعيات جديدة من الابتكارات التقنية والحلول الأسلوبية غير النمطية.))(6).
لقد ساد  الاتجاه المستفيد من الجانب الزخرفي للتشكيلات الممكنة للحرف العربي القادم عبر ذاكرة تراثية حصرته بين قوسي الماضي كميراث ،  والفن كوسيلة تعبيرية للحوار معه، وهذا يقرّب تلك المحاولات من التيار التقليدي في الخط العربي الذي  لا يرى في الخط إلا القواعد الشكلية التي ترسخت عبر استقرار هذا الفن  وثبات قواعده وأسسه ،بما لا يسمح بأية إضافة أو تصرف. فالصرامة التي تدل من جانب تقني على الإكتمال والنسقية التامة أغلقت أية محاولة للخروج بالخط إلى مهمة بصرية عقلية تخاطب فكر المتلقي جماليا ،وكرَّست بدلا عن ذلك الروح المضمونية التي يحملها النص الخطي ، فسادت عبارات وتراكيب محددة تظهر من خلالها البراعة في تنفيذ الأعمال التي غالبا ما تحتفظ بشكل نسقي واحد هو الحكمة أو المضمون الأخلاقي الذي ارتبط بالخط ، وتعزز فنيا بالتزيين، حيث يضيف العنصر الزخرفي للكتابة عاملا أو عنصرا جماليا يتجسد في التزهير والتوريق  والتذهيب والتظليل  والزخرفة، وفي الخروج عن الجملة الفنية المخطوطة إلى تزيين الأطر والجوانب المحايثة ولكن العنصر المهيمن في الخط التقليدي هو الامتثال  للقواعد المستقرة  والسعي لإنتاج عمل يطابق النموذج المقنن .
ولكن  التحدي الأكبر يكمن في رأيي في  المستجدات الأسلوبية التشكيلية التي عمّقتها موجات ما بعد الحداثة والاتجاه صوب التقنيات الرقمية والإلكترونية عامة،  ما عمل على إزاحة مكانة الحرف  العربي بالبدائل التي تتعدد، وتعطي للمستخدم المعاصر  وجمهور المتلقين فرصة التوليف والتغيير والابتكار. و باعَدَ ذلك بين المتلقي وجماليات الخط عموما لا الحرف فحسب، وتجلّى ذلك في تهميش الخط في أغلفة الكتب والأعمال  التوضيحية في الصحافة واللوحات العامة  في المشهد اليومي الحياتي،  والتي تخلق ما يسمى بالتربية البصرية  الضرورية لتأمين وجود متلقين واعين بجماليات الخط  وروحانيته ، ومدركين من بعد لوجوده على السطوح التصويرية لأغراض رؤيوية لا تزيينية أو تعبيرية مباشرة.
[Type sidebar content. A sidebar is a standalone supplement to the main document. It is often aligned on the left or right of the page, or located at the top or bottom. Use the Text Box Tools tab to change the formatting of the sidebar text box.
Type sidebar content. A sidebar is a standalone supplement to the main document. It is often aligned on the left or right of the page, or located at the top or bottom. Use the Text Box Tools tab to change the formatting of the sidebar text box.]
فما مدى  إمكان إلإفادة من التقنيات الخطية المعاصرة مع الحفاظ على جماليات الخط والحرف في اللوحة التشكيلية التي تتباعد غاياتها عن التقشف والرؤى الذهنية التي تستثيرها استضافة الحرف في اللوحة العربية المعاصرة ، وهو ما عبرت عنه  تجارب بعض الفنانين العرب المعاصرين لرصد إمكان استمرار التجربة الحروفية وآفاقها المستقبلية.
مشكلات ذاتية وموضوعية
  وكما ذكرنا في مناسبة سابقة( 7 ) فإن  الحروفية العربية  كتيار مؤثر في التشكيل المعاصر تتعرض اليوم  للسؤال عن مصيرها ضمن المقترحات التحديثية المستندة إلى الهم التجريبي والمنهجي والعناء الأسلوبي .
ومن أبرز مشكلات الحروفية مشكلة المرجع والمنطلق النظري، فهي إذ بحثت  عبر جهود روادها وتابعيهم عن الأسلوبية الجديدة متجنبة  المؤثر الغربي عادت و ارتهنت بأبعاد ماضوية تحمل معها دلالاتها و انحيازاتها الفكرية،  فاستمدت من نصوص بصرية منتجة في سياقات فكرية وروحية ذات خصوصية لتسقطها على رؤى تشكيلية تجريدية تنقض التشخيص وتعتمد الرمز اللوني والخطي ، فالحرف والخط والنقطة والتضمين الشعري والنثري    كلها مواد تحمل معها حمولاتها الفكرية الموجهة والمتكونة أصلا في ضغط معرفي ديني له جانب تقشفي، يدعو للتأثر والأخذ والاعتماد عليه لا كعنصر مساعد في تنفيذ الرؤى المعاصرة  ولتوصيلها للمشاهد من بعد ، بل بتمركزها في النصوص التشكيلية كمركز بؤري أو مولد رؤيوي مهيمن في القراءة البصرية اللاحقة ، وللتعبير عنها فنياً يستدعي الفنان أسس الرقش العربي وإبداعات الزخرفة والريازة مختلطة أحيانا  بالإبداعات الجمعية التي يفرزها الفن الشعبي والفنانون الفطريون   ، فانخلق التناقض من هنا:بين رؤى عصرية وتجريد حداثي رمزي، وهجران للمباشرة والتشخيص والموضوعات السائدة  ، وبين إحياء أشكال ومقترحات بصرية مرتبطة بسياقات و بمفاهيم ميتافيزيقية يغلب عليها الطابع التقشفي الذي ساد ردَّ فعل على الحياة المادية وامتهان الروح في عصر معين. وهو نظير ما حصل في الشعر العربي الحديث حيث هرع شعراء من منابت فكرية شتى قومية ويسارية وماركسية ووجودية لالتقاط الشذرات الصوفية المقدمة في الخطاب الصوفي في تربة أخرى ولتجاور رموزا دنيوية خالصة.
ويمكن تلخيص مأزق الحروفية في ثنائيات متقابلة تشكل لب الأطروحة الحروفية فنا وتلقيا ، وهي تتمحور حول المواءمة بين الحداثة والأصالة برابط التجريد الذي لا يمنع أحيانا ظهور هيمنة لأحد طرفي المعادلة ما يسمح للنقاد بوصف الحروفية بالحداثة المقيدة( ياسين النصير) أو ينفون تماما إمكان التوفيق بين طرفي المعادلة  واصفين ذلك بالتوفيق المستحيل( سمير صائغ) ( 8).
ومن تلك الثنائيات التي أصفها بالروح المعاكسة للثبات المميزة للحروفية:
انطلاقها من الحرف كوجود إلى الفن كإنجاز ومن الماضي كذاكرة إلى الحاضر بكونه معاصرة ، ومن الروح ممثلة بالفكرة أو المضمون الفكري لّلوحة إلى المادة أي الوجود البصري للعمل التشكيلي، ومن محلية أو خصوصية الحرف إلى العالمية مجسدة بالتجريد، ومن التأثير باستدعاء التجارب العالمية في المجال الحروفي والكتابي إلى التأثر بالمدارس والتيارات الحديثة ، 
مقترحات تعديلية
 
و لمعالجات إشكالات البقاء في هبة العولمة والتكنولوجيا  نجد لدى
المشتغلين في الفن الحروفي فنانين وباحثين  مقترحات تعديلية منها : توريط المتلقي في  اللعبة البصرية الحروفية،  وهو اعتراف يرد في كلمات لشاكر حسن ال سعيد حين يقول((كنت أقترح حروفا أو كلمات أو عبارات غير تامة خطابيا وعلى القارئ أن يتمها))(9  ) وهناك مقترح الهروب إلى الكولاج (التلصيق ) لاستعارة مكونات تشكيلية إضافية داعمة للمناخ أو الجو العام للعمل الحروفي، ولهذه  الملصقات المستلفة طبيعة ثقافية قريبة من المدلول المعرفي للحرف.
ويندرج في سياق محاولات الحروفيين تحديث رؤاهم وأساليبهم المواءمة بين الشعري والتشكيلي في التعبير عن المضامين والصور والدلالات اللغوية والادبية بشكل تصويري ينتمي لرؤيتين : واحدة ترتهن بالنص ولا تخرج عن دائرته فتتمثله وتعي صياغته وحضوره على السطح التصويري، وثانية تمتثل للخصوصية وعامل التعبير عن المؤثر واستيعابه ثم إعادة تمثيله فتنطلق منه كمولّد- لتخلق عملاً  حروفياً مستقلاً .( 10) وسنقف عند بعضها في التطبيقات الملحقة بالبحث. وهي تماثل اتجاه الاستلهام الرمزي والدلالي لإشارات الحرف العربي كوجود سيميائي لدى الشعراء فثمة تياران : الأول يتوخى الكتابة الشعرية بالخط اليدوي غير الممتثل أحيانا للقواعد للتعبير عن دلالات وإيحاءات فنية داخل النص ، وربما لإثبات هويات جمالية حداثية أو هويات وطنية كما في تجربة الكتابة بالخط المغربي والدعوة لكتابة الشعر به إحياء لتراث وجماليات  الخط المغربي والخطاطين المغاربة  (11   ) وأخرى تعتمد استيحاء الشفرات والإيحاءات الروحية للحرف، وتنعقد حوله النصوص لتتتمثل دلالاته الإيقاعية والنفسية ،وتُسقط عليه رؤاها فيكون له حضور مستقل عن تشكله البصري أمام المتلقي ، مستعيضا عن ذلك بحضور دلالي وإيحائي ، كما في تجارب لأدونيس  وشذرات في شعر محمود درويش(12) .
 ولكن ينبغي التخلص مما يسميه النقاد التشبيهية  في اللوحة الحروفية فتجريديتها لا تمنع  إمكان نسبتها  إلى التشبيهية ، لما فيها من تشابه بين منطلق الرؤية  وصورة الخطوط والحروف بعد التشكيل((أي بعض الخطوط والحروف ، وما احتفظت به الصورة بعد التشكيل)) .
فالحرف ذو وجود خاص  وهوية مميزة يمكننا  بسببها أن نعده بنية ثالثة بجانب التجريد والتشخيص فالثلث والنسخ مثلا ذو هوية عربية تميزه عن التعليق والديواني والمغربي  مثلا والتي تثير في الذاكرة المؤثرات والتمثيلات الفارسية والعثمانية والأندلسية ، وإذا كان الخط خلال وجوده في الزمن قد اتخذ هيئات تصويرية لإبراز خصوصيته وهويته، فإن ما يحصل في  الأعمال الحروفية اليوم هو عودة عكسية حيث تتخذ الأعمال التصويرية هيئة الحرف وتنبني على أساس وجوده المركزي في بنيتها وشعريتها أي في أنساقها ونُظُمها الفاعلة .
ويمكن توسيع شكلية الحرف وعدم الاقتصار على الوجود الأبجدي العربي له ،بل معاينة الخطوط في الأبجدات القديمة كالسومرية والهيروغليفية والسبئية والفينيقية وسواها.
تجارب أولى
ومما يؤهل الحروفية لخلق وسط  مناسب للتلقي كونها تستند إلى إرث طويل في محاولة المواءمة والملاءمة بين المقروء والمبصر في علاقة نصية تحقق اشتغال البنيتين النصية والبصرية معا، في انصهار جمالي فذ أفاد منه في وقت مبكر كثير ممن قدموا المقروء على أنه ذو وجود بصري مميز مستندين إلى استثمار الانتقال من الشفاهية إلى الكتابة ،وما أحدثته في عملية القراءة والتقبل، وتحضر هنا مصورات الواسطي لمقامات الحريري التي جرت دراستها أحياناً على انها قريبة للرسوم التوضيحي المصاحبة للنصوص، أو أنها تعبيرات ذاتية عن القراءة وإعادة تمثيل المقامات عبر شخوصها وأمكنتها وبعض أحداثها ومرائيها وموجوداتها النباتية والحيوانية والمعمارية ، ولكن ذلك تحجيم وتصغير لعمل الواسطي الذي كان يخط بجانب مصوراته نصوصاً ،يرى أن وجودها مكمل لوجود اللوحات الملونة أو المنفذة بلا تلوين ، فأصبحت الأسطر أشبه بإطارات تحف بالأشكال والكتل والمساحات الموزعة في غياب المنظور بشكل حر وعفوي له جماليته الخاصة، كما تتعرج الأسطر أحيانا وتحف بنهايات الأوراق وحدودها ، وهذا التفنن الكتابي بحاجة إلى وقفة لمعاينة دلالاته التصويرية ومحاولة خلق تشكيلات بصرية من المادة المقروءة ،واستنطاق ما جرى للكتابة الكوفية المبسطة والملونة والمزهّرة والمورّقة ووقفات الجمل بشكل وردة مذهّبة، ومنها ما يوضح قراءة الواسطي المعمقة للمقامات ، وفهم للجانب الصعلوكي الساخر في بناء شخصية  بطلها ن كتخير لمفارقة بين الكلمات بسبب الجناس الناقص؛ كادعاء أبي زيد السروجي أن الفتى خصمه وهو ابنه بغرض ابتزازا الوالي ( هو في النسبة فرخي، وفي المكسب فخي) ، وقوله الذي أبرزه الواسطي (ارتقيت بقولي لا بقيولي) (13) .
ويمكن إنعاش النظرية ذاتها بالموروث النظري الخطي، فقد تحدث ابن مقلة عن نوعين من الخط ، نرى لهما أثرا واضحاً في ما نرى حتى اليوم من تجارب تتعامل مع الخط والحرف ، النوع الأول هو المطلق أو الدارج الذي لا يلتزم قاعدة في الإتقان والتجويد ويستخدم في الأغراض اليومية ، والنوع الثاني هو الخط المحقَّق  ويعني به الخطوط الموزونة  المتقنة التي تجري على ما يسميه النسبة الفاضلة. . وتليق بالخلود والبقاء(14).
وأرى أن التجارب الحروفية في التشكيل تنتمي إلى النوع الأول – المطلق- ذي الاستخدام اليومي إما للجهل بالقواعد الفنية للخط العربي ذاتها ،أو للبحث عن معالجات فنية وتصويرية جديدة . ويمكن كذلك استقصاء الطاقات التعبيرية للحرف داخل كيان الجملة العربية فسنجد أن بعض الأحرف توجد كتابياً دون أن تُنطق كهمزات الوصل واللام التي تسبق الأحرف الشمسية ، وكثير مما يمس الوجود السمعي البصري للحروف باعتبار اللغة أصواتاً في جوهرها رغم رسمها الكتابي فالحرف ليس ما نراه مرسوما ،بل هو صوته في العرف اللغوي بين المتكلمين ، وما هيأته الخطية المرسومة إلا دال بصري أو رمز له .
وهذا يطلق للفنان الحروفي قدرة استنطاق تلك البنى السمعية والبصرية والدلالية للحروف ، واستثمارها لبناء عمل جديد لا يرتهن بالصورة المادية أو الخارجية للحرف .
 
 
 
الحروفية المعاصرة : الريادة والتجديد
يمكن للذاكرة والسيرورة التاريخية للحروفية أن تدعم حضورها بين التيارات الفنية والأسلوبيات المعاصرة باستدعاء التجارب الريادية في التشكيل الحروفي ، وهو ذو محصول طيب يصلح لتكريس مزايا نوعية
تصلح لتأسيس أفق تلق جديد، سواء أجاءت من الخط نفسه إلى التشكيل وجماليات الحرف على سطح تصويري كما في تجارب محمد سعيد الصكار ومنير الشعراني، حيث يأخذ الحرف هويته  ومكانته المركزية في العمل ، ولكن لصالح وجود تشكيلي لا يتوقف عند قواعد الخط وقوانينه، فتنشأ صفحات من التشكيل البصري القريب من اللوحة التجريدية ولكن الحاضرة بذاكرة الحرف نفسه وهيمنة كتلته أولا ،
وكذلك في أعمال تشكيلية مصحوبة بالتنظير لشاكر حسن آل سعيد وما كرس له حياته الفنية بعد مرحلة الجدران والأرصفة وانصرافه إلى حروفية ذات تطابق بين الجانب التأملي المجرد تأثرا بالأدبيات الصوفية حد الاستغراق و التماهي، وبين التجريد كسمة حداثية تكسر الاشتراطات الأكاديمية للعمل وتنطلق به في أسلوبيات حديثة لا تتوقف عند حد سواء بالوسائل والتقنيات أو الرؤى والأفكار.
وهي استعادة لفكر جماعة البعد الواحد التي انطلقت من بغداد مطلع السبعينيات  بهدي شعارها الفن يستلهم الحرف، و ما أكدته تجارب من ظل من مؤسسيها  مواصلاً بحثه الأسلوبي كرافع الناصري الذي يستنفر طاقته في الرسم والغرافيك ، وينجز أعمالاً ذات طابع حروفي غير تقليدي ن  لا يطابق أفق التلقي الحروفي التقليدي ،بل يحث على التفكير بالدلالات للونية والمساحات واحتشاد اللوحة بجماليات مبتكرة لا تتكرر بل تتجاوز ذاته في كل عمل. وأعمال محمد غني حكمت المتسمة بالوجود الكتلوي المجسم للحروف والخطوط كتعبير عن نزعته النحتية ومواءمته بين الكتابة المسمارية واللوحة أو المنحوتة بوجودها البصري التشكيلي.
ويمكن استعادة تجارب ضياء العزاوي في تصوير النص الشعري ،وتشكيل هيأة خطية بصرية له  تهبه وجوداً جديداً خارج اصطفافه التراثي (بشأن المعلقات خاصة) أو اندراجه الحداثي (بخصوص الشعر الحديث الذي صوره بصريا) وكذلك التجارب المغاربية لدى القريشي  وبلكاهية ومهداوي والمليحي التي جرت دراستها بكونها توسيعاً للسطوح ومصادرها كالاستعانة بالجلد والمواد الأخرى لإنجاز العمل الحروفي ، أو توسيع مديات الحروفية بحداثة ذات هوية عربية رغم مرجعيتها الأسلوبية .
إن الميراث القريب  يدون أسماء كثيرة لفنانين تراكمت أعمالهم وأفرزت ما يصلح قاعدة لنتاج جديد ومتطور كما يبني ذائقة وخبرة لدى المتلقين،ومنها تجارب أحمد فؤاد سليم وقتيبة الشيخ نوري ومديحة عمر وجميل حمودي ومحمد شبعة وحامد ندا نذير نبعة وسواهم..  وهذا الإنجاز هو ما تكرسه التجارب الأحدث زمنيا في ظهورها جيليا ، حيث تستوقفنا تجربة كتاب ومعرض بعنوان تواشجات بين شاعر وفنانين ساهم في الجانب التصويري عدة فنانين لتصوير نصوص شعرية واقتباسات من قصائد لشربل داغر(15)
، تنوعت بين استلهام  المقروء وتمثيله وتنصيصه في العمل، وبين الإنطلاق منه للتعبير عن تأثرات وتمثيلات جديدة تلتقي ربما في الدلالات الأبعد والتأويلات القراءية لتلك القصائد.
  واستوقفتنا تجربة حروفيات محمد أبو النجا  القائمة على إنجاز كتلة حروفية ذات هيئة تراثية وجماليات معاصرة تعطي الإحساس بالمخطوط العربي الذي لم يستثمر كشكل إلا نادراً في التجارب الحروفية ، وتجليات إيتيل عدنان ومائياتها التي تذكر بالإنسيابية الخطية أو الاسترسال بمصطلح ابن مقلة وعفوية الاقتراض من الشعري لصالح التشكيلي ، و لاستكمال الرؤية اللونية ذات الإحساس الجمالي بالتكوين قبل استلهام الحرف كإيقونة  وهو ما كان  يحدد و يؤطر  بعض التجارب الحروفية المبكرة.
وفي أعمال لهناء مال الله يظهر فبها الجانب التأملي واضح التأثر بتجربة أستاذها شاكر حين آ ل سعيد حتى في تقنية اللوحة ذاتها، كمعالجة الإطار واستخدام الحرق والخرق داخل بنية العمل والبقع اللونية الداكنة كإشارة إلى عماء العالم وخلقه الأول ، دون أن نغفل تعاطيها الذكي والحساس مع السطوح التصويرية وبراعتها في إنشاء لوحة حروفية ذات بعد شخصي وكأنها تنجز قراءة  خاصة للأشعار وتعطيها بعداً حروفياً لا ينفصل عن عناصر البناء الأخرى لا سيما التلوين.
وفي اليمن شهدت بصورة مباشرة خلال متابعة العروض التشكيلية مؤخرا نزوعا صوب الحروفية من خلال استلهام الخط المسند وحروفه ذات الكتل الخطوط المميزة التي تندرج كإشارات ورموز خليقية في بعض ا‘مال الفنانة آمنة النصيري وتتطور عبر تجربة رسم الأشعار ،ومصاحبة القصائد برسوم تستوحي دلالاتها بل تدخل في هيئة النص البصري وتشكله أحياناً ن لتصل إلى لوحة حروفية مستقلة تستفيد من ديناميكية الخط العربي وجمالية الحرف .
ويعرض الفنان طلال النجار لوحات في معرضه الأخير ذي العنوان الدال( أنوار روحانية ) الذي تبدو فيه مؤثرات الرقش العربي الإسلامي وتكوين اللوحة عبر استدعاء الروح التقشفية للحروف وتكتلها بشكل فيض أو نزوع للبوح من الداخل حيث السريرة الإنسانية إلى الخارج وفضاء المعاينة البصرية التي تستلم أحياناً زخارف وتوشيات وأشكال تجمع بين الزخرف والشكل الهندسي والتعبير الفني .
كما يعود بعض الرسامين إلى التجارب الشعرية البصرية فيرسم الفنان السعودي عبدالرحمن الغامدي لوحة مستوحاة من همزية أحمد شوقي ولد الهدى نجدها ترتهن بالنص المقروء وتحاول إبرازه للقراءة وليس صهره في بنية العمل رغم جمالياته الواضحة في التلوين وتوزيع المساحات بحرية على السطح التصويري لخلق عالم روحي شاسع  يحاول أن يوازي بلاغة النص الشعري.
وفي تجارب الفنان البحريني عباس ويوسف  لاستيحاء عالم الشاعر علي الشرقاوي كنصوص وحالة شعرية عامة تراوحت بين إقصاء النص الشعري لصالح الأثر البصري وبين تضمين كلمات وجمل مندغمة في بناء العمل واللون المهيمن على اللوحة.
وفي عمان تتواصل التجارب الحروفية منذ المعرض الأول للحروفية بمسقط عام 1998 وظهور تجارب لعدة فنانات وفنانين في هذا المجال كممحد فاضل الذي يحافظعلى وقار اللوحة وثباتها لتكون الحروف خلفية مموهة للعمل .
بينما يقدم الرسم العراقي تمثيلات متنوعة تيار الحروفية ذي الإرث الغني والمستمد – كما في تجارب فاخر محمد وغسان غائب – بعض الرؤى الخليية من تراث العراق القديم والرقم الطينية التي تمثل مدونات بصرية فائقة الأثر في التلقي.
أخيرا يبدو أن دورة التأثير العكسية في الغرب عبر الحرف لا تزال تعمل في مستويي التلقي والفن معا، فقد تواصلت التمثيلات الغربية للحروفية العربية ، وقد شهدنا تجربة الفنانة باتريشيا ميلتز  التي استوحت أعمالها في التسعينيات من إقامتها للعمل في لتدريس في عُمان ، وأقامت معرضها (ترنيمة طلسم ) مستوحية الأجواء الشرقية كما تمثلتها بصريا ً  كان الحرف أحد أبرز عناصرها ، لإنجاز أعمال تحيل إلى الرقش العربي الإسلامي وطابع التكرارية والتكوين الزخرفي الذي يزيد أعمالها انتظاما وجمالية .
وهي بذلك تتجاوز المعالجات الأولى لفناني الغرب المتأثرين بالحروفية من جهة وتكرس الأثر المحسوس لا الانبهار بالحرف كوجود لغوي من جهة أخرى.
 
ختام
نستطيع لنختم بحثنا بالتساؤل عن مدى تطور التلقي للمنجز الحروفي ومسؤولية النقد والتنظير في خلقه ، وكذلك تخل التجارب الحروفية من مشكلاتها الأسلوبية والانطلاق بالحرف صوب عالم بديل يجد حلاً للصرامة في الاختيار  الحاسم والأحادي: الغرب أم   التراث، والحداثة أم الأصالة ،(16) وسيكون للتكيف مع تحديات العولمة والرقمنة والتقنيات الفائقة سما يفتح أفقاً جديداً لا للتجربة الحروفية العربية وتلقيها ، بل للحداثة التشكيلية العربية وتلقيها أيضا.
الهوامش
1-   ناقشت ذلك في دراستي( عين ميدوزا وعين الطائر- تأهيل المتلقي بصرياً في أفق الفن)ضمن أعمال ندوة ملتقى صنعاء الدولي للفنون التشكيلية –مايو 2009. وفي كتابي( المرئي والمكتوب –دراسات في التشكيل العربي المعاصر- ) مادة بعنوان جدلية المفاهيم وجماليات التلقي ،دائرة الثقافة والإعلام –الشارقة-2007ص6.
2-  يفصل آيزر في التفاعل بين النص والقارئ في كتابه ( فعل القراءة-نظرية في الاستجابة الجمالية) ترجمة د. عبدالوهاب علوب، المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة 2000، ص175 وما بعدها.
 
3-   تصل الرقمنة اليوم إلى النصوص الشعرية ذاتها  عبر القصائد الرقمية التي تناظر الرسم الكومبيوتري في استثمارها لتوجيه المتلقي بالوسائط التي يستخدمها بنفسه لقراءة النص.ينظرالعدد33-ديسمبر 2008م من  مجلة الآطام –النادي الأدبي بالمدينة المنورة – ملف خاص بالنص التفاعلي .
4-   ما قدمه اوليفر جيد من رسوم كومبيوترية  في معرض لبينالي فينيسيا عام 1986.  تنظر دراسة :جدلية الصورة الإلكترونية في السياق التفاعلي لقصيدة مشتاق عباس علي – بقلم ياسر منجي-مجلة الآطام –سابق- ص26.
5-  جدلية الصورة الإلكترونية –السابق نفسه.
6-   مانفست ندوة الحقيقة والمجاز-الخط العربي في ميزان الجماليات الإنسانية المعاصرة، دائرة الثقافة والإعلام-إدارة الفنون والمركز العربي للفنون ، الشارقة مهرجان الفنون الإسلامية 2009.
7-  دراستي ( حروفيات عبداللطيف الصمودي، السفر صوب النور) ضمن ندوة دائرة الثقافة والإعلام  المركز العربي للفنون–الشارقة  حول الحروفية ،أغسطس 2008.
8-  ياسين النصير:( الحروفية .. الجمالية..الحداثة المقيدة) ضمن كتاب :الفنون الإسلامية بين هوية التراثي ومجتمع العولمة،كتاب يضم أعمال  حوار الدوحة الثقافي مارس 2008- إصدار مركز الفنون البصرية –ص319. و بصدد رأي سمير  الصايغ يراجع كتاب د. عزالدين المناصرة :لغات الفنون التشكيلية-قراءات نظرية تمهيدية،دار مجدولاوي، عمان –الأردن،2003، ص75.
9-  شاكر حسن آل سعيد: البحث في جوهرة التفاني بين الأنا والآخر،دائرة الثقافة والإعلام –المركز العربي للفنون-الشارقة، 2003،ص137.
10-                    ترد هنا تجارب الرسم والشعر بين ضياء العزاوي وقاسم حداد ، ورسوم وعمال لرافع الناصري من شعر درويش،  و الشاعر البحريني أحمد العجمي والفنانة عائشة حافظ التي نفذت أعمالا مستوحاة من أبيات للعجمي بشكل بطاقات صغيرة وضع لها عنوان ( كأنه الحب) ، البحرين2009، ورسوم آمنة النصيري لقصائد الشاعر أحمد العواضي بعنوان مواقيت لأحزان سبأ ، وزارة الثقافة، صنعاء2004، وسواها..
11-                   بيان الكتابة لمحمد بنيس كتبه عام 1981 ونشره ضمن كتاب حداثة السؤال ، دار التنوير بيروت، 1985،ص.9
12-                   للشاعر العراقي  أديب كمال الدين عدة دواوين تتخذ من الحرف أساساً في  التجربة الشعرية، ومنها:ديوان عربي بغداد 1981، جيم ،بغداد 1989 ، ونون ن بغداد1993والنقطة، بغداد 1999، وحاء، عمان2002، وشجرة الحروف ،عمان2007ن وأربعون قصيدة عن الحرف، عمان
13-                   2009د. ثروت عكاشة:فن الواسطي من خلال مقامات الحريري، دار المعارف بمصر، القاهرة1974،وجمالية الفن العربي،. د.عفيف بهنسي، عالم المعرفة ، الكويت 1979،ص 61.
14-                   الخط العربي والحروفية في الماضي والحاضر والمستقبل، يسري المملوك، ضمن كتاب الفنون الإسلامية، الدوحة، سابق، ص307 و311.
15-                   تواشجات ، إصدار المتحف الوطني للفنون الجميلة ، عمان –الأردن2003 ، تدوين لمفردات معرض بالعنوان نفسه أقيم في تشرين الثاني 2003، لسبعة رسامين ورسامات وكتابات لعدد من النقاد وأشعار لشربل داغر.
16-                   يضيف أسعد عرابي إلى تلك المآزق ذبول مهنة الخط وندرة مكاتب الخطاطين ، واستخدام الحروف اللاتينية. أسعد عرابي ك تقاليد الفن الإسلامي والصراع مع حداثوية العولمة، ضمن كتاب الفنون الإسلامية، الدوحة ، سابق ، ص182.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
                               أقوال النور: إشراقات الغامض الواضح
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 1- 
المقتبس   المأخوذ من  شذرات أدونيس الذي صدّر به الفنان ياسر حمود كتاب (إشراقات) المصور عن أعماله لأعوام 2003-2008 ينسب للضوء فماً يقول: إن النور لا  يوجد لكي يقود إلى الوضوح والانكشاف ،وليسهّل مهمة التواصل التالي والضروري مع ما تنتجه الأعمال الفنية والأدبية من معانٍ  ، وقد كان أدونيس دقيقا في التفريق بين الضوء والنور، فالضوء يكشف  وتَبين به هوية الأشياء وأشكالها لأنه خارجي جسدي  قادم من مصدر خارج الذات المبصرة،  أما النور فإنه دعوة لنرى ونبصر لأنه  روحي داخلي يكمن في الأشياء والصور والبصريات المنزرعة في فضاءات العالم وجهاته ، فما الوضوح الذي يقود إليه النور في سطوعه وإشراقه إلا سَفر في ( ليل المعنى ) حيث لا ضوء  يعين ويكشف سوى الهجس والتوقع وتشكيل الدلالات –المتسعة عن المعنى الجزئي والظرفي والمباشر- فيظل النور متخلقا في رحم الأشياء ينتظر أبصارنا وبصائرنا –الناظرة والمفكرة –لكي تستوعبه وتدركه.
 فما الوضوح إذن في عملية استيعاب الأعمال النورانية والإشراقات الداخلية  كالتي جسدتها أعمال الفنان ياسر حمود إلا منتجا لمزيد من الغموض  حيث لا وضوح بالمعنى التداولي إذ تتسلم أبصارنا أشكالا مصنفة في رموز أو معان واضحة  ، فوضوح كهذا ليس  نهاية الغموض وانفتاح النصوص على جماليات الواضح بل كما يقول أدونيس في المقتبس، إنه على العكس ليس إلا  بداية الغموض الذي انشغل به فنانو الحداثة وما بعدها كما انشغل الشعراء حين كانت تلاحقهم أسئلة المعنى والبحث عبر عين المشاهد عن معادلات أو مساويات للكتل البصرية التي تتراكم فوق السطح التصويري في مؤاخاة فنية خاصة بين عناصر العمل الفني لونا وخطا ، و بُعدا عمقا ، ظلالا وأضواء   . فيتعالق  في عتبة التقديم التي توجهنا في إشراقات ياسر حمود وقراءتها بصريا  الإشراق الجواني مع التعبير عنه فنيا بالقصيدة كما باللوحة ، تختلف الوسائط لكنها تصب في نهر جمالي يجري باتجاه الأعماق التي عادت مستودعا يغذّي اليد وهي تدوّن  رسائل العين المبصرة التي لا  تقوم بوظيفة الإبصار فحسب بل هي ( تسمع) كما كان المصريون القدامى يعتقدون ، وتلتقط ذبذبات الإيقاع الكامن في المرئيات . وربما تراجعت باتجاه الاعتقاد القديم الذي سيطر على الفكر الإنساني طويلا حين كان البشر يفسرون الرؤية بخروج الضوء أو النور من العين ، وهذا ما ستستكمله تداعيات الفنان المكتوبة في مدخل الكتاب المصور والتي عنونها بعنوان ذي دلالة ( بالفن أقتل الموت) وهو ما تناهى إلى مسمعه  أيضا من أقوال نورانية تتهادى في إذنه  فتتمثلها عينه ثم لتترجمها يده صورا وأخيلة وغنائيات لونية لا تخرج عن حدود الإشراقات التي أرادها مؤطرة بالبياض ومفعمة بالنور والضوء : النور القادم من الداخل والضوء المقتنص من مرائي وتمثلات بصرية منجزة في أقصى حالات التماهي والاعتكاف على صبوات الذات ورهافة حسها بالعالم وموجوداته.
 
2-
وإذا كان المكتوب يعضد المرسوم ويجلي مشغّلاته ودوافعه فإن قول الفنان ياسر حمود عن النقطة التي تختزل كل الخطوط  ، يعيد ما يطرحه الصوفيون عن تشكل العالم ووجود النقطة في كل جزء من خط الحياة الممتد عن وجودها الأولي وتكوين الخط ذاته من تلك النقاط المتسعة عن نقطة البدء،  بحيث نستطيع العثور على موقع النقطة في أي مكان نمحو فيه امتدادات الخط واستطالته  فما الخط من بعد إلا مجموع نقاطه ولا وجود له إلا بها، ولولا النقطة لما ظهر الحرف كما يعتقد المتصوفة انطلاقا من فكرتهم عن وحدة الوجود لذا فالنقطة عصية على الوصف كما يذهب شاكر حسن ال سعيد وإذ لا يمكن  لنا وصفها نا نتأملها. وذلك جوهر ما تقوم عليه إشراقات ياسر حمود وفيوضات رؤاه اللونية بتقنيات وتكتيكات فنية متنوعة منها ما يدعو قراءتنا البصرية إلى محفل لوني أو مهرجان نوراني مشع  بالتجاور أي بالإفادة من خطّية التراتب اللوني وانتظام أو تنضيد اللون بألفة تمنحها له موضعته على القماش مسلما أبصارنا إلى ما يجاوره ويكمله من الألوان التي لا تخرج كثيرا لدى الفنان ياسر حمود عن مجموعة محددة نتعرف علها بالتكرار،  وذلك  يعطي اللون قيمة سردية ، بينما تقوم المشاكلة  اللونية لديه في مرات أخرى على التناقض الذي يدعو للتفكير بضدية المتجاورين لا ألفتهما ،  فتظهر القيمة الجمالية للّون لا باستكمال وجوده ودلالته من مجاورته لسواه بل من انفصاله عنه ونبذ قيمته وتشكيل النقيض المناوئ لها، وهو ما يبدو خاصة في الأعمال المنفذة بالأزرق وتدرجاته ، فإذا كان الأحمر موكلة إليه مهمة تبليغ الرسالة النارية والتحرق الشبقي لمعانقة عالم سري بعيد فإن الأزرق وتوناته المنتقاة برهافة تعكس إحساس الفنان بما يختلط في العالم من عناصر ومقومات والبحث عن موقع الذات بينها.
ولكن لا بد أن توجه معاينتنا للوحات الفنان مسألة هيمنة النقطة وستراتيجية وجودها على السطح التصويري بهيئات مراوغة،  رغم أن الفنان وبخبرته التصميمية دراسةً وممارسة والموقع المهم للفكر الهندسي القائم على التناظر في منهجه التشكيلي ،  يفلسف الأشكال ويدعونا إلى سريالية ذهنية تقوم على تصور الهندسة على وفق وعينا بها لا وجودها الكوني كتربيع الدائرة:
  
أن أربّع دائرتي
وأقتل الموت بأدواتي
وأبحث عن عمق أعمق
وذلك لا يتم إلا بالعودة إلى النقطة التي يبحث عنها الفنان والتي (تختزل كل الخطوط)كما يقول مجسدا فكرة وحدة الوجود.
والالتفات إلى مركزية النقطة  و أولويتها في الخلق سيقودنا إلى تمثل العالم القائم بفعل التنقيط، وسلسلة وجوده النقطي الغائب عن الأبصار فتتكفله البصائر بالكشف والجلاء للإدراك والتأمل لا المعاينة الواصفة.
 وهي أمثولة  تجلو وتوضح مسألة الحلول لدى الصوفية وفكرتهم عن انبثاق العالم أو فيضه عن المبدأ الأول له- بدايته وسلسلة فيوضاته اللاحقة –وتغدو الروح والحالة هذه أسيرة حنينها للعودة والالتحام بالنقطة الأولى من دورة حياتها  التي يعبر عنها عمر الخيام بانفصال القطرة عن البحر لكنها تعود إليه في منتهى أمرها من خلال تشكلها في سحابة شربتها: وحلقت بها :
 
فأنا أبحث عن نقطة ،اختزلت كل الخطوط
تلد نورا،آتيا من هيكل الشمس
ضوؤه سري أراه وقت لا بصر بعد
أبيضا يجاور أبيض
لقد انقلبت مسرة الكشف والرؤية هنا عكس مسيرتها في المقتبس من شذرات أدونيس حيث كان الضوء يقول عن النور فأضحى لدى ياسر حمود مبتدئا من ولادته عبر النقطة ، من أمومة الشمس وضوؤها الذي لا تدركه باصرةٌ ما، ولا تصل إليه،  فعليها أن تتلقاه إشراقا وتتلمسه وجودا غير متعين ، ليس لأنه بعيد المصدر والوجهة بل لأنه لا يختزل أو يلخص في مفردة أو لون أو معنى  فلا يظل إلا بياض يجاور بياضا. وعلى المتلقي إزاء أعمال إشراقية تفيض عن نور فاض أصلا عن أمومة الشمس ألا يرى في ضوء كاشف بل يبصر في لجة نور تمثله تمثيلا  تلك الأعمال المرسومة بجدل الوجود الثلاثي الذي ينبهنا إليه الفنان :النور والضوء والبياض وهي مفردات سيمنحها ياسر حمود الوجود الثاني لها على القماش ويدمجها في استعصاء الرؤية واستحالتها حيث لا بصر بعد كما يقول فكيف نحس إذن اندفاعاتهٍ النورانية؟ بل كيف أحس هو –الفنان- تلك الأنوار وتمثلها ثم أعاد تمثيلها بصريا؟
إن الفنان يثير بمقطعه النثري-الشعري هذا مشكلة جمالية معقدة تلخصها هنا  جملته المتضمنة مجازفة مجازية عن رؤية الضوء حيث لا بصر يعين على الإبصار فلا يظل سوى التأمل سبيلا للمعرفة والإدراك ،وهذا ما تنقص شروط التلقي البصري  التقليدي القائم على استنفار  الخبرات المباشرة دون استدعاء قدرة التأمل والبحث عما تخفيه السطوح.
 
3-
هذه الأعمال التي  تحفل بالنور ويشع فيها اللون ، زادته نورا ووهجا  مادة الأكليريك التي ينفذ بها  ياسر حمود كل أعماله على القماش ، فهي أي المادة الإكليريكية ( النور المشع ) كما يصفها أسعد عرابي ، وقد وفق الفنان باختياره  لها وسيطا  بين عينه ويده ، بين قماش اللوحة وسطحها ، بين بياضها المهادن والمحايد وبين احتدامها بالحيوات اللونية، فالتجريد اللوني هو اللغة الوحيدة الممكنة في هذه الإشراقات التي يتناغم فيها الواضح والغامض ، فيتجسد ما قاله محمود درويش مرة : أقصى الوضوح هو الغموض ، وتكسب اللوحة سترا أو غلالة ترتوي العين بالنظر إلى شلالات النور المختفية وراءها وهي تنثر الضوء ( السري) الذي لا يُرى إلا بانعدام البصر أي باليقين المنعكس عن إشراقية الرؤية لدى الفنان ، ولا وسيلة  في محيط الإمكان  لتوصيل هذه الصبوات و المعارج والأشواق إلا بتجريدها في حالات لونية تسبح في سديم يشابه العدم  الجوهري والشكلي الذي يقول الفنان إنه يسأل الغائبين عنه. 
اللون المشع إذن بالنور والضوء والبياض هو الواسطة بين المرئي والمرسوم لكي يُرى ثانية  ،  وهو الضوء الذي يقول الفنان في إحدى مقابل الصحفية إنه يراه من حوله في كل شيء بل حتى في بياض اللوحة قبل الشروع في العمل وأظنه أثناء التحضير يدع فراغات من البياض لتطل كجزء من خلفية العمل المضيء كذلك،وهذا المنحى فرض وجود اللون عنصرا مهيمنا في أعمال ياسر حمود . ولا شيء يعين على قراءة لوحاته إلا باستدعاء الاصطفاف أو التنضيد اللوني وتوزيع كتله على السطح التصويري كأبيات شعر تؤلف القصيدة ككيان وبناء، أو أصوات تنسج السمفونية المسموعة ككتلة صوتية واحدة ونتاج لحني موحد،  وهكذا نلاحق تأليف العمل وقراءته كسطر أو عبارة ، فتكون نارية الاحمر السائد في أغلب الأعمال مدعاة لاستذكار الاحتراق بالحب الذي يتحدث عنه –ويعانيه- الإشراقيون الذين تتجه أبصارهم إلى دواخلهم ليروا  وقع الأشياء وتماثيلها البصرية في أعماق ذواتهم،ونتتبع من بعد انشطارات الأحمر ووجوده عموديا أو أفقيا وهيمنته التي لا تتيح لأي خط أن يوجد  حتى لو كان نحيفا دقيقا أو خارجيا ولا تفسح بتشكلات غير لونية فالأشخاص وإشارات المكان غائبة عن وعي الإشراقي ومحكومة بالإقصاء لصالح غنائيات الروح وهفوها صوب النور المعلق في حلم أو غياب أو عدم. والمستدعى من هيولى غير متشكلة لعلها الولادة التي تحمل الموت في طياتها وتستنجد بالفن لدحرها.
وسط هذه الاحتدامات اللونية  ومهرجانات النور والضوء والبياض المدجج بمجاورة الأحمر لا يقود بصرنا أي عنوان ، فالعنونة الغائبة ذات دلالة أبلغ من التعيين بالعنوان وتوجيه المعاينة البصرية لاتجاه تفسير واحد لا يهب فرصة التأويل ومتعة التخيل ، العناوين الغفل في أعمال الفنان هنا تقود إلى استكناه كلّية الخطاب المولّد لها  ، وشمولية الحالة المعبر عنها ، فتغدو العناوين المغيبة كما قال الفنان شاكر حسن آل سعيد في مناسبة مشابهة لا تمثل في عملية التفسير سوى  الأسلوب الفني نفسه.
 
4-
لن تخطيء العين وهي تجوس في لجة هذا الأوقيانوس اللوني حوار الضوء والظلمة ،  والنور والعتمة حيث تنبثق الأنوار  من كوى مفترضة في عماء اللون وسطح العمل ،  فينكسر الظلام بتلك الشقوق الضوئية الموزعة بعناية وذكاء وكأنها وشوشات سرية أو دعوات حلمية ليتبعها الإنسان ويخرج من عماء حياته.
في إحدى حكايات ألف ليلية وليلة يجد السندباد البحري نفسه ملقى وهو حي  في مقبرة رفيقا لزوجته المتوفاة التي  مع زوجها السندباد  بحسب طقوس الجزيرة التي تحطمت عندها سفينته ، ويجيل بصره في عتمة المقبرة،  فلا يرى إلا موتا وظلاما وعظام موتى متفسخة ، ثم في سكون الليل وموته الإضافي وأغلفة سواده المضاعفة يرى بصيص نور –لا ضوء- قادم من زاوية في جدران المقبرة، لقد صنع الحيوان حفرة صغيرة يتسلل منها ليلا ليتغذى بأجساد الموتى،وكان بصيص النور القادم من تلك الفتحة إيذانا بنجاة السندباد وخلاصه من الموت ،  فيتابع خيط النور  ويلاحقه ،وبحماسة حبه للحياة ورغبته في النجاة من الموت يوسع تلك الثغرة النورانية ويفلح في الهرب والخروج من الجب .
لقد أعطاه النور وجودا جديدا هو الذي تحاول النفس أن تلاحقه خلف موت الدلالات واندحار المعاني فلا يظل لنا من سبيل إلا مطاردة الإشارات التي تبعثها النصوص البصرية  و تحولها إلى ألوان وخطوط وأبعاد داخل العمل والتسلل من تلك الإشارات صوب الدلالة النهائية التي يخلقها الأثر المتحصل من القراءة البصرية، وأعتقد أن أعمال الفنان  ياسر حمود في مرحلة الإشراقات خاصة ، تمثل مناسبة طيبة وناجعة لتعقّب الأثر الذي تتركه الإشارات المندرجة في ثنايا العمل والممثلة لكلية وجوده واستقباله أيضا ، فتنفتح الدلالات لا على دوالها فحسب بل على عالم إشاري حر يسهم في ردم فجوة التواصل مع الأعمال التجريدية، ويسمح بإدراك المحتوى غير المعلن لها والحالا ت النفسية والشعورية المعبر عنها تشكيليا.
وقد تقفل الحالة النفسية المعبر عنها أفق التفسير أو الرؤية المستعادة ولكن التعارضات أو التناظر المبثوث بحساب دقيق ودراسة جيدة للصراع بين النور والظلمة ترتسم  في منطقة الحياة التي اختارتها لوحات ياسر حمود مكانا لتدوين لواعجها وحنينها ، وأسْر تلك اللحظات الوجودية الهاربة من كمائن الحياة وشِباك يومياتها الثقيلة ولحظاتها الكثيفة، وبمقابل تلك الكثافة يمتص القماش – نسيج العمل المفضل لدى الفنان – تجليات النور المشع من الإكليريك الذي لا يستبدل به الفنان مادة صباغية أخرى ليوحد الرؤية ويعيّنها ويعمق اتجاهها الجواني.
قليل من أعمال سنوات سابقة ستنفذ بمواد مختلطة بعضها بيئي يعطي ملمسا ناتئا  للعمل وشعورا بتلقي عمل كرافيكي بارز السطح وخشن المفردات ويكاد لمسها أن يوحي بالنزعة النحتية أو التمثالية المعبرة عن مادية الوعي والرغبة في أسر الأشكال داخل  العمل، ويكون السطح عادة أكثر هشاشة من القماش كالورق، بينما يكون التحبير أو القلم الكثيف وسائط مناسبة لهذه المعالجات التي يدخل بعضها تصنيف الدراسات الأولية أو اسكيتشات العمل السابقة على تنفيذه بصورته النهائية.
أما المرحلة التكوينية –نسبة إلى تسمية الفنان لها باسم( تكوين) والمنفذة في التسعينيات فقد تجاوزتها قراءتي الماثلة لإشراقاته لأنها منغمسة في التشخيص والموضوعات التي لن يعود لها مدلول في مرحلتي ( تجليات) و(إشراقات) ، كما أن المادة المستخدمة ستختفي فلا الزيت والأقلام –الباستيل مثلا والأحبار يعود لها حضور، وكذلك لا  وجود لمضامين تعتمد البورتريهات - الوجوه - والأجساد الأنثوية  الغارقة في اللذة الحسية وسلطة الغواية  المقدمة بتعبيرية مشوبة بالرموز ، بعد أن انشغلت الروح وأشغلت اليد بهذا الهيجان الصوفي اللاهب.
 
5-
ياسر حمود ذاهب بحريةٍ لإنجاز إشراقات روحه بلونيات يجوهرها البياض ويغلفها النور ولكن تسكن في قرارتها كما في خلفيات اللوحة وأرضيتها ونسيجها كله تلك الصبوات المستمرة بحثا عن نقطة ارتكاز الذات في خط الحياة المتصل واللانهائي ،  فيكون التجريد اللوني وصراع النور والظلمة والضوء والظل هي اللغة الوحيدة التي تحيل إلى فهم متقدم للحداثة  تعززه الأفكار حيث لا يعود الرسم تصويرا صباغيا للعالم  ، ولا يكون المحترف التشكيلي مكانا لصياغة امتثالية  ثانية للعالم عبر أشيائه المتاحة ، بل  حداثة تسكن وعي الفنان لتقوم بدور المشغّل والمحرك لرؤاه  ، فلا يعتمد التجريد الخالص هدفا يسعى إليه ليبرر أو يؤكد انتماءه إلى قبيلة التحديث أو المعاصرة ، قدر اتخاذه وسيطا لإبراز كينونة العمل وباطنه  وأبنيته اللابثة خلف السطوح  ، وجلاء الغامض لا بتوضيحه وتحويله إلى مفردات وما تحيل إليه من معان وما يتألف عنها من دلالات منحصرة في خلاصات أو موضوعات مختزلة ، ولعل هذا الاستنتاج يعيد تذكيرنا بتنازل الفنان ياسر حمود عن التسمية والعنونة ، فكل عنوان  في حقيقته توجيه صوب معنى محدد وحصرٌ للقراءة البصرية في موضوع أو مضمون ، بينما النور الذي لا يُحد  كما في إشراقات  لا سبيل إلى تأطيره لأنه متناثر أصلا بحرية ووَجد تركت أثرها على القماش بهذه الغنائيات اللونية المرهونة بجذور دوالها وتكويناتها لتولد بملامح وسمات نحسبها كافية للوضوح الذي تلاحقه أبصارنا لكنه ليس الوضوح المنحل أو المتفسخ عن جثث محنطة وصور مجترة ،  بل  ذلك الغموض العذب الذي كلما أردنا أن نرهنه بالواضح ونحيط به وندركه  وجدناه قد  ازداد غموضا وفاقَ جماله كل المسميات.
 
 
                                                                                
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
                                         السفر صوب النور
                                            دراسة في حروفيات عبداللطيف الصمودي
 
 
 
 
 
تمر الحروفية العربية  كتيار مؤثر في التشكيل المعاصر بمأزق السؤال عن مصيرها ضمن المقترحات التحديثية المستندة إلى الهم التجريبي والمنهجي والعناء الأسلوبي  بحثا عن طرق جديدة تبتعد عن هيمنة المقتربات الأوربية المتسيدة على الفكر التشكيلي المعتقد بمنبت الحداثة الغربية والمدين لها بالصلة الرحمية التي باتت تظهر في جينات الأعمال وطرائقها الأسلوبية و تجسمت في الأعمال المنتَجة بتوجيه  ذلك المؤثر وهَدْيهِ.
ولكنّ مشكلة  النزعة  الحروفية عامة  في ظني هي مشكلة مرجعية، أي أنها بحثت عن الخلاص بعيدا عن المؤثر الغربي ولكنها ارتهنت بأبعاد ماضوية تحمل معها دلالاتها وانحيازاتها الفكرية فاستمدت من نصوص بصرية منتجة في سياقات فكرية وروحية ذات خصوصية لتسقطها على رؤى تشكيلية تجريدية تنقض التشخيص وتعتمد الرمز اللوني والخطي ، فالحرف والخط والنقطة والتضمين الشعري أحيانا  كلها مواد تحمل معها حمولاتها الفكرية الموجهة والمتكونة أصلا في ضغط معرفي ديني له جانب تقشفي يدعو للتأثر والأخذ والاعتماد عليه لا كعنصر مساعد في تنفيذ الرؤى المعاصرة  ولتوصيلها للمشاهد من بعد ، بل بتمركزها في النصوص التشكيلية كمركز بؤري أو مولد رؤيوي مهيمن في القراءة البصرية اللاحقة ، فانخلق التناقض من هنا:بين رؤى عصرية وتجريد حداثي رمزي وهجران للمباشرة والتشخيص والموضوعاتية الاجترارية ، وبين إحياء أشكال ومقترحات بصرية مرتبطة بزمن وسياقات ماضية ومحكومة بمفاهيم ميتافيزيقية وطرق عبادة خاصة هي جزء من النزوع التقفشي الذي ساد رد فعل على الحياة المادية وامتهان الروح في عصر معين. وهو نظير ما حصل في الشعر العربي الحديث حيث هرع شعراء من منابت فكرية شتى قومية ويسارية وماركسية ووجودية لالتقاط الشذرات الصوفية المقدمة في الخطاب الصوفي في جانبه الأدبي، وبذلك تم انتزاع المقولات الصوفية من سياقها لتنزرع في تربة أخرى ولتجاور رموزا دنيوية خالصة فتجد الحلاج و جيفارا  ،وابن عربي و علي بن محمد- زعيم الزنج- والمتنبي والنفري  ، والخيام و زوربا،في قاسم وعي مشترك تحركه الإسقاطات والقراءات الأحادية لترى التمرد في الخطاب الصوفي وتؤاخيه بحركات دنيوية ذات أهداف انقلابية في الحياة وخلفيات مادية على الصعيد الفلسفي والمنهجي، وقد يأتي النقد للتيارات الحروفيه من مجاملتها للمجتمع والروح الجماعية الزهدية والمتجهة لمناداة الغيب في لجة المظالم والحروب والفاقة غياب الحريات على الأرض.
 
      لذا أرى أن من الخطأ أو سوء القراءة للتجربة الحروفية العربية حصرها على مستوى التلقي البصري بالقيم الجمالية  الخالصة للحرف العربي  كي يؤدي وظيفة تجريدية داخل العمل جالبا معه تلك الذاكرة التي ربطته بالتدين والمنطلقات الصوفية المنهجية  ، أو ربطها تحديدا وحصرا بانعكاسات المعنى الإشراقي  الصوفي كتجليات مضمونية بديلة تشيع جوا تقشفيا تنساق له الألوان والخطوط   في  اللوحة ، مكتفية بنقل الأثر الروحي عبر فضاءات  غير متعينة تجد في التجريد ضالتها لإنشاء نص بصري مشحون بالمحمولات السديمية  والدلالات الجوانية ، فتصب الحروفيات في مصب واحد هو المعاناة الداخلية وحنين الروح للخروج أو السفر البعيد .
وسيكون ضروريا أن نحترز بالقول إننا لا نريد إعلاء الروح الزخرفية الخالصة التي تبني من الحروف المعماة والمحورة إهرامات شكلية تزيينية وذات هدف ديكوري  أو زخرفي خالص لغرض جمالي مباشر ، بمقابل  رغيتنا في إبعاد الذاكرة القاموسية للحرف ودوره المعنوي والتركيبي في البنية الجملية العربية.
وإذا كانت الحركة الحروفية  في الفن التشكيلي هي البرزخ المتوسط بين الشكل والكلمة كما يرى أسعد عرابي ملخصا رؤية الشاعر العراقي بلند الحيدري المعروف بتجاربه في القصيدة البصرية  فإنه –أي عرابي – لا يكبح تخوفه  الذي أفصح عنه بنقده ((بعضا من موجات الحروفية المسكونة بهاجس مجاملة حذر بعض المجتمعات العربية تجاه التصوير وذلك بمصالحته مع قدسية الحرف والكلمة)) منبها إلى اتباعية فكرية لحسّ الجماعة  ،بدل إن تتخذ الحروف وحركتها الظلية غير المنظورة في اللوحة   هيئات إيحائية تدعو للتأمل فيصبح للحروف ما  يسميه شاكر حسن ال سعيد (( بالكيان المعرفي))  فهي حروف غير مقروءة مما يجنبنا بلاغتها أو أدبيتها ، كما أن  عدم مقروئيتها هنا يتم لصالح طاقتها الرمزية،  إنها بتعبير آل سعيد معاشة ،وهنا سر ازدهارها.
 إن الشكل يغذّي مخيلة الفنان باقتراحات تتفادى هيمنة التجريد الروحي والمضامين التقشفية ،  لتكون الحروف مناسبة لعناق يصفه البعض بالتواشج  بين المبصور والمنصوص  أو المرسومات الخطّية- كما يقترح بيان الدعوة النظري  لهذه الندوة- تجسيدا للقاء المكتوب النصي والمرئي البصري، ويتم نقل العلاقة  بين الكلمة والصورة بهذا التوصيف إلى مستوى جمالي وفني جديد لا يوقع الحروفية في الزخرف وبهرجات التشكيلات الخطية الفارغة ،  ولا يرهنها بالجانب الصوفي الخالص حيث للحرف عبودية الرس الذي جاء منه كما يعتقد المؤولون الروحانيون.
ولا تقابل الحركة الحروفية تلك المحذورات بالصمت ، فثمة مقترحات تعديلية كثيرة منها : توريط المتلقي في  اللعبة البصرية الحروفية،  وهو اعتراف يرد في كلمات لشاكر حسن ال سعيد حين يقول((كنت أقترح حروفا أو كلمات أو عبارات غير تامة خطابيا وعلى القارئ أن يتمها)) وهناك مقترح الهروب إلى الكولاج (التلصيق ) لاستعارة مكونات تشكيلية إضافية داعمة للمناخ أو الجو العام للعمل الحروفي وهي أي الملصقات المستلفة ذات طبيعة ثقافية قريبة من المدلول المعرفي للحرف.
وفي تجربة الفنان الراحل عبداللطيف الصمودي ( حماه 1947-2005) مظهر من مظاهر التنوع الذي تميزت به  المقاربة الحروفية في التشكيل العربي المعاصر ومقترحات الخروج من الصورة التمثالية للمنهج الحروفي واقتصاره على القراءة البصرية لتجريدات الحرف وزينته المتاحة، و تقودنا معاينة أعمال المرحلة التأملية من رسومه إلى التطوير المقصود. فأعماله هي في محصلة القراءة والدراسة النظرية والتأمل البصري تدل على الاتجاه المستفيد من الجانب الزخرفي للتشكيلات الممكنة للحرف العربي القادم عبر ذاكرة تراثية حصرته بين قوسي الماضي كميراث ،  والفن كوسيلة تعبيرية للحوار معه، وتشكل الخطوط والمساحات الكلية لأعماله ما يوحي بوصفها بسجادة من الضوء تلتمع فوقها متآخية عناصر خليقية ومنمنمات زخرفية وحروف مغيبة لتكتمل بوجودها تلك الهيئة الشطرنجية التي رصدها الدارسون في أعماله ، فهي تحيل العين مباشرة إلى مراجعها التي تلتم حولها وتتفرع عنها العناصر البنائية الأخرى، فنتسلم عند مشاهدتها حالات حلمية  وآثارا لمشاهدة ذهنية سابقة على البصر، تشيع فينا السلام والانسجام الروحي بالقدر نفسه الذي تفتح فيه وعينا على مكابدات الروح في هذا العالم.
 لقد شخّص النقّاد تفرد الصمودي في النزعة الحروفية بمعنى البحث عن سبل خاصة مستوحاة منها لكنها موازية لها دفعت  باحثا مدققا ومحيطا بالحركة التشكيلية العربية هو محمود أمهز إلى عدّ أعماله ((تلتقي بالتيار الحروفي ، سواء في مناخها العام ،أو ما توحي به من عوالم مشابهة))مشخصا الطابع الهندسي المُسبَغ على أعماله بسبب الاختزال الكبير في كتابة الحروف..هذه الهندسة هي التي شخّصها الباحث نفسه في موضع آخر رابطا بين التجريد ورؤية الفن الإسلامي للعالم والإنسان باستخدام الصيغ الهندسية التجريدية التي جعلت من الكتابة خاصة(( بما تمتاز به من تواصل خطي ذي قيم زخرفية عنصرا تشكيليا مستقلا بذاته)).
لكن شربل داغر بخبرته الكتابية والبصرية شاعرا وناقد فن يرى أن الحروفية من بين الأعمال التجريدية التي يمكن نسبتها إلى التشبيهية لما فيها من تشابه بين منطلق الرؤية ((أي بعض الخطوط والحروف ، وما احتفظت به الصورة بعد التشكيل))
وهذا يقربنا من محاولات الصمودي المستمرة للموازنة بين المبصور كمرئي وبين الرؤية كلامرئي ،  وذلك يعلل عزوفه في السنوات الأخيرة عن الحروفية التقليدية لصالح النزعة الخليقية .
ومن المفيد مادام التعالق قائما بين المبصور والمنصوص داخل العمل الحروفي أن نتأمل النصوص الكتابية  للصمودي التي دوّنها مثل اسكيتشات غير مكتملة وأتيح لنا معاينتها ، فتوقفنا عند قوله في منثورات شعرية ومناجاة روحية :
أنا مشهد الأفلاك والكون ودورةٌ ما
للعلاقة بين سائد وبائد..وسرّ غائب
وساكن في القريب البعيد.
ولتأويل العبارة لابد من توسيع دلالات الأنا لتشمل أو تشير إلى الفنان المعاصر عموما وتصبح أنا سردية أي تحكي موضوعا يتجاوز ذات المتلفظ . فالفنان أي فنان  كمبدع هو مشهد الكون وأشيائه  ، وذلك يتيح له وجودا محيرا تعبر عنه  فكرة القرب والبعد المقترضة من عبدالقادر الجيلي والحضور والغياب في الآن نفسه.
يقول الجيلي((وكان البعيد عنه كالقريب ، وذلك انه لما تجلى الله له بصفة السمع سمع بقوة أحدية تلك الصفة اختلاف تلك اللغات وهمس الجمادات والنباتات)) ، وهو ما يعبر عنه نقديا اليوم بالنزعة الخليقية أي توسيع دائرة الإنسانية التي يحسها الصوفي  تجاه البشر وتعاطفه الثر معهم حد التميز بنزعة إنسانوية تذوب في ظلالها الفروق بين  البشر طيبين وأشراراً ، حكماء ومذنبين ، فقراء وأغنياء ، ضعافا وأقوياء ، لكن الوجود الواحد كله وليس البشر فحسب فيض عن الله  ومحتشد بمخلوقاته كلها وحيواتها التي لا تقل عندهم عن حياة البشر،  وهذا يبرر التعاطف الإنساني مع الموجودات حيوانات  ونباتات وظواهر طبيعية ، واستذكار مؤانستها للبشر في فجر حياته البدائية  ، حيث أنس بها وأنست به،  فيستذكر الفنان تلك المخلوقات الهائمة في عالمه قريبة وبعيدة كوجوده نفسه.
وسوف أستعيد هنا انطباعاتي للقائي البصري الأول بأعماله والتي كانت مادة أساسية لمساهمتي في تقديم معرضه ( تمارين ذهنية)2002 المشترك فيه مع الفنانين طلال معلا ومصطفى علي وحكيم غزالي، فقد وجدت لدى
الصمودي نغمة  تتكرر مزاوجة ً بين غنائية الروح ووجدانية التعبير ، وتنبهت إلى حقيقة (( إن الخط عنده أساس بناء اللوحة ، منه تنبثق وإليه تعود ، إنه بؤرة تلتم حولها العناصر الأخرى كلها ، من الخط ينسج الصمودي غنائيات شاعرية ووجدانيات عذبة تحيل العين مباشرة إلى الموروث الشرقي – والإسلامي خاصة – في هذا التناغم والتكامل الخطي واللوني المشبع بجماليات التجريد الروحي مما يعوض عن التشخيص أو التصوير المباشر ، إننا نتسلم عند مشاهدة أعمال الصمودي (حالات) وآثاراً لمشاهدة ذهنية تشعرنا بسلام وانسجام روحي ، لا يخفى احتدامه أيضاً وامتلاؤه بالعناء الذي يجعله يستلهم ما كان في البدء. أعني الكلمة التي هي مجموعة حروف ، والحرف الذي هو بحسب الصوفيين مجموعة نقاط انبعثت من نقطة واحدة تجسد وحدة الوجود ، هذا الاحتدام مموه بسلام جميل وتناظر صبور بين الخطوط وما يتشكل عن تلاقيها وتقاطعها ، ومن أبرز مظاهره احتشاد لوحة الصمودي ، فهي ممتلئة لا فراغ فيها ، تتصارع ظلالها وأضواؤها في فسحات مسدودة دوماً بالخط ، ولعل هذا يشجع بعض نقاده على وصف عمله بسجادة ضوئية. إنها تجمع التقشف والتناظر واللون والخط إلى جانب الإفادة من النزعة الحروفية ، ليس بمعنى استعادة ذاكرة الحرف في الأبجدية المألوفة ، ولا الإفادة من جمالية الحرف كزينة أو زخرف ، ولا استغلال معناه القاموسي كما هو في اللغة لإضفاء معنى أو تفسير على العمل ، بل استضافة الحرف كهيئة جمالية كلية ، يدرك ضمن عملية المشاهدة دون وجود منفصل أو مستقل عن العمل نفسه ، وبذلك يخلق في أعمال الصمودي ما يسميه الفنان الراحل فاتح المدرس (التجريد الطاهر) وصفاً (للرصانة) والشكل المشبع بالتصوف ولكن عبر اللون والخط ، لقد أفاد الحروفيون العرب من التشكيلات البنيوية للحرف ، وليس من وجوده اللغوي التوصيلي المستقل فاستوحوا الرقش العربي (الأرابسك) لإنجاز وظيفة رمزية ، متحررة من الدلالة المباشرة والمحدودة للحرف (عمله حول ألف ليلة وليلة مثلاً) والاستعاضة بالحدس عن الحس ، واستكمال تلك الفراغات التي يوحيها الوشم على الجسد والوشي على الثياب وكذلك المنمنمات (كمصغرات زخرفية) ومقترحات الرسم الأخرى.
هنا سألجأ إلى دفتر الصمودي لأقرأ فيه معالجات شعرية تكشف أجزاء من رؤيته الفنية، إنه يرى نفسه في ثنائية الذات والموضوع كما يقول، ويرصد في نص آخر جدلية اللون والعين فيقول:
تقدم ، أيها اللون.
تجاوز حجم الكاهن والساحر ، وآحمل نبوءة العين.
هذه الكسر الاعترافية التي صاغها الصمودي شعراً منثوراً – ليذكرنا بجدلية العلاقة بين الفنون – ستذكرنا برؤية الفنان التي تحمل اللون نبوءة العين. عين الفنان الخاصة لا سواها ، لأن الفنان نفسه (مشهد) للكون وأشيائه كلها . وسر مكنون في اللامرئي ، ولا يهم من أجل اكتشافه أن نستعين بأية مادة قريبة إلى اليد.)).
وحين كنت أتملى معروضاته في مناسبات لاحقة منها زيارة لمرسمه في الإمارات ولقاء مطول بدمشق ومسقط ومعاينة كاتولوجاته تأكد لدي الإحساس بالتطوير الخليقي الذي يعكف عليه الصمودي ويبرز في عنايته الهائلة بالتفاصيل المحيلة رمزيا إلى نباتات لا هوية لها سوى وجودها الشجري كآبنة لطبيعة يخشى عليها الانقراض والضياع ، فيحرص على أن يأسرها بدقة ومكروسكوبية لا تجعل ملمترا واحدا من السطح التصويري خاليا منها متجاورة مع بعضها بألفة وسلام ووداعة يفتقدها الفنان في البشر ويومياتهم الشقية.
هذه العناية بالتفاصيل تنبه لها نقاد الصمودي ومشاهدوه ، وكذلك تنبهوا لما تفرضه العناية بالتفاصيل من امتلاء يصفه الصمودي بالمقامات ، مما ينقلنا إلى معاينة موسيقية اللوحة عنده ، والوشيجة بين تناغمات الموسيقية واللونية، تلك التفاصيل –تقول مها سلطان ((تتوالد من بعضها بغية تشكيل قماشة زخرفية)) تعضدها ((عفوية وجزالة فيهما الكثير من الإشراق))  وهو المعْلَم أو الملمح الأسلوبي الذي سيميز تجريدياته الخليقية كلها.
وإذا حاولنا الإستعانة بشهادة معاصريه المقربين فسنذكر تنبيه الفنان والناقد طلال معلا لنشأة الصمودي الأولى وإفادته مما يسميه خبرته التأملية القائمة على مؤثرات العمارة والطبيعة البيئية التي عاشها، وميله نحو السماع لتعزيز المرئي وتأمل كينونته لاسيما المقامات الشرقية، ثم قيامه  بوحي من ذلك بتجريد الرمز من غربته التي صنعتها  القطيعة البصرية معه ،و يحاول في رسومه تمجيد الحضارات السابقة على أرضه. ويرى المعلا أن ثمة ((  موازين ))تتحكم في رسومه هي خليط من هذه المؤثرات الطبيعية والتأملية والموسيقية والمعمارية..فضلا على قراءاته التي رأيت أثرها الامتصاصي في فكره التشكيلي عند مطالعتي لدفتر مذكراته الذي أشرت إليه في تقديمي لتمارين ذهنية.
والذهاب إلى المؤثر الإيقاعي –الموسيقي تحديدا يلزمنا بمعاينة الوجود الكلي للعمل بمقابل موقع الشكل الجزئي أو المتناهي في الصغر داخل  التفاصيل التي يحرص عليها الصمودي وينتقيها   من أشكاله الخليقية لاسيما النباتات غير المعرّفة والمحالة إلى مرجع نباتي معروف، وبعض الأشكال المموهة لحيوانات أسطورية تتراجع كما هي في الذاكرة لتتمدد على خلفية العمل أو تتواشج مع تكوينات العمل الأخرى وتتماهى معها.
وتُعزز هذه النبوءة بالأشكال الخليقة الأولى التي يمتلئ بها السطح التصويري للوحاته ... أشكال قريبة من الإشارات والرموز والطلاسم السحرية في كتب الجفر تحتشد إلى جانب بعضها في اصطفاف نَسقي يمنحها انتظاماً وألفة فيما تكون الخلفيات -كالألوان- هادئة مسالمة تقدم لموجودات اللوحة فضاء بصرياً مريحاً تتصالح فوقه، كما تهب لعين المشاهد متعة بصرية تجعله يتوافق مع سلام اللوحة وسكونها العميق وراء احتشادها الظاهري وعنفها وامتلائها.
في محترفه كان يعمل على مصغّرات لونية حارة .. تفيض ببهجة لا تمنحها أعماله الحروفية،  وأذكر أنه عللّ ذلك بلحظات الفرح الحقيقية القليلة التي تهبها لنا الحياة فنحاول أسرها كما في الصورة العابرة ونسجلها كما في دفتر ذكريات موجز..
 
 
تعزز الحروف المتناثرة الحاضرة بكيانها الخطي والغائبة بدلالاتها اللغوية تلك الكائنات الخليقية الأولى المرتدة إلى الفكر البدائي المبرأ لدى الإنسان..أشكال قريبة من الإشارات والرموز والطلاسم السحرية أو الرقى مصطفة بنسق يكسبها انتظاما قرائيا يؤكد نصيتها وبصريتها في آن واحد ، وهو ما يقربها من الحروفيات الشائعة في الرسم المعاصر لكنها تتحرر من المنظور التقليدي للقيم الجمالية أو التعبيرية للحرف. وكما يشخص زميله وصديقه الفنان طلال المعلا فإن الصمودي استطاع أن ((يحوّل الخط من محيط يحتوى المعاني الأدبية للصورة أو المعاني التشخيصية لما سبق الاصطلاح عليه ، إلى محيط للمعنى الرمزي لقيم التجريد الدلالية، التي بدأ التركيز عليها الفن الإسلامي أساساً لبناء شخصية التقطها مباشرة معظم الذين نوه بهم تاريخ الفن، الأمر الذي جعل مهمة الصمودي أكثر تعقيداً من جهة، وأعطاه القدرة على التميز في محيط الفنون العربية المعاصرة من جهة أخرى )) وفي هذا المقتبس توصيف بليغ لمهمة الفنان وموقعه على الخارطة الفنية الحروفية ووصف لإنجاز الصمودي. فقد تركز عمله في المحيط الرمزي لا الأدبي للكلمة ولعنصرها البنائي الأول أي الحرف.
وسيقودنا طلال معلا إلى فحص تقنية الصمودي وهو ينفذ رؤاه الرمزية عبر تلك التفاصيل ومفرداتها المتضامة بسلام غريب يجعلنا نستحضر الضد الغائب غير المسمى ، وهو الشر أو القسوة والعنف مما تهجوه لوحاته وتنبذه ولكن عبر نقيضه ، يصف  المعلا تفاصيل الصمودي بأنها :
((تفاصيل متناهية في الصغر تدخل في تكوين الإشارات التي توحي بها أشكاله التي تحاول الترابط فيما بينها لتشكيل كتابة جديدة تظهر علاقات خاصة عبر التجاور والتناظر والتراكب والنقض وترتكز على جدلية الفصل والتجميع...التجميع غير الرصف  الذي يؤدي إلى أشكال زخرفيه لم تكن  في يوم من الأيام من اهتمامات الفنان )).
وأحسب أن مثل هذا الاستقصاء النقدي لتقنية التجميع لدى الصمودي والتفريق بينها وبين عملية الرصف الزخرفي تغنينا عن الإطالة والاستطراد. لاسيما وقد أحصى الناقد المعلا طرقا متنوعة لهذا التجميع كالتراكب والتجاور والتناظر والتضاد أو النقض.
ونشير هما إلى أعمال الفنان في هيئتها المنفذة أو أشكالها التي تظهر لنا بها فهي تذكرنا أيضا بالاستعانات التذكارية أو الأثرية لتستكمل المعاناة الروحية وإفشاء المناخ الروحي  الذي يتغياه الصمودي في مجمل أعماله ، ثمة لوحات كأنها أعمال الفريسكو أو المزججات والخرائط القديمة  والمحفورات على جدران الكنائس ودور العبادة ، وأخرى تأخذ شكل المسلات  أو الجدرانيات في الحضارات القديمة –بأرففها الأفقية وسطورها المتعددة الطوابق محجوزة أو معزولة بحدود لونية مميزة تحفظ لها استقلاليتها ، وكذلك تدرجها في آلية التكرار المقتبسة من الفن الإسلامي ، وهناك هيئة الرقيم أو اللّقية القديمة بجانب هيئة الرسالة أو الكتاب المحزز الذي تتميز نهاياته بالتآكل وعدم الاستواء  في أبعاد الورقة المدعوكة كناية عن القدم والعراقة.
تلك هي الروح الثقافية التي يبثها الصمودي في أعماله لا في ما يدونه على السطح لتصويري بل في أشكال تلك الأعمال وهيئاتها.
في عمل حول ألف ليلة وليلة لم يقدم الصمودي قراءة متعة أو شهوة بدنية لحكايات الليالي بل اكتفى بالحروف المتحررة أو المحررة من دلالاتها المباشرة لإنجاز وظيفة رمزية ، تحاول توصيل معاناة شخوص الليالي المهمّشين من رواة وعيارين وممسوخين وفقراء ومشردين وخيالاتهم التعويضية لإكراهات الحرمان والعسف المسلط عليهم.
لقد وصف بعض النقاد أعمال الصمودي بسبب الفسيفساء المتنوعة على المنمنمات أو المتسعة عنها بالسجادة الضوئية أو البدائية(سيلفيا رايسنجر-أستاذة تاريخ الفن في جامعة كراتسن النمساوسة في تقديم معرض الصمودي في غاليري روشان) تلخيصا واختزالا لنزعته الشرقية والإشراقية وتقريبا للهيئة المتكررة في أعماله إذ تفترش السطح التصويري أشكال تذكرنا بالمخطوطات والورقيات والسطوح الزخرفية القديمة،  ولما تحمله السجادة من عمل يدوي صبور يقوم نسيجها على التكرار والتناظر والخلق الجمالي خاصة عبر الاستعانة باللون والأرضية المستضيفة لتواشجات الأشكال والخطوط والمساحات وتعارضاتها  الجمالية أيضا ، ليكون الضوء من بعد هو الانبعاث الإشراقي الجواني المتجسّد بالحدس وفيوض التوهم والتلبس بعيدا عن التشخيص والتعيين التعبيري الفاقد للدلالات والإيحاءات الرمزية وذلك يفسر وصف  الفنان فاتح المدرس لأعمال الصمودي ب(التجريد الطاهر) تقديرا  للرصانة والشكل المشبع بالرؤية التصوفية، أو تحقيق نبوءة العين كما يكتب الصمودي:
تقدمْ أيها اللون . تجاوز حجم الكاهن والساحر
واحمل نبوءة العين
هذا ما تضمه إحدى المدونات النثرية في دفتر الصمودي ، وهو ما يعيننا في استجلائه عبر حروفياته وزخارفه وتشكيلاته الضوئية باتجاه النور الذي لاحقه قريبا وبعيدا.
بنعكس هذا الإحساس بنبوءة العين على الحرفة التشكيلية للصمودي ، فالفنان الراحل لا يفضل إلا الورق  بأنواعه لتنفيذ أعماله ، ويلجا لملء المساحات البيض على سطحه بالزخرفيات المتناسلة عن ذلك التوجه صوب النور القادم من كوى لا تراها العين المشتغلة آليا والباحثة عن النظر لا الرؤية المتأملة ..
إن وضع القريب البعيد هو خير وصف لوجود الصمودي الفني : فهو فاعل ومتفاعل في الرسم العربي عبر وظائفه التي شغلها حتى موته في مجالات الفن والمتاحف والندوات والمعارض ، وكذلك عبر أعماله التي قدمها (حوالي خمسة وعشرين معرضاً شخصياً ومثلها من المشاركات الجماعية مع آخرين) ومع ذلك ابتعاده عن المظهرية والإدعاء والإعلام .. لقد  كان الصبر والتأمل والحس المتسامي هي من دوافع  وصف بعض نقاد الصمودي لأعماله بأنها (سجّّادة ضوئية) تلخيصاً لنزعته الشرقية والإشراقية. فالسجادة كعمل يدوي يقوم  نسيجها =بناؤها ، على التناظر والتكرار وخلق جمالية خاصة عبر ذلك استعانةً باللون والأرضية المستضيفة لتواشجات الأشكال والخطوط والمساحات وكذلك تعارضاتها .. أما الضوء فهو الانبعاث الإشراقي الداخلي المتجسد بالحدس وفيوض التوهم والتلبس وإرسال وميض الداخل واشتعالاته بالمعرفة والمحبة ليضيء جوانب العمل الذي يكتفي بالتجريد الخطّي واللون، ويستدعي عبر تنفيذه الشكلي وتكتله داخل اللوحة إيقاعات التوافق والتعارض التي ينبني عليها العمل الإشراقي عموماً ... ذلك العمل المتنازل عن التشخيص والتصوير المباشر ...
لقد كنت أحس (قُرب الصمودي وبُعده) لا برصد وجوده الفيزيائي في الحياة بل بوجوده الظّلي في حياة فنية بعيدة عن البهرجة والصخب والعداوات، لقد كان الكمين الوحيد الذي دبّره عبد اللطيف الصمودي في
حياته هو ما أوقع نفسه فيه من غربة ووحدة  مستسلماً لهذا البعد الذي يحسب أنه سيجعله (قريباً) كوعد المطر في سحابة أو النور في سجادة لونية باهرة ..ذلك النور الذي قرنه الصمودي باللون في أعماله مترجما بشكل عملي ما كان قد  قاله ذات يوم : النور سيدي و مملكتي اللون ..
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
إحالات:
 
تكتفي الدراسة بتسمية المصادر والمراجع التي جرى التنويه بها في المتن والإفادة منها والاقتباس المنصوص عليه ، تخففا من الإحالة إلى أرقام الصفحات  التي لا يتوفر  بعضه نظرا لطبيعة المنشور .
-  دفتر مذكرات مخطوط للفنان الراحل عبداللطيف الصمودي - نصوص وإشارات ومقتطفات وتعليقات..
- بروشورات وكاتولوجات فنية عن معارض الصمودي لفترات متفاوتة.
- تمارين ذهنية: كتيب بمقدمات لأسعد عرابي وطلال معلا وحاتم الصكر ورسوم  من معرض الفنانين : عبداللطيف الصمودي، طلال معلا ، مصطفى علي، حكيم غزالي 14-2-2002.
-  طلال معلا: عبداللطيف الصمودي رسمَ بالموازين وحرَّر الرمز، موقع أوكسجين على الإنترنيت.
   - مها سلطان: الرسام الراحل عبداللطيف الصمودي شرقي  اللون والنور.موقع فنونwww.fonon.net
   -  محمود أمهز:  الحروفية العربية،رهانات وآفاق، ضمن كتاب (تواشجات بين شاعر وفنانين)، المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة،عمّان2003.
             - آفاق التجريد في الفنون البصرية- ضمن كتاب(مرايا الرؤى- في شان بلاغة التشكيل) ،إعداد وتحرير د.يوسف عيدابي،الشارقة2001
-    شربل داغر:  -الرؤية والصورة في التشكيل ، ضمن(مرايا الرؤى)
                   - الحروفية العربية ،فن وهوية،   بيروت  ،1991.
    - أسعد عرابي : - وجوه الحداثة في اللوحة العربية ، الشارقة1999.
                       - صناعة النور في الفن التشكيلي،ضمن ( مرايا الرؤى)
-  شاكر حسن آل سعيد:  البحث في جوهرة التفاني بين الأنا والأخر،الشارقة،2003.
-حاتم الصكر: المرئي والمكتوب- دراسات في التشكيل العربي المعاصر، الشارقة 2007.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
                                                             أيقونة الروح وبوصلة الوطن
                                                         الرؤية النقدية  في رسوم ناجي العلي 
 
 
 
 
 
 
 
أختصر نجاتي وألخص حلاوتكم
    في الاسم الحلو الأخير الذي يليق بكوكبكم :
حنظلة!
كم هو شرير وفاضح
هذا الولد حنظلة 
  * سميح القاسم  
 
 
1-
لم يكن الفنان الشهيد ناجي العلي خائفا من نهاية كالتي اختارها  له قاتله  ، فهو متوقع أن يلتحق بكثير من مفكري فلسطين وفنانيها وأدبائها  الذين قوبل إبداعهم بالرصاص ، لعل غسان كنفاني في مقدمتهم ، وهو الذي أخذ بيدي العلي ونشر أول رسومه  ، وكان حاضرا –كما سنرى –في كثير من معالجاته الكاريكاتيرية على مدى سنوات عمره التي كرّسها لتبليغ رسالته الوطنية ، وحقيقة كونه من ضحايا احتلال وطنه وهجرته القسرية من بيته طفلا في العاشرة ليعيش  بقية عمره لاجئا مشردا.
ألهذا أراد لحنظلة  بطل رسومه والشاهد العصري على ما يجري من حوله  أن يظل  في العاشرة أيضا ، ويقول عنه ((هو في العاشرة وسيظل في العاشرة حتى يعود الوطن ، عندها فقط يكبر حنظلة و يبدأ في النمو )).؟
إن مهمة  ناجي العلي كرسام كاريكاتير أكثر صعوبة من الآخرين الذي اتخذوا وسائل فنية معبّرة ، كالشعر والسرد والسينما  والمسرح والتشكيل ، فهو يقاوم بوسيلة ابتدعها الإنسان للتعبير الفكاهي والسخرية والإضحاك ، وظل على مدى  ما يزيد على قرنين يمارسها ، فكيف يلامس من خلالها  وهي تتركب من التشكيل والكوميديا ، موضوعا من أكثر القضايا الإنسانية المعاصرة ألما وحزنا، موضوعا يمس مصير شعب وأرضه وحقوقه وحريته ؟
لكن المشتغلين بتاريخ الفن والمنظّرين لفن الكاركاتير خاصة يرون أن هدف  الكاركاتير تاريخيا هو إثارة الرعب من المرئي الذي يصادف الإنسان  ، فيحوّله في الرسم والحفر إلى كائن شرير وقبيح يستحق الرفض والنبذ ، ويمثلون لذلك بما تركته الحضارات القديمة على جدران الكهوف والمنحوتات والرسوم الأولى ، فالبابليون مثلا كانوا يصورون الأرواح الشريرة بشكل قبيح ليبرروا كراهيتها ونسبة أعمال الشر إليها ، وهو ما يماثل آثاراً ونقوشا عثر عليها في أفريقيا وأنحاء أخرى من العالم  تميزت بالتعبير الفكاهي المعتمد على المبالغة ، وتقديم الشخوص بطريقة هزلية عبر  التشويه في المقايييس التشريحية للجسم ، أو بعض الأعضاء الجسدية  والتعبيرات المصاحبة  ما يدل على الوعي الكاريكاتيري للإنسان بالفطرة . ولكن الأمر يبدو غير يسير في المقاييس الفنية إذ تقترن الفكاهة كمضمون بالتعبير عنها بالخطوط والوجوه والتعبيرات الملازمة لها، وهو ما سيطوره فن الكاريكاتير باتجاهين:
-   الأول يكتفي بحركة  الجسد والخطوط وتعبيرات الوجوه والأعضاء المبالغ في تصويرها لإبلاغ رسالتها الهزلية المتضمنة انتقاده لحالات محددة ، يقوم على أساسها المضحك وقيمه الجمالية في الفن الساخر عامة – و في المسرح  الكوميدي خاصة.وهو يناسب المرحلة الشفاهية التي نشأت  فيها المحاولات الكاريكاتيرية الأولى للإنسان للتعبير عن الأساطير والمعتقدات وهجاء الخصوم ، عبر الخطوط والوجوه والأجساد وحركتها.
-   والثاني يحاول أن يقرن الرسوم بتعليقات لغوية وإشارات وحوارات وشروح تضفي على الرسوم الطابع الكوميدي وتحقق الهدف الانتقادي للكاريكاتير،  بتعضيد لغوي يقوم أساسا على النوادر والتلفظات المضحكة ، وهو اتجاه سوف تكرسه الصحافة الموجهة أساسا لقارئ متعلم ، فيصاحب الرسوم حوار في الغالب يعمق المفارقة التي تنبني على أساسها نظرية المبالغة الكوميدية التي تشكّل بنية الكاريكاتير، ويعود الرسم الكاريكاتيري مناسبة للنكتة والنادرة المضحكة القائمة على مفارقات لغوية تتقدم  على باقي عناصر الخطاب الكاريكاتيري  كالمفارقة الحركية أو الجسدية أو السردية.
وقد أفاد الشهيد ناجي العلي من المدرستين فقدم رسوما تكتفي بالحركة والخط والتعبير الجسدي للشخوص، وأخرى تطيل الحوار  المكتوب مع الآخر أو مع النفس ، أو يلجأ أحيانا إلى تقديم الملصق أو البيان الموزع في خلفية الرسم أو مقدمته أو على جانبيه.
لكن الرسم المجرد من التعليق كان طموحا للفنان أعلن عنه مرات ، نظرا لأنه يبغي الوصول إلى جمهور غير متعلم وفقير يريد أن يفهمه دون قراءة 
" أريد أن أؤذن في آذان الناس وأقول لهم أين قضيتهم ، وإلى أين وصلت ؟ أريد أن أرسم للناس البسطاء الذين يفكرون والذين لا يقرؤون ولا يكتبون))
هنا ستضاف صعوبة أخرى لمهمة ناجي العلي الفنية   والوطنية تتمثل في الموازنة بين  تحقيق الطابع الانتقادي الساخر للكاريكاتير ، وتوصيله دون شروح وكتابات لشريحة يعول عليها كثيرا وينتصر لها فكريا هم أولئك الفقراء الذي عاش وسطهم في المخيم، ورأى أنهم عصب الثورة والقضية الوطنية ، أولئك الذي لا يقرؤون ولا يكتبون لكن لهم من الوعي بمصيرهم ما يجعلهم يشاركونه همه ورسالته.
2-
كيف يمكن تعديل الموازنة بين المقروئية المبتغاة من شريحة فقيرة وغير متعلمة أو غير مثقفة بالمعنى العام ، وبين إنجاز رسوم بليغة ومؤثرة فنيا متوفرة على اشتراطات الفن الكاريكاتيري؟
ثمة صعوبات أخرى ، كان على الفنان أن يبحث عن حل لها ، فالأبيض والأسود همتا المتاحان في الكاريكاتير ، وذلك يعني أن جماليات اللون محددة هنا ،وفاقدة للأثر البصري الذي يمكن للأعمال المنفذة بالألوان أن تحققه ، وسيتم الاكتفاء برمادية العمل وما تضفيه عليه الطباعة من تشديد وإبراز ، وهو أمر يوافق تلك الرمادية التي كان ناجي العلي يراها في الحياة نفسها وموفقه المتشائم احتكاما إلى ما يجري فيها من مآس ومظالم لا تخص وطنه المضاع والمحتل فحسب ولا شخصه كلاجئ فقد بيته وحريته بل  توافق تلك الرمادية الأفق الإنساني القائم الذي رآه العلي مظلما حيث أدار عينيه ، لذا فقد شدد العلي على البعد القومي والإنشاني لأعماله الكاريكاتيرية من خلال ملامسته الجريئة للقيم الغائبة في الحياة اليومية للبشر رغم الشعارات الكثيرة والمملة التي تتشدق بها ، وفي المقدمة منها الحرية والديمقراطية والعدالة ، وعلى هذه الأقانيم الثلاثة أنتج ناجي العلي هذه المئات من الآلاف التي تركها خلفه من الرسوم الكاريكاتيرية .
الخطوط الخارجية العنيفة والحادة والأشخاص المميزون بوجوههم المعبرة وأجسادهم والحوار أحيانا والتعليقات، كانت وسيلة ناجي العلي لتوصيل حكمة رسومه وتحقيق الموازنة التي تحدثنا عنها بين المرسوم والمقروء أو الكلمة والخط ، وتوسل كذلك بوسائل أخرى سنبينها هنا ، ومن أبرزها وأشدها أثرا خلق شخصيات كاريكاتيرية  متخيلة ثابتة يكررها في أعماله حتى اقترنت به واشتهرت لدى الجمهور المتابع فضلا عن نقاد الفن، ومن أول هؤلاء شخصية حنظلة طفل العاشرة الفلسطيني بهيئته المميزة: نحيفا صامتا مطرقا مديرا ظهره للمشاهد متفرجا بسخرية ومشاركا في مرات أقل بالتعليق أو الحركة الغاضبة أو المحتجة. وذلك جزء مهم من جهد ناجي العلي لإنجاز المهمة الانتقادية لرسومه التي تميزت عن الاتجاهات الكاريكاتيرية الرسمية المروجة للأنظمة والمرددة لشعاراتها ومقاصدها بمباشرة ساذجة  والهازئة بخصومها ومعارضيها ، وأيضا عن الاتجاهات السطحية المكتفية بالإضحاك عبر الكاريكاتير ولو بأكثر السبل سطحية وبذاءة أحيانا وتكرار الصور النمطية الساخرة من نماذج المسنين والعجائز أو النحاف والبدناء  والمعاقين وذوي المهن البسيطة  وما شابه . 
  
 
 
لقد وجدت في رسم شخصية حنظلة عدة مراجع سأبينها هنا:
1- واقعية المنهج التصويري الذي آمن به ناجي العلي انبثاقا من اعتقاده بالصلة بين الفن والواقع وخدمته للقضية التي كرس حياته لها واكتوى بنارها وعانى شخصيا التشرد من وطنه وحكى كثيرا عن مغادرة قريته والهجرة للعيش في مخيمات البؤس والفقر والحرمان وذلك ألهمه شخصية الطفل المُعاني..
2- أفاد من مبدأ الاسم ودلالة التسمية على المضمون الداخلي للشخصية ، فكان ( حنظلة ) اسما مناسبا لمسمى يوافق في أبعاده السردية وصفاته ما يثير الحنظل في الذاكرة من مرارة المذاق والنشأة الصحراوية وما يرتبط في الحس الشعبي العربي من دلالات على العناء والقسوة في الحياة.وأضاف التأنيث شيئا من العاطفة  والمحبة للشخص وطفولته .
3- استثمر دلالة الطفل البريئة لجعله فضّاحا وكاشفا للدسائس والمكائد والخيانات وكذلك للعجز والنفاق والخوف لدى الآخرين ، وهو ما تأكد في معتقدات الشعوب وحكاياتها كحكاية ملابس الإمبراطور الجديدة حيث يغش الخياطان المحتالان الإمبراطور والشعب مدعيين  بأن خيوط الملابس التي خاطاها للإمبراطور لا يراها إلا ذو عقل ونظر، ولكن الطفل الذي صادف وجوده مع أمه في استعراض الإمبراطور بملابسه الجديدة يهمس لها بأن الإمبراطور عار تماما ، ولا ثياب على جسده! ولقد قام حنظلة بكثير من التعرية للزيف والكذب والتضليل سواء جاءت في الشعارات أو الأعمال والأفكار من الأفراد أو المؤسسات أو الحكومات.
4- حاول أن تتطابق شخصيته زمن التهجير الصهيوني للفلسطينيين  ومغادرته قريته بالقوة وبداية عذاب اللجوء وحياة المخيمات مع شخصية حنظلة فجعل عمره متوقفا طيلة سنوات رسمه عند العاشرة وتمنى ألا يكبر إلا عندما يعود إلى وطنه.
وبهذا الصدد يقول ناجي العلي((إن شخصية حنظلة كانت  بمثابة إيقونة روحي من السقوط  كلما شعرت بشيء من التكاسل .إنه كالبوصلة بالنسبة لي  ، وهذه البوصلة تشير دائما إلى فلسطين.))
5- عند التدقيق بهيئة حنظلة ستلفت نظرنا قدماه المنفرجتان بتباعد واضح عن بعضهما ما يذكرنا بشخصية شارلي شابلن السينمائية التي كانت نموذجا انتقاديا ساخرا  شائعا زمن صعود وعي ناجي العلي ، فضلا عن الجانب التحرري والديمقراطي في خطابه وانتقاده للتوزيع غير العادل للثروة وتهميش الفقراء والضعفاء ما وجده ناجي العلي قريبا من المحتوى الانتقادي لرسومه.
6- في صمت حنظله غالبا وإدارته ظهره للمشاهد دعوة للاحتجاج إذا ما تنبهنا للمفارقة التي يشير إليها العمل المرسوم فيدعو صمت حنظلة إلى الصراخ واشتقاق دلالات ترفض الاستسلام وتدعو للمقاومة . والرسم المنشور أعلاه يرينا كيف تحولت يد حنظلة غصنا مورقا بينما هو في رسوم أخرى يؤطرها سياق معين يحمل  السلاح أو يصرخ محتجا . ..
(( أرسم .. لا أكتب أحجبة ، لا أحرق البخور ، ولكنني أرسم ، وإذا قيل إن ريشتي مبضع جراح ، أكون حققت ما حلمت طويلاً بتحقيقه.. كما أنني لست مهرجاً ، ولست شاعر قبيلة – أي قبيلة – إنني أطرد عن قلبي مهمة لا تلبث دائماً أن تعود .. ثقيلة .. ولكنها تكفي لتمنحني مبرراً لأن أحيا .  ))
هكذا خلق شخصية حنظله من ثقافته وما تمده به قضيته التي  عاش وعمل ومات من أجلها.
أما شخصيات الأب والزوجة فاطمة والخنزير البدين فهي أيضا ذات دلالات نصية بصرية استثمرها الفنان بذكاء وكونت الكيان السردي لرسومه.
4-
الشخوص تكمل الطابع السردي لكاريكاتير ناجي العلي . إنه يجعل بينها علاقات عضوية فتستدعي بعضها بعضا ، الأب المضحي المعاني والعارف والمراهن على فشل الخطاب الرسمي، وفاطمة الطيبة التي يتحدث عنها بحب ، والبدين الذي يتناسخ منه عدة أفراد يجتمعون ويقررون أو يسهمون في خواء الروح الفلسطينية المقاوِمة أو يمتهنون الحريات.
فهاهو الخنزير كأي عدو للإبداع  يهوي على شجرة الكلمات أو الفكر الذي يخافه بفأس كبيرة بينما تنبت الأقلام عبر الأغصان التي جعلته يقف محدقا بها بانزعاج.
ولا يريد ناجي العلي لنفسه أن يصنف ضمن قبيلة أو جماعة محددة لذا يعلن مرارا أن الفقر يوحد المسلم والمسيحي ويجعلهما معا هدفا لأعداء وطنهم وحريته .
في أحد رسومه التي تعتمد التحوير كما أسلفت نجد السيدة العذراء بسمات فلسطينية وقد انحنت عليها نخلة تسقط عليها ووليدها رصاصا لا رطبا ، وفي أخرى نرى  السيد المسيح يقتلع مسامير صليبه ويقوم ليقذف أعداءه حجرا،
وبالمقابل تصبح مقولة ( شعب الله المختار في أحد رسومه :شعب الله المخ ..طار) إشارة إلى دموية الفكر الصهيوني العنصري ومؤسساته المحتلة ، و(من راقب الناس مات  هما )تصبح : (من راقب الأنظمة مات هَمّا).
ولتفسير السخرية العارمة في رسوم العلي سأستعير ما قدمه الكاتب والشاعر الفلسطيني محمد الأسعد (الفنان لا يريد منا البكاء بل يريد منا أن نفهم وأن نعي وأن نتخذ موقفا. فالسخرية تنبع من الرغبة في كشف المفارقة))
 
 
 
 
 
 
 
 
وفي الكاريكاتير أعلاه تتضح الروح المتسامحة للفنان فهو ينفي عن الأب انتماءه لأية طائفة سوى الوطن، وهذا يجعل الخنزير البدين يثور عليه غاضبا ويظهر مناوئا له دوما.
لقد امتزج دفاعه عن الفقراء والناس الذين هم ( تحت) كما يقول مع بحثه عن الحرية والديمقراطية التي لم تكن مطلبا يخص الحركة الوطنية الفلسطينية التي عمل تحت لواء أفكارها بل تتوسع دائرتها بسبب وعيه القائم والمتجاوز.
في أحد رسومه يثني الأبن على مقالة الأب عن الديمقراطية ثم يسأله ماذا تكتب غدا؟ يقول الأب :أكتب وصيتي، مختزلا بذلك ما يعانيه طلاب الحرية  والديمقراطية ودعاتها في أوطاننا.وتلك الرسمة المعبرة عن لقاء الأب بالصحافة تسرد كثيرا من المعاناة وتؤكد المنحى الانتقادي المكون لخطاب ناجي العلي الكاريكاتيري المميز.
لقد استعان ناجي العلي بثقافته ليعدل المأثورات والعبارات الشهيرة ويعطيها مدلولات جديدة وكأنه يؤسس لحروفية كاريكاتيرية نظيرة لجهود التشكيليين الحروفيين العرب ولكن بالإفادة من التعديلات الساخرة المقصودة على القيمة الدلالية للكلمات والتراكيب . وهذا نموذج لها:
                                                                                                
فتصبح عبارة كل متهم برئ حتى تثبت إدانته: كل مواطن متهم حتى تثبت إدانته، فهو منتظر ساعة إدانته،  وحياته  ليست إلا مظنة ذنب تعاقبه على أساسه الأنظمة .
وفي رسم آخر يخطب المسؤول بالناس فيحور المقولة القديمة عن طلب الخليفة أن يقوّمه الناس بسيوفهم إذا وجدوا فيه اعوجاجا بالقول:
  من رأى منكم اعوجاجا فيَّ بدّي ألعن أبو اللي خلّفه!
 
 
 
 
وهذه الثيمة التي اشتغل عليها العلي قربته من قطاع واسع من المتلقين العرب لا الفلسطينيين فحسب لأنه كان يكشف معاناتهم بشجاعة وبلاغة وجمالية فنية عالية.
 
 
 
 
أما الكوجيتو (أنا أفكر فأنا موجود)  فيصبح ملصقا ساخرا موضوعا على قبر محاط بصخور في مكان مقفر يتأمله حنظلة وحيدا كعادته شابكا ذراعيه الهزيلتين خلف ظهره متباعد الساقين.
 
  
لقد توفرت للشهيد ناجي العلي شروط كثيرة أهلته لا ليخلد في الذاكرة العربية كمقاوم وطني باسل بل كفنان وظّف الفن برقي ووعي للتعبير عن قضية العدل والحرية والكرامة .وأعطى لحرية فلسطين وحق أهلها في الاستقلال ما يقوي شرعيتها ويضيف رصيدا روحيا لها لا يقل عن ذاك الذي أضافته أشعار محمود درويش وروايات غسان كنفاني وقصصه والرعيل الكبير من المبدعين الفلسطينيين نساء ورجالا وقبلهم جميعا من ضحوا بحياتهم لتأكيد حق شعبهم في الحياة والعدل والحرية.
 
ملاحظة ختامية
أفدت في إعداد هذه الورقة في الجانب التاريخي لفن الكاريكاتير من كتابات الدكتور عاطف سلامة ، وفي بعض أفكار الدراسة من عرض لاحتفالية ناجي العلي بالكويت –العربي-العدد 591-شباط 2008  وموقع الفنان ناجي العلي على الإنترنيت وموقع موسوعة الكاريكاتير .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
                         تجريد التشخيص في أنوار طلال النجار الروحانية 
 
 
 
 
 
في كلمة قصيرة وزعت مع دليل معرضه  الشخصي الثالث ( أنوار روحانية)-المركز الثقافي الفرنسي بصنعاء21-16 مايو -2008 يتحدث الفنان طلال النجار عن مسؤولية الفنانين التشكيليين في توفير الإشباع الجمالي في المجتمع اليمني ، ويقترح تقديم التجارب الفنية الجادة والأعمال المعبرة عما يسميه ( الروح الثقافية للمجتمع).
ربما تفسر هذه المقتبسات النظرية أزمة البحث عن أسلوب مميز في التجارب التشكيلية اليمنية يؤدي تلك المهمة المتخيلة لتخليص الفن من عزلته التي هي جزء من موقع الثقافة في التلقي الجمعي ومكانة الفنون بالذات على اللائحة اليومية للحياة ، وهو ما أشّرته الدراسات النقدية ولمسه المتابعون للحركة الفنية ، فكثير من المعارض تعكس مزيجا من الرؤى وتعددا في المعالجات الأسلوبية التي إن كان لها ما يبررها في نشأة الفن التشكيلي وتطوره فهي غير مفهومة في مسيرته الراهنة .
هل يمكن بناء على ذلك أن نعد الإتجاه  الحروفي الواضح في معرض طلال النجار الأخير جزءا من البحث الأسلوبي؟ أم هو مشاركة عملية  في حل أزمة تلقي اللوحة في المجتمع باستلهام الروح الثقافية لإشباع الحاجة الجمالية لهذا المجتمع؟
(أنوار روحانية )هو عنوان المعرض الذي ضم خمسا وأربعين لوحة  يهيئ التلقي البصري لاستلام إشراقات وفيوضات جوانية ذات طابع تقشفي  وحضور روحاني خالص  تناسبه مرحليا استعانة طلال النجار بالحرف العربي وما يجيء  من إشارات  مع وجوده على السطح التصويري لا بمعانيه أو دلالاته ولا ببناء جملي لتراكيب وعبارات ومأثورات بل بوجود الحرف زخرفيا وتغييب دلالته لخلق جو روحي وتكوين أشكال يكون هو المركز فيها ولكن بحضور فني شكلي محض.لا سيما  ولطلال تعامل سابق مع الحرف اليمني القديم والاستفادة من تشكلاته الهندسية وجمالياته الذاتية.
إن الحروف بعد أن أعاد الفنان تشكيلها ومنحها هذا الوجود الفني  الجديد تصبح ذات كيان سمعي بصري كما يقول شاكر حسن آل سعيد ، فتوحي بصوتها ككيان لغوي له صورة سمعية هي ما يشير إليه الحرف كدال في عالم إشاري ، ثم يكسب وجوده البصري المتعين أو التمثالي  كهيئة مستقلة عن الصوت اللغوي الذي يحف بشخصيته كما وقرت في وعي كل من الفنان والمتلقي ، بل إن عرض الحرف في سيرورة اللوحة وبنائها الفني يوحد التلقي البصري للمشاهد سواء أكان أمّيا مثلا لا يملك الشفرة الخاصة بالأبجدية ،  أو قادما من حاضنة لغوية غريبة  لا تسعفه في فك معني الحرف أو قراءته كدال لغوي .فتتحقق الهوية الجمالية له ويؤدي دورا زخرفيا في بناء اللوحة.
لدى طلال يحتل الحرف مركز العمل ويتمدد زخرفيا في تكوين مستمد من الريازة الإسلامية والزخرفة  الموضعية للأماكن الدينية ليصنع نافورات ضوئية تتمدد لأطراف اللوحة مستفيدة من التدرج اللوني حيث تخف الحدة اللونية وتهدأ توسعات الدائرة الضوئية التي يصنعها التشابك الحروفي ويشع دوما بياض يفك تلك الشبكة الحروفية او الشرنقة الدائرية كتمثيل مجازي لدورة الحياة في المفهوم الصوفي ، ويمنحها النور اللازم لحاجتين : فنية ومضمونية  فينعكس النور الروحاني ليعكس السلام المطلوب في نهاية المعارج و التشوقات والصبوات الروحية .
ولإشاعة  هذا الجو الروحاني المفعم بالبياض ينشر الفنان  على حدود اللوحة ونهايات السطوح أو حافاتها   تشكلات من البياض نفسه مخففا من الشبكة الحروفية وبلاغتها اللفظية أو تكتلها ، كأنما لتؤكد ما ينتظر الرحلة الإشراقية المحتكمة إلى صبوات الأعماق وقرارتها الدفينة من نهايات ، أو ما تصبو إليه النفس في غمار تلك الأنوار الروحانية التي اعتمدت التجريد ولكن بتكتل الحروف لتصنع هيئة جسدية تطالع العين وتستثير الذاكرة البصرية لتشارك في اقتسام النور والسباحة في تموجات اللون ، وصعود الحروف لأفق افتراضي يتملاه القلب بعد العين  ، ويحس بحميميته فيحضر التشخيص عبر الكتلة الخطية ويغيب المضمون لصالح التجريد فيتألف عناق غريب يدعوه النقاد في حالات مشابهة تجريد التشخيص.
أحيانا يكون الأسود هامشا أو خلفية لكن انكسارات أو انهيارات اللون بعد زحف البياض يؤكد التوجه النوراني وانتصاره في معركة الدلالة الرامزة لانتصار الروح وتغلبها على شرور العالم ودناءاته وجرائمه.
سيكون مطلوبا تفسير حرص طلال في معرض الانوار الروحانية  على تقديم أعمال من فترة سابقة  درجها  ضمن المرحلة الحروفية الماثلة لا سيما وهي ذات طابع تشخيصي-تعبيري ضروري لإنجاز البورتريهات وأجساد الشخوص التي برع فيها طلال وتميز بين زملائه سواء بالأقلام الفحمية او الرصاص أو بالتلوين الصباغي الذي لم يسلب تلقائية الشخوص أو إشراقها الداخلي الطافح ، وأفلح في نقل حرارة الأعماق وجمالية الموديلات أو الملتقط من الوجوه والأجساد، واقتنص من محليتها الأصيلة  دلالات السلام والطمأنينة الروحية والصفاء التي تشيعها اللوحات الحروفية كذلك  في المواجهة البصرية التمثيلية ، لا سيما والوجوه والشخوص في حالات استرخاء و تأمل دائما وحتى الحركة تبدو واهنة أو متأنية ، وهذا ينطبق على المناظر المدينية الملتقطة من احتشاد صنعاء القديمة بحيوات جمة ذات خصوصية جمالية و اكتنازها هوية مميزة تتمظهر في الطرقات الملتوية  الضيقة والعمائر الشاهقة المتطاولة صوب الفضاء السماوي  بطرازها الصنعاني  وموادها البيئية وتشكيلة الثياب  واحتدام الألوان معانقةً النور في نهار مضيء  لا تتكسر ظلاله ، لأن الفنان يعيد تمثيل المدينة من زاوية الروح التي يناديها ويجمع من بين عناصرها البشر والجماليات المعمارية والسلام الداخلي المميز لروادها وساكنيها.
يظل المقترح بتوحيد المعالجة الأسلوبية وتناغم الأعمال مطلبا تقدمه قراءة اللوحات واصطفافها السردي المعترض أو المنقطع بالأعمال القديمة أو  السابقة رغم ما حاولنا انتحاله من مبرر لتجاور لوحات حروفية تجريدية وبورتريهات تعبيرية مشخصة إلا إذا كان البحث الأسلوبي هو الدافع لهذا التجاور والرغبة التنافذية الملخصة في تجريد التشخيص أو حتى تشخيص التجريد.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
نداءات الروح وجماليات اللوحة
           
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
لا أزعم أن ما سأكتبه عن تجربة الفنانة التشكيلية ريمة قاسم يرصد كل أبعاد تلك التجربة وتحولاتها التي تمثل بحثا متواصلاً غير نهائي عما يناسب دواخلها وانعكاسها على السطح التصويري...
إن ما أعبر عنه الآن هو مقترحات لقراءة أعمالها بالاحتكام إلى المتاح منها للمشاهَدَة والمحدد زمنياً منذ عام 1997م حتى الآن2007م. 
هذه المعاينة والقراءة التتابعية ستتيح التعرف على جانب من تلك التحولات التي ترمز إلى قلق مشروع وخلاق، وبحث أسلوبي عن الأشكال المعبرة عن تلك التحولات، والتي تناسبها بالضرورة في عمق مداخلها والأغوار البعيدة التي تستمد منها نداءاتها وتزاوج بين مطالب روحية قصية وانفعالات نفسية واضحة التأثير على موضوعات أعمال ريمة قاسم والأشكال التي تتخذها على سطوح لوحتها ... وتنعكس على أسلوبها في تنفيذ أعمالها و معالجة المواد و السطوح والكتل بالضرورة .
إن عمل ريمة قاسم في تجاربها الأولى انحصر في ما أسمته الفنانة آمنة النصيري.وهي تقدم تجربة ريمة الثانية – ( تكثيف القيم النفسية ) مما استلزم أسلوبياً المزواجة بين ( فانتازيا السوريالية واختزالات التجريد ) .
إن هذا يفسَر تشديد الفنانة في تجاربها الأولى على الخطوط والتكوينات الممكنة التي تتيحها تشكلاتها التي تعبر عن بنية (المتاهة) و الشرنقة الهندسية التي تصنعها الخطوط المتشابكة وهي تعبر عن الضيق بالوجود الخارجي والانكفاء – بدلا عن الانخراط فيه – داخل أعماق الذات التي تعيش صراعاتها  وإشكالاتها مع الخارج إن تلك الخطوط المتشابكة والمتخذة غالباً أشكالا خليقية اولية أو حمولات تكوينية من صنع المخيلة، قامت في هذه المرحلة بتجسيد ذلك الضيق وأمّنت للفنانة وسيلة تعبيرية قريبة من إطلاق الخيال كما أرادهُ السورياليون الأوائل وتحرير النفس من ضوابط المنطق العام ، مما ينعكس فنياً بالتحرر من ضوابط الإنشاء التقليدي وتلازم عناصر العمل الفني بصراحة وأكاديمية .. لذا لم تتردد ريمة قاسم في استضافة كتل  وتكوينات توحي بالتجسيد أو التشخيص، كحضور أجساد بشرية أو أشكال متحولة ذات ابعاد  إفعوانية لها تأويلات نفسية عديدة قد يجد المشاهد في الانسياق لها لذة ومتعة تمنحهما القراءة البصرية المعمقة ... وهو ذو حق في ذلك وفق فهمنا لحق المشاهدة في التأويل ...                           
لكن ريمة قاسم ستتخلص تدريجياً من هذا التناقض بين إطلاق طاقة الخيال والتشكيل التشخيصي وقامت بتغييب الجسد كحضور مادي واهتمت في مراحل لاحقة بعنصر اللون لتخلق من تضاداته و تقابلاته تكوينات تؤازر المخيلة، وتوجّه المشاهدة البصرية لأعمالها صوب ذلك العالم الخيالي الذي يعوّض مأزق رفض الوجود الخارجي ، ويسهم في تقريب العالم الداخلي الذي سكنته ذات الفنانة، واجتهدت في توصيله لمشاهديها عبر تلك الإشكال الخليقية الحلمية والخيالية ، والمعبَّر عنها بخطوط تتصدر السطح التصويري ويعمق حضورها الخيالي والحلمي تلك الألوان الحادة التي اختارتها ريمة كأصباغ تشير إلى- ولا تؤطّر أو تحدد – أعمالها بقراءة واحدة أو نهائية.
 لقد لاحظ متابعو تجربة الفنانة اعتمادها  على دواخل الذات وأعماق النفس ومعاناة الروح ، والتعبير عن ذلك أسلوبيا بالخيال المتحقق عبر تلك الخطوط والمتاهات والدوائر والأشكال الرحمية والخليقية الأولى ،  لكنهم رصدوا أيضا التحولات التي تجري أسلوبيا في أعمالها ، وكنت شخصيا من المتسائلين عن مصير البحث لدى الفنانة ، بعد أن أصبح تكرار الأعمال وثيماتها المعروفة مألوفاً في التلقي البصري لها .... وقد أدهشني ما طرحته الفنانة في الأعوام الأخيرة من خروج عن التكرارية والخيال الفانتازي ومكونات المتاهة كإشارات إلى العناء الداخلي والذاتي والروحي ..    لقد بحثت عن ( مواد ) وتقنيات من المحيط والبيئة لتساعد في توصيل الانكسارات والتصدعات والأسئلة التي تحتدم داخلها. فاستعانت بالمواد المحيطية كالحبال والأسلاك والقماش ووضعتها على سطوح لوحاتها استكمالاً لذلك التصدع والانكسار والقلق، ولاستكمال هذا الخروج المحيطي والجرأة في مواجهته – بعد مرحلة الانحباس داخل الذات وتلويناتها الخطّية – فقد استعانت الفنانة بجانب ضخامة حجم اللوحات بالكثافة اللونية والخلفيات القاسية بصلابتها وامتلائها ، مما يوحي بعماء كثيف تسبح فيه أشكالها. فكان احتشاد اللوحة انعكاسا طبيعيا للاحتدام الداخلي . وكذلك فهو آنتقالة من عفوية الخطوط وتشابكاتها و اشتباكها وصراعها في فوضى داخلية منغلقة، وألوان متنافرة فاقعة، إلى هدوء واضح ينظّم تلك الفوضى ويعطي الأسئلة والقلق والبحث منطقاً داخليا تستوعبه اللوحة ، فيترتب على سطحها التصويري بمنطق مقابل ، يمكن ملاحظته في مظاهر عديدة منها خلق أعمال ذات طابع تتابعي أو ما اسمية بالمتواليات حيث يتكون العمل من ثلاث لوحات أو أربع (أو خمس أحيانا) ليعطي شكله النهائي، ويكون على المشاهد متابعة التغيرات أو المكملات التي تتدرج من اليمين إلى اليسار، وتستوعب وجود الخطوط أو الأشكال والألوان التي تستكمل حضورها على أجراء العمل و مفرداته ذات الوجود المزدوج : مستقلة مرة و مندرجة في سلسلة الأعمال الأخرى مرة ثانية .
هذه المتواليات تمثل على مستوى الإنشاء خروجاً من وحدة اللوحة إلى معالجة ملحمية أو سردية ذات أجزاء متصلة ... كما يمكن – كاقتراح بصري - أن تنفصل الأجزاء - اللوحات- عن بعضها ، ليكون كل منها عملاً منفرداً لكنه يذكرنا باللوحات المتسلسلة التي تأخذ أرقاماً في أعمال بعض الفنانين وتدعو لمعاينة الحالة ذاتها في معالجة ثانية أو منفصلة، لكن عمل ريمة قاسم المصغي لنداءات الروح ورسائلها المتصلة سيكسب قوة وحيوية باتصال اللوحات وإتاحة مشاهدتها موحدة مع وجود الخط الوهمي الفاصل بين جزئياتها ...
لقد ظل الخط عنصرا أساسياًَ مهيمناً في اعمل ريمة قاسم الأخيرة، لكنه يتعالق مع مواد المحيط والحضور اللوني المتنوع، فالفنانة لا تضع موانع إزاء استخدام الألوان كلها مع تدرجاتها الممكنة وإذ تخرج من دهاليز الروح المغلقة إلى فضاء الخارج وسطوحه فهي لا تتنازل عن رؤيتها الذاتية وعالمها الحلمي والخيالي ، لكنها تعطيه حضوراً عيانياً يظل زاهداً بالتشخيص لكنه متاح للتفسير والقراءة البصرية التأويلية... وربما أوحت تشكيلات الخطوط بأشكال آدمية سابحة في فضاءات اللوحة، ولكنها ذات وجود خيطي مختزل يشير إلى فقر الإنسان الروحي وبؤسه في هذا العالم، رغم محافظة الفنانة على معادلة هذا العالم بالأحجام الكبيرة للَوحات كما سألاحظ خلو أعمال ريمة قاسم من العناوين والتسميات ، وكذلك الاكتفاء بالرسم الزيتي على القماش و استخدام الورق أو الأقلام المختلفة والمائيات في بدايتها وهو لا يؤكد مهارتها الحرفية فحسب بل جرأتها لآستخدام مادة الرسم الأولى ( الزيت ) وتفجير طاقاتها اللونية و التعبيرية ... واستثمار إغفال التسمية لخلق إيحاء بوحدة التجربة وانبثاقها من بؤرة موضوعية أو مولَد شعوري واحد ، فلا تتوجه المشاهدة البصرية أو تتحدد بِهَدْي العنوان و تتأثر به كموجَه من موجَهات التلقي بل تتأثر فقط بالعناصر التشكيلية التي تتنضّد على سطح اللوحة... وعدم العنونة هو في القراءة السيميولوجية ذو مدلول لا يقل أهمية عن توجيهات وتاويلات العنوان أو التسمية .. فهو يوحي بتماثل الأجزاء وتسلسلها كوحدات أو مفردات ضمن رؤية واحدة تتنازل عن التسميات لصالح وحدتها البنائية المتشكلة أو المنبثقة عن وحدة الرؤية و المعالجة الأسلوبية .
إنني اختم هذه الحدوس والمقترحات القرائية والتأويلات البصرية المتحصلة من مشاهدة مستمرة لأعمال ريمة قاسم بالتنوية بما يطرأ على معالجاتها الأسلوبية الراهنة من تحولات على مستوى اللون والإنشاء والتقنيات المتاحة والاستضافة الخارجية للمواد والتقنيات المحيطة ذات الجماليات الخاصة والتي تشير إلى ولوج الفنانة لعالمٍ كان مخيفا لها ، تقاومهُ بالتعبير عن ذاتيات داخليه مغلقة ، وجاءت الآن لتجد مناسبة ممكنه لمصادمة هذا الخارج ومواجهته فنياً.
 
 
 
    
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
           
          
                                             الثقافة البصرية في الفضاء العربي
 
 
 
 
 
 
تمثل الثقافة البصرية اليوم مصدراً من أهم مصادر الثقافة العامة والذوق الجمعي والحساسية الفنية التي تحرص الدول والهيئات والمؤسسات على الإسهام في إغنائها وتعزيزها . وأبرز سبل ذلك هو العناية بالفضاء المديني الذي يحيط بالفرد ويواجهه يوميا، وهو فضاء فقير في بلداننا باستثناءات نادرة، فكثير من مدننا العربية تخلو من النصب والتماثيل والجداريات والمجسمات واللوحات في أبنيتها ومنشآتها بل تخلو حتى من الإشارات الضرورية كالعناوين والتسميات التي إن وجدت فتوجد ككتل تعريفية شوهاء تتوزع ً بلا حساب لموقعها وأفق رؤيتها وبعدها الجمالي.
يترافق ذلك مع إهمال الآثار والموروثات والتقاليد الشعبية ومعاملتها كلوازم زائدة وعادية إما لصالح العمارة غير المدروسة والمتكدسة عشوائيا أو لتكريس منظر الأحياء المكتظة  والبيوت المتداعية التي تعكس الخواء  المادي والروحي معا.
والغريب أن حالنا هنا تراجعي مثل الكثير من شؤون حياتنا، فالبيوت التقليدية في المدن العربية والتي تعود لفترات النهضة والتحول حافظت على طابع خاص يوفر الراحة المطلوبة في الجانب الوظيفي للبيت ، فضلا عن توفير الجانب الجمالي خارجيا وداخليا.
لكن فضاءنا العربي اليوم يخلو من تلك الإشارات المحيطية التي تهم علماء الإيكولوجيا وتنعكس على مسألة الهوية والتربية الجمالية المطلوبة لتهيئة فرد مستعد لتقبل التحديث في الجوانب الأدبية والفنية والإنسانية عموما ، لأنه متدرب بصريا على رؤية واستشعار الجَمال في  ما حوله ، وهذه المهمة تشترك في إنجازها الدول ببرامجها السكانية والعمرانية ، والإعلام بتوعيته ومساهماته المباشرة –حتى على صعيد الإعلان الذي تشتبك فيه الفوضى الفنية والنهم للترويج على حساب الجماليات البصرية ، وكذلك في تخطيط الأحياء والمنافع العامة كالأسواق والملاعب والحدائق.
إن الامتلاء بما في المحيط من جماليات بصرية يهذب التعامل الإنساني من جهة على مستوى التلقي، ويمد التحديث بالطاقة والمكونات المطلوبة لإنجاز البرامج و الأهداف ، وهذا يوجب العناية بالمطبوع  ودراسة الفضاء الذي يحتشد اليوم  باللافتات والأسماء والألوان المتنضدة بلا حساسية أو حساب لموقعها في المشهد البصري ، وحتى الخطوط التي كان للحرف العربي فيها مكانة جمالية وبصرية لا تضاهيها كثير من الأعمال الفنية ، أصبحت تصدم البصر بقبح كتابتها وفقرها الجمالي وحتى الأخطاء الواضحة في رسمها مما يعلق في ذاكرة الفرد ويرسخ بالنظر المتكرر .
مدننا التي تنعم بطبيعة جميلة  لا تكاد تجد تنسيقا لما هو غبر طبيعي أي متروك للإنسان كي يعده ويرتبه ، بل هو غالبا ما يلوث تلك الهبات ويعكرها بإهماله وأميته الفنية التي لا تولي البصر أهمية أو عناية ، وتشي بالبؤس الفني وانعدام الإحساس الجمالي في محيط مليء بالمخبوء من الرموز والدلالات والإشارات الجمالية التي تنتظر أن تجد لها مكانا في المشهد البصري  الخاوي في فضائنا العربي العجيب!!
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
             
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الفن والعولمة ..
..لوحات بلا ثمن
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
غالبا ما تبرز في مناقضة عالمية الفن أفكار تربط ذلك بالتداول والانتشار حتى عبر التجارة والمبيعات والتسويق وكأن الفن سلعة جاهزة أو مادة للتصدير مفرغة من غرضها الثقافي ودلالتها المعرفية والجمالية ومؤشراتها الحضارية.
و في الملتقى التشكيلي العربي الذي انعقد في صنعاء  في النصف الثاني من أيار –مايو نوقشت جوانب من واقع التشكيل العربي وصلته  بالعالم ضمن هواجس العولمة وما تترك من أثر في  الأساليب الفنية من جهة والجانب التداولي للفن كالبيع والشهرة والعروض الخارجية والمساهمات العالمية من جهة أخرى .
ولكن الجانب التسويقي أخذ الكثير من النقاش والجدل، وكأن الإنجاز المطلوب الآن في الحقل التشكيلي العربي هو تسويق أو تسليع الأعمال الفنية كشهادة على عالميتها ، رغم علم الجميع أن حالات البيع غالبا ما تكون لجامعي أعمال من الأفراد والهيئات الخاصة لا المتاحف أو المؤسسات العامة التي تضمن مشاهدة واسعا وتعرفا ورصدا وتقييما للمقتنيات، كما أن اللهاث وراء البيع لمقتنين أجانب ترك أثرا في أسلوبية الرسم نفسه فكان الكثير من الفنانين يلبون أفق انتظار المشاهدين الأجانب الذين يبحثون عن تمظهرات  الصور النمطية المكونة في وعيهم للشرق وجغرافيته وثقافته وبشره وطبيعته  ، وصار ذلك الدافع مظهرا  أسلوبيا وموضوعيا تُنجَز بسببه اللوحات الناسخة –لا المتمثلة –للبيئة والبشر والملامح الثقافية للمكان، ورغم شكّنا بالأرقام التي تردد أنها كانت ثمنا لشراء لوحات لفنانين عرب غير معروفين في بلدانهم أو مؤثرين في الحركة التشكيلية إلا أن ذلك في حال جديته وبراءة دافعه ومشغّلاته فنيا لا يؤشر إلى تموضع فننا التشكيلي عالميا أو احتلاله موقعا في المنجز التشكيلي العالمي وحركته الدائبة ، فالبداية كما هو معتاد  تكون من الواقع والمحيط والإطار الذي تنتج فيه الأعمال وتتحدد كينوناتها وأسلوبياتها ، فلا يعود السطح التصويري مناسبةً للتفكير بمردود العمل ماديا أو ما يعود به على الفنان من ثروة، فذلك لم يكن في بال الفنانين الذي أثّروا في اتجاهات الفن التشكيلي ولم يتلق أغلبهم حتى ما يسد احتياجاتهم زمن تنفيذ أعمالهم التي صار لبعضها بعد رحيلهم أثمان خيالية لا ندري كيف سيكون وقعها لو أنهم علموا بها.
وفي سياق الجدل والحجاج برزت تفوهات تنم عن اتجاه واقعي ونفعي في تقييم اللوحات يتهم المدافعين عن قيمة العمل الفنية وإضافته لا قيمته المادية وسعره بأنهم يحملون نظرة رومانسية عن دور الفن ومكانته وموقعه في النفوس وأنه لا  يقدر بثمن ، ولعل مرد هذا التصور هو النقاش الشفاهي المبتسر عادة والمجتزأ  ، وإلا فمن يريد أن يبقى الفن أثيريا بلا ثمن وفوق التقديرات والتخمينات؟ ولكن ثمة اشتراطات وحدود لعالمية الفن لا توفرها المزادات والمعارض التجارية والسياحية  والرعاية الحانية لفن شعوبنا المنسي تراثها الحضاري والمنهوب إرثها ، وسيكون دخولنا إلى عالمية الفن عبر اهتمامنا أولا بمتلقينا البصريين المحليين الذين يعانون أمية فنية معاصرة بسبب فقر الفضاء العربي من جماليات البصر الضرورية ومن انعدام التربية الفنية أسريا ومدرسيا ومن انقطاع الإنسان عن منجزه الحضاري والفني البالغ الثراء.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
                                  العين تسمع دفق الحياة
                       .. عدسة الفنان عبدالرحمن الغابري
 
 
 
 
 
 
 
 
حين استضفت الفنان الفوتغرافي اليمني  عبدالرحمن الغابري وقدمته لطلابي كنت أراهن على أن ما سيعرضه لهم ليس مقصورا على الجانب الحِرَفي في فن التصوير ، بل تلك الرؤية التي تعمل بها آلته وهو يصور دون كلل على مدى سنوات مشاهد بصرية مبهرة من أرض وطنه، وأهلها، ومظاهرها وجماليات الأمكنة وتنوعها.
 وقد حصل ما توقعته إذ تنبه المتلقون لما يؤسس له الغابري موغلا في تجربته بصرية حيث عرف عنه، منذ سنوات، انشغاله بالطبيعة والبشر في وطنه وراح يذرع البلاد طولا وعرضا، وبجهد شخصي باحثا عن نقطة ضوء و رفّة نجمة، أو لائذا بقمة جبل ،أو متابعا موجة بحر وقامة شجرة  أو مسترخيا في أحد وديان اليمن السحيقة متابعا طائرا غريبا يحلق ناظرا للأفق بدهشة ستوازي في صداها دهشة الفنان ودهشتنا بالضرورة  ثم مقتنصا وجها من تلك الوجوه التي ألفت المكان وألفها..ومؤلفا من ذلك كله لوحات تقترب من الفوتغراف بمفهومه الحِرفي-نسبة إلى الحرفة- وبين الفضاءات التي يتيحها الخيال لتأليف  ذكي وإنشاء جميل  قريب من تقنية اللوحة التشكيلية .
وإذا كان المصريون القدامى يتداولون حكمة تقول (إن الأذن ترى و العين تسمع ) فإنهم قد كانوا يفكرون دون شك بهذه الاحتفالات البصرية التي يقيمها الإنسان للطبيعة والبشر في ذاكرته ويحاول تخليدها بشتى الصور ، ولعل التمثيل البصري عبر آلة التصوير من أكثر محاولات تنشيط الرؤية حد السماع والإنصات واستيعاب المنظور والمُبصَر، بعد أن كانت الصور الذهنية المعبَّر عنها في البلاغة الكلامية شعرا ونثرا هي السبيل لذلك الاتصال بالخارج ، والإنصات لجمال الكائنات من حولنا وإعادة تمثيلها .
يقضي الفنان اليمني عبدالرحمن الغابري أوقاتا طويلة منتظرا طلوع الفجر وراء سحابة أو قمة جبل ،أو فوق زرقة البحر، ليأسر انعكاسات الشمس وحوار الظلال والأضواء في الأفق المفتوح للبصر حين تنام عن هذا المشهد البصري أعين كثيرة فيقدم لها مشاهداته بعد أن تمسها يداه في مراحل إعدادها وتحويلها إلى مفردات بصرية  مُعالَجةٍ بالحيل والتقنيات البصرية التي كان السينمائيون يدعونها خدعاً ، وهي في ظني قراءة للمشهد البصري تؤول جمالياته وتستكمل غير المنطوق من دلالاته بإضافات الآلة وسحر الطباعة والتظهير.
بهذه الفرضيات يقرأ الغابري طبيعة بلده المتنوعة ، فاليمن تنفرد بهذه الخصائص التي تهبها طبيعتها للعين المبصرة المنصتة ، ذرى شاهقة تشتبك مرتفعاتها وتتمادى ارتفاعا فيما تهوي العين لترى الوديان السحيقة في انخفاضها ، ومدرجات خضر يحاول أن يستشف الغابري ما وراء فائدتها كوسيلة زراعية عرفت بها اليسمن في القديم ويراقب تعاقي الخضرة فيها والحزوز التي تصنعها حدود المدجات وهي تصنع كمائنها لقطرات المطر لتمر بأكثر ما يستطاع من مساحات مزروعة.
للفجر عذوبة خاصة في قراءة الغابري للطبيعة فهو يرفع بصرع=ه ليدون اشتباك الغيوم التي يحاذيها ببصره ويأسر كتلتها القطنية المنبسطة في الأعالي كمد من أغطية قطنية تنفرش أمام الأعين كاشفة عن بياضها الناصع وكثافتها التي تتوالى لتهب العين الاستغراق في ذلك البياض القائم على حدود ألوان خفيفة من غيم يجاورها على استحياء مؤطرا المشهد بألوان تكسر حدة البياض وتشير إليه في الآن نفسه
لقد تحولت آلة التصوير إلى وسية مكملة للإستيهامات التي تبعثها الذاكرة التشكيلية عبر السطوح التصويرية فيس اللوحات بعد أن كان العداء متوقعا عقب اختراع الكامرة بين اللوحة والصورة  ،ولكن الاستمداد المتبادل بينهما عزز فكرة وحدة الفنون واقتراضها من بعضها وهكذا غدا التصوير الضوئي ضربا من الفن تتشكل في رؤاه صور لا تبعد عن العين ولا تجافي المخيلة ، وأسهم المصورون الفنانون لا النسقيون الذين تقف مهمة آلة التصوير عندهم بحدود المرئي ظاهرا في توليد فن جديد يضيف للمشهد البصري الخارجي خيالات الذات وتأويلاتها ومن هنا يبرز اسم عبدالرحمن  الغابري مع زملائه الذين اقتربوا من المشهد البصري اليمني ،  ربما كان العراقي صلاح حيدر واحدا  من هؤلاء الذين  فتنهم المشهد الطبيعي خاصة  خلال  سنوات  إقامته في اليمن ،  كالغابري الذي لم تخطئ عينه البشر أيضا ، فسجّل تعبيرات الوجوه وانعكاسات المشاعر الداخلية على الأجساد ، كما في صوره المشهورة للراقصين والعازفين والصيادين والمارة والنساء والمزارعين والأطفال ، ولعل انبثاق الوجوه التهامية - في إحدى صوره- من كوة الكوخ المبني من الطين والقش تبعث في النفس فكرة الأمل بوجود الإنسان حاميا للطبيعة لا مدمرا لها ، وتلك هي لب أطروحة المصورين الحداثيين الممعنين في كشف استيهامات العين وإنصاتها لسمفونية متناغمة خفية تعزفها الطبيعة ويكملها البشر.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
         رافع الناصري  بين الشرق والغرب
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
يؤرخ الفنان العراقي رافع الناصري لتجربته في الرسم والغرافيك بخمسين عاما قضاها دارسا ومدرسا وفنانا متفرغا  بين الشرق والغرب،  كي لا يقصر المؤئر المعرفي والفني على جهة واحدة  هي الغرب الذي  اعتاد الفنانون العرب أن ينسبوا إليه تأثراتهم ووعيهم بجماليات الفن وحرفياته .
في محاضرته  التي قدمها مسهما في ملتقى صنعاء الثاني للفنون التشكيلية 17-20/5 يسرد الناصري وقائع ومحطات ومفاصل تشكلت عبرها رؤيته وتواصلَ إنجازه في الرسم والحفر والعمل الفني المصاحب لذلك ، كالتصميم والإخراج الفني والصحافة ،،والمدهش هنا أن عرض  اللوحات  والأعمال الغرافيكية كانت وسيلته للتعريف بتجربته بدءا مما يسميه الدرس الأول الذي يترك أثره عادة في التوجيه والممارسة.
ذلك الدرس يتمثل  في بغداد منتصف الخمسينيات حين يعرض جواد سليم على طلاب معهد الفنون الجميلة  يدا برونزية عملها  لزميله فائق حسن ويطلب نحتها بمادة الطين ، وفي الصين مطلع الستينيات  حين يكون الدرس الأول رسم مزهرية ورود متنوعة وحفرها وطباعتها بالأسود والأبيض ، ثم يأتي طور جديد يكتشف فيه الناصري أمكنة كثيرة شرقا وغربا  في أوربا وآسيا والبلاد العربية مشاركا في معارض أو عارضا تجربته ، فتتعمق رؤيته بتلك المشاهدات البصرية والثقافة متعددة المصادر.
وعن ذلك يقول الناصري مختتما حديثه عن تجربته الفنية:( تلك باختصار أهم المحطات الفنية التي مررت بها وعشتها شرقا وغربا،إنها اللحظات الرائعة التي تراودني دائما، تشجعني اوتتحداني ، عند مواجهتي سطحا أبيض للوحة جديدة، ولعل أصعب ما في الأمرأنها تفرض شروطها  القاسية على حالتي النفسية وتزجني فيحيره الاختيار بين أن أنسى ولا أنسى الدرس الأول في الفن.).
 
ويمكننا أن نفهم حيرة الفنان المعرفية إزاء المتراكم من المفاهيم والتجارب ما يجعله كما قال  مؤخرا في المناقشات الجانبية لجلسات ملتقى صنعاء الدولي للفنون  يتمنى التحرر مما درس ويصوت لصالح الفطرة والموهبة دون تعالٍ  على التجربة والقراءة ولكن من أجل التحرر من ربقة النظريات والعمل بعفوية يتطلبها اليوم حفارنا المعاصر ورسامنا وفناننا التشكيلي بوجه عام. وهكذا نقرأ صراحة الناصري في التعبير عن حواره مع البياض الذي يتحدى الفنان ويدعوه لاستنفار طاقات يديه ومخيلته معا، فتتآزر الحِرفة والذوق والرؤية لإنجاز ما يظل  خالداً على  السطوح التصويرية ، مُشْرعا للقراءة البصرية ، أو يرسخ في الطباعة والحفر ليواجه الإنسان في سيرورة الفن وحوار الروح مع جمالياته.
 انصراف الناصري لأعمال   الحفر والطباعة مبكرا  ستكرسه واحدا من رواد هذا الفن الذي لا يزال نادرا في المحترفات التشكيلية العربية ، وسيكثر طلابه في الأمكنة التي عمل فيها  فهو يعي ريادة فناني العراق القديم للحفر على الطين ، كما أن الصين عرفته قديما ، وستنتقل النزعة الغرافيكية إلى رسومه بكثافة ممتدة باحتشاد على السطوح التصويرية واستخدام المواد المختلفة ، منوها بالوصية التي يرددها  الصينيون عن الفنان العارف  متى يرفع الفرشاة  الدقيقة عن السطح،  بينما ينسال اللون حرا ليعبر عن مكنونات النفس ،وأملها أيضا كما تجسده في أعمال الناصري إشعاعات اللون المنبثقة من أشد مناطق العتمة في اللوحة ، كما يؤاخي المؤثرات المعرفية في رؤيته الفنية فيمارس الحروفية في فترة مبكرة من اتجاه الفنانين نحوها ، و يشغف بالتصوير موثقا  الوجود المادي أو الكتلوي للأشياء ويأسرها في عدسته التي تقتنص أكثر المشاهد عذوبة وعفوية ، وهذا ما كان يفعله ونحن نتجول في أزقة صنعاء القديمة وأسواقها ومبانيها التقليدية  ، فيصور رافع الناصري بلا توقف كل ما يلفته من الوجوه والأمكنة والتفاصيل الصغيرة كالأعمال الشعبية على الجدران والسيارات ، ويقتنص وجوه المارة  المعبرة شيوخا وأطفالا .
اليوم يستريح الناصري في مشغله بعمان  متفرغاً منذ عام 2004 ، لكنه حتى وهو خارج  عملية التعليم  كمهنة ، يستمر في تبني وتعليم العشرات من طلاب الفن ، كما يكتب انطباعاته ودراساته عن الفن والفنانين،  وينجز لوحات بأحجام كبيرة  ورسوما مصاحبة للأشعار صدر منها ألبومات  أو محفظات فنية ( من  قصائد  المتنبي ومحمود درويش وإيتيل عدنان ومي مظفر).
لقد اغتنت تجربة الناصري الغرافيكية بوعيه بمادة عمله واختياره لموضوعاته  فيقول عن هذا الفن في كتابه(فن الغرافيك المعاصر) –عمان1997(يتميز فن الغرافيك بسمة متفردة بين الوسائل الفنية.فالنطاق الواسع للمواد المستخدمة زتنوع تقنيات الطباعة يجعلان هذا الفن وسيلة مرنة وثريةمما يتيح للفنان امكانات متنوعة للتجرب والتعبير) .
وهذا يفسر عمق منجزه الناصري وتنوع تجربته التي تحتل في التشكيل العربي والعالمي مكانة خاصة اكتسبها بالمثابرة والتفاعل ، فهو لا يتوقف عن التجريب بعد تلك السنوات التي امتلأت بالإبداع وفاضت عنه كما فاض عنها، فصار الفن يعني الحياة عنده كما أن حياته هي فنه بالضرورة .
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
          شجرة جواد سليم القتيلة : قراءة في نص بصري
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 يخرج  الفنان العراقي جواد سليم من  منزله ذات صباح  من عام 1958فيجد خارج حديقة المنزل رجالا يهوون بالفؤوس على شجرة معمرة ليجتزّوها ، بينما لا تزال أغصانها ظاهرة الخضرة وبادية للنظر . كان جواد في تلك الأيام يتهيأ لوضع (اسكتشات)أولية  لعمله النحتي الخالد : نصب الحرية .
المفارقة التي ضاعفت إحساس الفنان بالأسى لاقتلاع الشجرة  أن ذلك اليوم كان عيد الشجرة الذي يزرع فيه الناس الأشجار ويحتفلون بها . وكما يذكر جبرا إبراهيم جبرا في كتابه(جواد سليم ونصب الحرية) فإن جواد إذ تأثر بالمشهد قرر أن يرسم عملا يجسد انفعاله وهي  اللوحة التي ستعرف باسم (الشجرة القتيلة) كما أطلق عليها جبرا نفسه بينما كان جواد قد أسماها( عيد الشجرة ) تهكما وألما وذلك ما يورده جبرا في الكتاب نفسه .
في مذكراته( تأملات روحي) يدون جواد قصة تك الشجرة وتأثره بقسوة البشر إزاء جمال الطبيعة وذلك ما جسده نصه البصري المدهش عنها . فقد تركزت الوحشية في تشريح الرجلين اللذين يعتليان الشجرة والفأس والمنجل في أيديهما  حيث  تتوافق إيقاعاتهما مع قسوة الملامح التي ثبتها الرسام للرجلين وتكتلهما في جانبي الشجرة التي لم يبق من أوراقها سوى القليل متناثرا على الأرض.  ولكن المخيلة ستأخذ دورها هنا فيرسم جواد امرأة أسفل الشجرة منحنية برشاقة تظهر جمال جسدها وهي تجمع أشلاء الشجرة وقد بدا وكأن الأوراق وبقايا الشجرة هي جزء من تكوين المرأة ذاتها فقد اندغمت أجزاء جسدها ببقايا الشجرة وظهرت للناظر مثل قطع من شعرها.
يزيد هذا الإحساس بتماهي المرأة والشجرة ملامح الحزن والعذوبة على وجهها والتهميش الذي تعانيه المرأة ويعكسه حتى التكوين والإنشاء داخل العمل حيث توارت المرأة في الأسفل حزينة تلملم بقايا الشجرة – بقاياها هي- بينما تصدر الرجلان اللوحة كما اعتليا بأجسادهما القوية الشجرة ذاتها.
بالنسبة لي تمنحني معاينة هذا النص البصري  المدهش فكرة عن رؤية متقدمة يحملها الفنان الخالد هي التي أعطته هذه المكانة في التشكيل العراقي والعربي والعالمي أيضا ..فجواد بحكم تربيته وقراءاته منحاز للمرأة باعتبارها كائنا  مهمشا في تلك الحقبة الزمنية خاصة   إذ لم يتبلور بعد الوعي الكافي بدور المرأة ووجودها كنوع إنساني خارج  وظيفتها الطبيعية في الحياة. كما أن هذه الرؤية جعلته  يعد المرأة من كائنات الحياة التي يتجسد فيها الجمال بشكل فذّ وراقٍ وهو ما يجمعها بالشجرة التي يهوي عليها الرجلان بقسوة كما يعاملان المرأة نفسها  في الواقع.
إن القضاء على عفوية الطبيعة وجمالها يستوجب من الفنان تصوير المرأة
 بالزي الريفي حيث تلتف عباءتها على  وسطها وتمتد يدها اليمنى بحنو وأمومة لتحتضن الأغصان والأوراق المرمية كالجثة على الأرض ولكن الرسام يبرز جمال
 
 يد المرأة وساعدها ورشاقتها بينما تتعامد نظرة عينها اليمنى- المرسومة  بجمال خاص بأسلوب جواد في مرحلته البغدادية حيث العيون طويلة الأهداب  واسعة وذات بعد هلالي – مع الأشلاء بحزن واضح . وبذا اكتمل الإيقاع في النص البصري أمامنا فهناك الرجلان القاسيان بمواجهة كائنين أنثويين مرهفين هما المرأة والشجرة.
ويستثمر جواد كل عناصر الإيقاع هنا توافقا وتعارضا ، التوافق بين الرجلين من جهة ، وتوافق المرأة والشجرة من جهة ثانية ،ثم يستثمر التعارض والتضاد الدلالي بين وجود الرجلين يجتزّان الشجرة ، ووجود المرأة وبقايا الشجرة على الأرض في صراع واضح وعداء مكتوم وشجن تمثله المرأة التي تلملم الأشلاء ولا يخفى أساها للناظر والمتأمل في النص.
سوف يمتد الإحساس بهذا الإيقاع وثنائية القسوة والجمال – الأنوثة والذكورة - إلى تنفيذ العمل نفسه، ليس في  إبراز القيم التشريحية تكريسا للقسوة والخشونة في الرجلين مقابل الرهافة والرشاقة في  شخص المرأة والشجرة فحسب، بل في اختيار الخطوط الخارجية النحيفة والألوان الهادئة المتدرجة عن درجات الأحمر والبني في عري واضح ، حيث لم تكتظ اللوحة بخلفية محتشدة  واكتفى الرسام بالفضاء الذي انغرزت فيه الشجرة وتعلق بها الرجلان، وفي الأرض التي نثر عليها الأشلاء وجسم المرأة المنحنية لتلتقط – بانكسار- البقايا التي تتراءى لي بقايا أيامها وأحلامها وفي لحظة معاينة أخرى أتساءل لمن تعود الأجزاء والأشلاء ، للمرأة أم للشجرة؟
شجرة جواد القتيلة ستكون باعثاً لتناصات عديدة  ودخول أعمال مختلفة فنية وأدبية في علاقة تضمين وتفاعل معها ، أذكر منها عملا للشاعر الراحل يوسف الصائغ قمت بتحليله في مناسبة نقدية سابقة.
لا شك أن كثيرا من الأشجار تقصفت بعد شجرة جواد لأسباب عديدة، ولكن شجرته ظلت شاهدا رمزيا على الوحشية.. الوحشية التي ما كنا نحسب أن علينا  ذات يوم أن نواجهها بشرا وأرضا وموجودات  بهذه الكثافة والقسوة والهمجية.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
                شموس من فولاذ:عن منحوتات أحمد البحراني
 
 
 
 
 
 
 
لم أكن قد التقيت النحات أحمد البحراني(بابل1965-)خلال إقامته في صنعاء في النصف الثاني من عقد التسعينيات بما يكفي للتعرف على رؤاه وأفكاره وانشغالاته . اقتصرت علاقتنا على مصادفات لم تنتج حواراً جديرا بفنان مجدد مثله ،  ومتابع بَصَري مثلي ، وخلال اكتفائنا بعطايا المصادفة ونزر المقابلات السريعة كنت أكوّن انطباعاً ظلّ أسير قناعات يشكل بعضها خصوصية النحت كفن مهمش إزاء جماهيرية التصوير النسبية والتي هي بدورها تنحسر لصالح  الأدب المنسحب أصلا من برامج ثقافتنا العامة الشائعة وبؤس التلقي والتواصل في عراء المدن العربية من جماليات الفن والفقر البصري السائد في البيت والمكان العربي عامة، وندرة النصب والأعمال الفنية حتى الموروث منها كالخط والتنويعات الكولغرافية الممكنة والمتمددة من جمالياته أساساً.
يشكو نحّات ورسّام مهم في المسيرة الفنية العربية –والرؤية النحتية خاصة- هو جواد سليم في يومياته لأن أحد أعماله النحتية التي عمل فيها قرابة شهرين لم تثر إلا إعجاب القليلين و لم يفلح في بيعها طوال فترة العرض الذي شمل أعمالا فنية متنوعة.  وتعليقا على ذلك وتفسيراً له – ولتهميش النحت برفض أعمال عديدة لجواد و إهمالها كمنحوتات المصرف الزراعي ومحطة قطار بعقوبة وحصان مضمار السباق في المنصور، وشعار مصلحة نقل الركاب ببغداد- قلت في مناسبة نقدية سابقة أن ثمة انقطاعا بين الموروث النحتي لوادي الرافدين ، والإنسان العراقي الوارث لهذا الكنز من منحوتات بابل واشور وسومر والحضر وسواها من الجداريات والتماثيل و اللقى الغنية موضوعاً وأداء.
لاشك أن هذا العمى أو  الفقر البصَري على مستوى التلقي يفترن بسياقات الأنظمة السياسية والظرف الذي يفرض على العراقي ترتيب أولويات حياته بما يؤخر الفن لصالح مفردات العادي واليومي. ولكن الفنانين وجمهورهم النخبوي والمؤسسات تسهم في تكريس ذلك الانقطاع وتكرّس تلك القطيعة.وقد تأكد لديّ هذا الافتراض عبر ملاحظتي طريقة عرض المنحوتات داخل الصالات وضمن المعارض حيث تتكفل بها الأرضيات ويمر بها المشاهدون رافعين أبصارهم صوب الأعمال المعلّقة على الجدران مفترضين أن الوجود البصري لها يتحدد بعلوّها فحسب، رغم أن وعينا بالفن نشأ ونما في مدينة هي بغداد،  لها حظ طيب في جماليات البصر عبر شواخصها الفنية الكثيرة قياسا إلى مثيلاتها من مدن الحداثة العربية.
ربما كانت هذه الاستطرادات المطوّلة عن عزلة النحت ترميزاً لاعتذار متأخر
عن  فقدان الصلة بفنان كالبحراني جمعنا وإياه مكان واحد لم نقتنص فيه فرصة المعرفة والرؤية والمشاهدة والحوار.
في معارضه الصنعانية كان للبحراني هوس واضح بالشخوص ، وقد  لفت انتباهي بقدرته الإنشائية المتجسدة في بناء موضوعات تعارض التجريد الذي تفترضه الكتلة النحتية المتشكلة من مادة البرونز أو الحديد أو المرمر أو الحجر. فيستنطق الفنان صمت المادة و صممها و صلابتها لتبرز في عراء الفراغ بهيئة أشخاص تدل نحافتهم و السمة التعبيرية للأعمال و علاقات الشخوص الواقفين مصطفين أو المتقاطعين أو المتقابلين  في مشاعر إنسانية ترثي ما أصاب العراق – كانت تلك الأيام تشهد حصار ما بعد حرب الخليج الثانية – لذا تظهر الأجساد ضامرة ً أو ملتصقةَ البطون هزيلةَ الأطراف لكنها ممتدة القامات و الأبصار صوب الأعلى أملاً و رجاءً .
كانت العناوين التي يبرع الفنان في سبكها تقود المشاهد إلى معترك بصَري تكون مادة النحت فيه مجرد مناسَبةٍ لاستذكار ثقل الحياة و شدة وقعها ووحشيتها و جمالها  أيضاً .
و لم تكن عينا المشاهد قادرة على إغفال تعبيرات الوجوه و حركات الأيدي الضجرة و تشابك الأجساد رغم أن المألوف و المعروف في جماليات تلقي المنحوتات أنها تشد البصر إلى مهيمنة الكتلة ذاتها ، في رؤية شاملة تتصاغر فيها المفردات و التفاصيل بعكس التصوير الزيتي مثلا أو الحفر أو التخطيطات أو المائيات التي تبدأ مفرداتها بالنمو لتشكيل الهيئة العامة للعمل التشكيلي.
لقد كنا نتساءل وقتها عن استيعاب أحمد البحراني و تمثله لتيارات النحت الحديث و إمكان قدرته على تمثيل ذلك التأثر بعد هضمه. و قد تبادر إلى الذاكرة البصرية فورا أشخاص النحات جياكوميتي الذي عُرف بتجسيد الفراغ و عراء الأشكال و دقة الأشخاص. و لكن المؤثر النحتي العراقي القديم و المستعاد بشكل معاصر في أعمال جواد سليم خاصة أضفت على منحوتات  أحمد البحراني معالجات أسلوبية مبتكرة للمادة النحتية  ذات طابع سردي وهبت الكتلة القدرة  على النطق و الحكي و الانتظام السردي في موضوع متعين يمكن للمشاهد أن يتلمس فيه - إضافة إلى الشخوص العالقين في الفراغ و المتطاولين عن أجسادهم  - عناصر الزمن المؤطِّر للأشكال ، والمكان الذي تتحرك فيه، و الأفعال التي توحي بها أوضاعهم ضمن البناء الفني للعمل. بل يكاد المشاهد أن يستولد حواراً بين الشخوص و العالم و أنفسهم في ما يمكن أن نعده استكمالا للسردية المميزة لأسلوب البحراني تلك السنوات.
 فيما بعد سوف تتكفل المراسلة التي بدأها البحراني على ردم الفجوة التواصلية التي حصلت أيام وجوده في صنعاء . كان البريد- بشكله الورقي التقليدي ثم البريد الالكتروني في السنوات التالية- يحمل إليّ مزيداً من الصور و المصغّرات المصورة و أدلة المعارض و ما تحتويه من أعمال مطبوعة . فأتاح لي ذلك أن أتعرف على تطورات الفنان الرؤيوية  و الأسلوبية المتمددة من جرأته في تكسير الكتلة و تدمير المادة الأولى و فكّ أثرها المرجعي المباشر عن جماليات العمل المنتج .
لقد حصل للمادة ما أوجزه الزميل فاروق يوسف بوصفه ( التحرر من هيمنة أبعادها الداخلية) و رصد أيضا ذلك الاقتراب التدريجي من التجريد الذي صاحب عزوف البحراني ( عن استخراج أشكاله من كتلة المادة الصماء ... لأنه يريد أن تكون هذه الأشكال مصدر الكتلة) و كانت مناسبة هذا الوصف و الرصد المعرض الذي أقامه الفنان البحراني بعنوان( شموس )عام 2002 وقد  خصصه لمادة واحدة و هي الحديد،  فصنع بذلك الاختيار تناغماً مقصودا بين مدلولات الشمس و صلابة المادة الفولاذية ، مهشما الشكل الدائري للشمس ليخلق منه كِسَراً و شظايا تتفتت على سطحها عوالم موحشة كأنها تنعى فقر الروح و خواء النفس الإنسانية.
الشمس في هذه الأعمال مشوهة  و كأنها تتعرض لصدمة خارجية تحيل شكلها إلى سطح منبعج أو منقسم إلى شطرين يتباعدان في النهاية و يظل بينهما فراغ أو فجوة كأنما ينعى الشاعر من خلالها انطفاء الشمس ، و ربما وضع لها ما يشبه الأسنان فتبدو في إحدى تمرينات البصر و اختباراته و استيهامات التلقي حيوانا ضاريا يستعد لنهش أجساد لا مرئية .
ومن الطريف هنا  أنني أمتلك صورة لعمل من أعمال البحراني الصنعانية يحمل عنوانا قريبا من ثيمة الشموس الفولاذية بحمل عنوان (تحت الشمس) يصطف فيه شخصان تعلوهما شمس عارية تظهر دائرتها الصغيرة محاطةً بأذرع تتوزع من محيطها نحيفة متباعدة وتستند كلها  على خط نازل عمودياً خلف الشخصين ويصب حمم الشمس الهزيلة  متماهيا ً في ظهرهما فيتفاديانها بحركة اليدين التي تعبر عن العجز والضيق معا .
هذا الإنتاج الجديد لثيمة الشمس واستنطاق كتلتها وتوسيع دلالتها الرمزية في (شموس) يرينا التطوير الرؤيوي والأسلوبي الذي أجراه الفنان لأعماله . وهو حصيلة بحث ونظر وتأمل وتفرغ وإعادة تمثل و تمثيل للمؤثرات . فكان التجريد والتكسير المقصود  للمادة وتغييب الدلالة المباشرة بما يفسح مجالا طيبا للتأويل هي أهم منجزات البحراني على توالي سنوات تجربته الفنية واشتغاله على معالجة المواد النحتية والكتل ليؤشر إلى غنى تجربته الشخصية وتميزه بين نحاتي جيله وقدرته على صنع مذاق جديد للخبرة البصرية اقترابا بفن النحت من متلقيه ونفاذ مهمته الثقافية والجمالية.
سيهبني لاحقا الموقع  الإلكتروني للفنان البحراني وما يضم من أعمال متنوعة المعالجة والمادة فرصة تشخيص ما توقعته فيه منذ تعارفنا السريع الأول: فنان يتعبد في محاريب كتلة صماء سرعان ما يهبها حياة جديدة في إطار أشخاصه وأشكاله ورهافتها وشاعريتها رغم صلابة المادة وعنف الأفكار المعبّر عنها واحتدامها الخلاق.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
ملحق بالأعمال الفنية :
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


موقع الكاتب الدكتور حاتم الصكر - www.hatemalsagr.net